محاصرون في غزة: لماذا؟

غزة ـ من نضال المغربي
مهاجرون، محاصرون، ودواع امنية

لاسباب عديدة راودني الامل في ان يسمح لي الجيش الاسرائيلي بعبور الاراضي الاسرائيلية الى الضفة الغربية..لكن حلمي بمغادرة قطاع غزة تبدد.

اردت أن اقابل زملائي من الاسرائيليين والاجانب والفلسطينيين امثالي الذين اتحدث اليهم يومياً ولم ارهم منذ سنوات.

كما تمنيت أن اسافر الى الاردن في عطلة لبضعة ايام في الخارج لاول مرة منذ سنوات.

لكن هذا لم يحدث..لماذا؟

"دواع امنية" كان التفسير الوحيد الذي قدمه الجيش لرفضه طلباً من رويترز للسماح لي بمغادرة قطاع غزة في الشهر الماضي عبر المعبر الوحيد المفتوح اريز من اجل حضور دورة تدريبية تنظمها وكالة الانباء التي اعمل بها لموظفيها بمدينة اريحا بالضفة الغربية.

ومنعت نفس الكلمة لسنوات معظم سكان القطاع الساحلي البالغ تعدادهم 1.5 نسمة من زيارة ذويهم واعمالهم في الضفة الغربية.

وفي العام الماضي حصلت على أول تصريح مغادرة منذ عام 2000 وهو العام الذي شهد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية مما ادى لتشديد الاجراءات الامنية الاسرائيلية.

ومنذ سيطرة حركة المقاومة الاسلامية "حماس" على الضفة في يونيو/حزيران وابعاد قوات الرئيس الفلسطيني محمود عباس من القطاع يشعر سكان غزة بعزلة اكبر داخل القطاع الذي وصفته اسرائيل بانه "كيان معاد" اثر هجمات صاروخية يومية من غزة.

ونتيجة رفض اسرائيل التعامل مع حماس توقفت معظم حركة المرور بما في ذلك معبر رفح المؤدي الى مصر الذي كان مزدحماً من قبل وتشرف عليه اسرائيل.

وعلى غير العادة لم تعارض زوجتي سفري بمفردي ومع الحصار المفروض حول غزة كتبت لي قائمة طويلة من المشتريات من الخارج شملت بصفة خاصة الملابس والاحذية ومستحضرات التجميل.

وحتى عشية الدورة التدريبية كنا في انتظار الرد على طلب التصريح.
واخيراً جاء اتصال هاتفي في منتصف الليل. واحمر وجه زميلي خجلاً وتهدج صوته..فقد سمح له فقط بالذهاب بينما سيظل بقيتنا في غزة.

كانت صفعة رهيبة.
وتشكو زوجتي من انني ظللت اتقلب بعنف اثناء نومي منذ ذلك الحين.

أريد ان أسأل "لماذا أنا؟".

لكني حينئذ ادركت ان كثيرين في نفس موقفي من بينهم زميلي الشاب محمد سالم الذي اصابه جندي اسرائيلي برصاصة في رجله اثناء التقاطه صوراً لحشد قرب معبر اريز في اكتوبر/تشرين الاول.
ومنذ ذلك الحين تحاول رويترز نقله للخارج للعلاج ولكنه لم يحصل على تصريح بعد.

اما عن التدريب فقد تلقيناه حين زارنا زملاء اجانب.
كان التدريب جيداً لكن المكان كان رواقاً في مكتب رويترز في غزة في الدور الثالث عشر من مبنى يتوقف مصعده كثيراً نتيجة انقطاع الكهرباء.

وعلى العكس من زملائنا الاسرائيليين والفلسطينيين في اريحا لم يكن هناك فندق او حفل او ترفيه.

وبعد ذلك عدت مرة اخرى لمعبر اريز لتوصيل زملائي وقلت لنفسي "كفاني استقبال وتوديع الضيوف في اريز. اريد ان اذهب الى العالم الاخر بنفسي".

"والعالم الاخر" هو المصطلح الذي يشير به سكان قطاع غزة لاي مكان خارجه.

وعشت في غزة طيلة سني عمري الخمس والثلاثين ولم تبد الحياة في اي وقت مضى أسوأ مما هي عليه الان.
ويعاني السكان من مصاعب اقتصادية غير مسبوقة بينما بثت المنازعات السياسية الفرقة بين العائلات.

حتى الموتى تأثروا لان نقص الاسمنت يعني تغطية القبور الجديدة بالرمال او الطين في الوقت الحالي.

وبين الاحياء فان الصغار يجدون صعوبة اكبر في فهم ما يحدث.

وتدرك ابنتي (11 عاماً) وابني (ستة اعوام) أن الحياة افضل في "العالم الآخر".

سألتني ابنتي ذات يوم "لماذا لا تأخذنا الى مصر أو دبي؟".

لماذا؟
لا يمكنني ان اجيبها بعبارة "دواع امنية".
كنت اتمنى ان تكون لدي الاجابة.