جدارية قاهرية تعيد الروح للكلاسيكيات التشكيلية

القاهرة ـ من سعد القرش
سوق الجمعة موضوع عمل نادر ومثير

يقدم التشكيلي طه القرني لوحة زيتية ضخمة تلخص "سوق الجمعة" الشهير بالقاهرة حيث يجتمع بشر من طبقات وخلفيات اجتماعية وثقافية تنسجم معاً في الجدارية التي يبلغ طولها 23 متراً وتتخذ من قلعة صلاح الدين الاثرية وجبل المقطم وبعض المساجد خلفية بعيدة.

وتعرض الجدارية في قاعة الفنون التشكيلية بدار الاوبرا بالقاهرة مصحوبة بجدارية أخرى طولها تسعة أمتار مرسومة بالفحم وعدد من وجوه بسطاء المصريين في سوق تقام في حي السيدة عائشة بالقاهرة ضمن معرض للقرني يستمر حتى 15 ديسمبر/كانون الاول الجاري.

وتنطق وجوه الناس الذين اختارهم القرني بصدق واقعي طبيعي غير زائف ينطلق من عين حانية لتشكيلي ولد في حي امبابة الشعبي بالقاهرة ولا يبهره "سحر الشرق" الذي سيطر على عدد كبير من الرسامين والرحالة الاوروبيين في العصور الوسطى وأثمر أعمالا يراها كثيرون جزءاً من النظرة الاستشراقية لشرق لا وجود له الا في خيال الغرب.

لكن لوحة القرني تثبت لحظة من يوم الجمعة في السوق وتجمع أشتاتاً من البشر منهم نساء يحملن أطفالاً وباعة الملابس والدجاج والعصائر والكعك والاطعمة السريعة ولحوم منها رؤوس الحيوانات المذبوحة.

ووسط هذا الحشد لمشاة أو من يركبون الحمير لا يتشابه وجهان في الجدارية التي تضم مئات البشر واستغرق انجازها ثلاث سنوات سبقتها فترة من الاعداد والبحث في تاريخ ذلك السوق الذي يمتد الى نحو 800 عام.

وكان المستشرقون يركزون على مشاهد محدودة مثل جانب من سوق أو مشهد متخيل مستمد من قصص "ألف ليلة وليلة" لملك وجوار وما يلزم المشهد من مفردات يمنحها خيال الرحالة لتغذية فضول الغرب الى معرفة الشرق كما يتصورونه.

ووصف الناقد كمال الجويلي في دليل للمعرض جدارية القرني بأنها عمل نادر ومثير حيث اختار صاحبها الطريق الصعب ليعيد الى الأذهان "مفهوم الكلاسيكية الجديدة التي تستوعب الحاضر ولا تتخلى عن جوهر التراث ومعطيات كنوز التاريخ" في لوحة عن سوق يباع فيها كل شيء وكأنها مهرجان أو "كأنك تجلس في مسرح مستدير والوجوه تطل عليك وسط الصخب".

واعتبر الناقد عز الدين نجيب جدارية القرني بانوراما بصرية وعملاً ملحمياً لم تر مصر مثله منذ نحو 40 سنة حين كانت الجداريات تزين مؤسسات وبنايات منها محطة السكك الحديدية بالقاهرة وبعض الحدائق العامة "خلال مناخ كان يرى الفن ضرورة حياة للجماهير".

وأضاف أن الرسَّام استطاع بلوحة واحدة أن يلمس نبض حياة الجماهير البسيطة وهي تلهث للحصول على ضرورات حياتها "وأن يسمعنا صوتها الصاخب الذي تاه طويلا في زحام اتجاهات الفن الوافدة الينا من عند الاخر دون حتى جهد ملموس من الفنانين لتمصيرها وتعشيقها بروح واقعنا فصار الفن غريباً عن الشعب وصار الشعب غريباً عن الفن".

وقال القرني انه يسعى الى توظيف الفن التشكيلي جماهيرياً بعيداً عن الدائرة الضيقة والرؤية النخبوية للمثقفين وانه اختار هذه السوق للجدارية لانها تقع في مكان تصب فيه معظم الطرق بالقاهرة مضيفاً أن عبد العظيم وزير محافظ القاهرة أبلغه بعد افتتاح المعرض أنه رصد سبعة ملايين جنيه مصري (نحو مليون و266 ألف دولار) لتطوير سوق الجمعة والمنطقة المحيطة بها.

وأضاف أنه سيسعى لدى مسؤولي محافظة القاهرة لعرض الجدارية أسفل "جسر السيدة عائشة" المجاور للسوق بهدف الاسهام في "تغيير وجه الفن البرجوازي".