عندما تصبح الحقيقة سينما والسينما حقيقة

بقلم: إبراهيم عبدالمجيد
عمل جديد في بابه

"سينما الدورادو" العنوان المثير الذي اختاره الكاتب الجميل مصطفى نصر لروايته، لم يأتِ صدفة، على الأقل بالنسبة للذين عرفوا هذه السينما، من سينمات الدرجة الثالثة، فلقد كانت أكثر السينمات فقرا وجمهورها كذلك.
نحن إذن في قلب احتفال شعبي من طراز رفيع لأنه ببساطة حافل بالغرائب، وإذا كان رواد هذه السينما، وغيرها من هذا النوع، هامشيين فقراء فلابد أنهم كانوا يمارسون حرياتهم إلى أقصى مدى في الظلام.
حريتهم في الفرح وحريتهم في الشجار وحريتهم في الجد وحريتهم في الشذوذ، كل وفقا لشخصه وشخصيته.
لكن مصطفى نصر لا يكتفي بما يحدث في السينما، فهو يقوم بالحديث عن السينما نفسها شكلا وتاريخا، ومن أين تأتيها الأفلام، وصاحبها أو أصحابها، ثم يتحدث أو يروي شيئا من سيرة عينة من رواد كل سينما على حدة، ثم يحكي لك الفيلم العربي أو الإفرنجي، فنكتشف أن العلاقة متبادلة بين العينة من الرواد وبين الفيلم.
ونكتشف أن حياة كثير من الرواد، كل الرواد الذين يحكي عنهم في الحقيقة، هي الفيلم الحقيقي، بحيث لا تعرف في النهاية أين الحقيقة وأين الخيال؟ بل كثيرا ودائما ما تبدو الحقائق التي يسوقها مصطفى ببراعة فائقة الخيال.
قصص الحب الرومانسي الذي بلا طائل، وقصص الخيانة، وقصص الارتواء الجنسي السريع في السينما المظلمة، وقصص الحصول على ثمن تذكرة السينما، وقصص التهيؤ للذهاب وقصص الإياب. السينما في النهاية لا تصبح مكانا يرتاده الرواد لأنه سينما، لكنه وقت حميم من صميم حياتهم، وذلك كان حال السينمات الشعبية زمان بحق.
أسهل شئ كان دخول السينما، أشبه بالعودة إلى البيت، لم يكن يبقى من السينما غير قصص الأفلام التي نكتشف أنها وقد أطلقت لنا عنان الخيال باعتبارنا من سكان هذه الأماكن الشعبية، يكتشف غيرنا أننا كنا أكثر خيالا من الأفلام.
والحكايات لا تنتهي بنهاية الفيلم، في كل سينما، أو في كل مرة، بل يستمر مصطفى نصر ببراعة في استكمال القصة / الفيلم الآخر.
قصة المشاهدين، أو العينة الممثلة للمشاهدين. ففي سينما "التتويج" أول فصول الرواية، ينتهي الفصل بهذه العبارة الدالة على ما نقول "أغلقت السينما بعد سنوات قليلة من عرض الفيلم. تحولت إلى جراج كبير، وانتقل المرض الصدري من المريض الذي أحبته الممرضة إليها، ثم إلى أختها عيدة (هؤلاء هم عينة الأبطال المشاهدين) وماتت عندما كان زوجها الزناتي في رحلاته الكثيرة والبعيدة."
وفي الفصل الثاني "سينما ماجيستيك" يتماهى حسني مع عبدالمنعم إبراهيم بطل فيلم "طاقية الإخفاء" يتماهى معه في الضعف والإهانة التي تلحق به كما تلحق بعبدالمنعم إبراهيم، عصفور، قبل أن يعثر على الطاقية وبعد أن يفقدها، فتوفيق الدقن غريم عبدالمنعم إبراهيم في الحب هو ابن عم خميسة حبيبته في الحارة الذي ينغص عليه عيشته ويرسل الأولاد الصياع يلوثون قفل دكانه بالشحم والفضلات والأوساخ، ثم يقذفونه بالحجارة من شرفاتهم، ووصلت محاولاتهم في إهانة حسني وإبعاده عن حبيبته خميسة إلى حد محاولة إشعال الدكان.
يعيش حسني لحظات طويلة من أحلام اليقظة في الانتقام من غريمه، ثم في النهاية يسلم بأنه سيترك خميسة ولن يتزوجها.
هنا الفيلم لا يمكن أن يتحقق في الحياة، قهر الواقع أكبر ولا يمكن أن ينهيه الخيال والعجز. هذه صورة أخرى من نهايات الحياة التي تقابل نهايات الأفلام.
أما "سينما الهمبرا" عنوان الفصل الثالث، فهو من أمتع الفصول، وهنا سبب شخصي يخصني أنا كاتب هذا المقال، لأنني كنت موجودا في السينما حين وقعت هذه الحادثة.
لم أكن أعرف مصطفى نصر طبعا، لم نكن قد التقينا بعد في دنيا الأدب، كنت في السادسة عشرة من عمري تقريبا، وكان الفيلم واحد من سلسلة أفلام هرقل لستيف ريفز ذلك الوقت المبكر من الستينات، وعرضوا بالفعل فيلم "سر المونت كريستو" وهاج جمهور الطلاب وأنا معهم، وقام بعض الطلاب بتحطيم مقاعد السينما، وجاء البوليس وقبض على عدد من الطلاب والرواد، واستطعت أنا الهروب وأكملت اليوم بأن دخلت سينما "ريتس" المجاورة للهمبرا من الخلف.
ابتكر مصطفى قصة طريفة ومقنعة، قصة شابين من بحري، من أشد الحارات فقرا، كانا مغرمين ببطل كمال الأجسام المصري ذلك الوقت "عبدالحميد الجندي" إلا أنهما عندما عرفا ستيف ريفز غيرا صورة الجندي في بييتيهما ووضعا صورة ستيف ريفز.
صار ستيف ريفز مثلهما الأعلى في كمال الأجسام، حاولا أن يكونا مثله رغم الفقر وآثار الجرب على جسم أي منهما. ويوم الحفلة لم يجدا ستيف ريفز الذي يحبانه، فثارا وأثارا جمهور السينما وأثار الشغب الذي أشرت إليه. هذه حكاية مصطفى نصر، وهي مقنعة جدا، رغم أنها بنت الخيال. وهكذا، كما قلت، يصنع الأفلام في السينما أبطال آخرون.
ويستمر الأمر هكذا في بقية الفصول، وتمثل سينما "النيل"، وسينما "الجمهورية" مساحة أكبر من غيرهما، فهما بالفعل كانا أهم سينمات الدرجة الثالثة، فهما في حي كرموز وراغب، وياله من مكان.
في كل سينما بعد ذلك نجد هذا الملمح، كيف كانت السينما الدرجة الثالثة والثانية يسبحان عضويا في الحياة الشعبية.
وفي سينما "بارك" مثلا قصة شديدة التأثير، ففيها يلتقي السارد، البطل، بشخص شاذ جنسيا يهرب منه، إلا أنه بعد ذلك بسنوات يقابله في شارع صلاح الدين، ويجد نفس الرجل يتعقبه. هنا يفكر السارد، البطل، في الانتقام من الرجل بأن يدعوه إلى مكان لا تعرفه الرجل، لكن الرجل يعرض مكانا آخر.
الرجل لا يتذكر البطل، فما أكثر الذين أغواهم في السينمات، لكن البطل لا ينساه، في النهاية يتخلى البطل عن نيته في الانتقام والتشهير بالرجل وإيذائه، وينصرف الرجل في سلام.
تنتهي القصة بهذه الجملة الدالة "تحولت سينما بارك إلى صالتي أفراح، الصالة والبلكون، وحجزت الصالة لأتزوج فيها، لكن ظروفا حدثت جعلتني أنقل الفرح إلى صالة مسرح الإسكندرية بشارع السلطان حسين، ثم تهدمت صالتا الأفراح استعدادا لبناء عمارة شاهقة مكانها."
هذه نهاية تليق جدا بالقصة، وهكذا يفعل مصطفى نصر في كل السينمات، وفي كل القصص.
بالنسبة لي، يبدو هذا العمل جديد في بابه، فلم يحدث أن خص روائي السينمات بعمل مستقل، ورغم أنني شخصيا في روايتي "طيور العنبر"، و"بيت الياسمين" أفردت صفحات كثيرة لحال كثير من هذه السينمات ،إلا أنني لم أخصص عملا للسينمات، كان هذا حلما حققه صديقي مصطفى نصر، فهنيئا له به.
ومصطفى نصر، غير أنه من أوائل أصدقائي الكتاب في الإسكندرية، كاتب جميل بسيط، مخلص للكتابة إلى حد أنه مع زملائنا، زملاء العمر الجميل من كتاب الإسكندرية: سعيد سالم، وسعيد بكر، ورجب سعد السيد، لم يغادر الإسكندرية مثلهم تماما.
سعيد سالم وحده هو الذي لا يكف عن المجيء إلى القاهرة، وتحتاج القاهرة أن نقرأ هؤلاء الكتاب الذين أبدعوا ويبدعون بحق.
لقد أعادنا مصطفى نصر إلى زمن جميل، رغم ما يبدو فيه من عواطف جانحة، إلى الطبيعة البشرية البكر، إلى البشر المنسيين الذين يلون بهم الأدباء حياتنا في أعمالهم.
لقد منحنا مصطفى قدرا كبيرا من الألوان والدهشة. ويكفي هذا له كاتبا حقيقيا ومبدعا جميلا. إبراهيم عبدالمجيد ـ قاص وروائي مصري