إلى أمي: حزن لا يعرف الموت

بقلم: حنان بيروتي
اللغة تضيق بكلمة "أُم"

هل تسلل شبح النسيان لأروقة الذاكرة؟ وهل عشش في ضفاف الجرح نبضه وأورقت على غصن الفقد أوراقه؟ وهل تجرؤ الذاكرة ألا تتذكرك يا أمي؟
يا غاليتي التي أفتقدها بكل جوارحي, وتتلفت الروح ملتاعة شوقا وعطشا لحضنك, فاتني أن أخبرك بعض ما يعتمل في نفسي ويحوّم في قلبي وأنت تلتقطين ذبذبات حزني وتجمعين نثار الحيرة لترتبيها في آنية الرضا, وتمسحين الدموع من داخل النفس قبل أن تتبلور في العيون.
لكم افتقدك يا بعضا مني! ففي كل زاوية من حياتي ثمة صوتك, وفي كل ركن من عمري نبضك, وعلى ضفاف سنواتي شذاك, وعلى درج القلب يصعد رويدا رويدا حنوك, في لون عينيّ وكلماتي تتضوعين وثمة لمسة من حضورك تتجدد في ملامحي وصوتي ونبضي.
أحنّ لنفحة عطف من كفيك, ولما أزل أقف على عتبات الجرح ولا أصدق كيف لحضورك الباهر أن يحكمه الغياب الأبدي! وحين أطرق أبواب حضورك لا مجيب غير الصدى الملتاع لفقدك.
بمرور عام على رحيلك حسبت أن الجراح خفّ نزفها وجفّ انسيال الدمع وذبلت أزاهير الحزن العميق لكنّ براعم الحنين لما تزل تتفتق على غصن الجرح العميق يا حبيبة!
أستطيع في مقام الحزن عليك أن أصفّ الكلمات وأزين السطور بالصور ونبض الحزن, ما جئت لأبني عوالم من البلاغة والبيان، جئت لأذرف بعض الدمعات ولأقبّل رسمك على جدران القلب فذكراك أيتها الحبيبة أكبر من الكلمات, واللغة -كل اللغات - على اتساعها تضيق بكلمة "أم" وكل الحزن أيتها الغالية أقل من وقع فقدك وسطوة رحيلك الذي جرف خلفه معان وعوالم من الدفء لا تعوضه شمس تحترق ولا يشترى بمال الدنيا ولا يسترجع بدمع القلب ونزف الروح.

بتّ أعي أن للحزن درجات ومراحل, ثمة حزن بفقد الأم يظلل العمر بأكمله وينسرب والأيام في مجرى واحد, حزن مقيم يجاور القلب وينبض بنبضه ويتدفق في الشرايين متزامنا مع الأنفاس, حزن لا ينام لا يهادن ولا يهدأ لا يشيخ, الحزن على فقدك أمي حزن طيب شاسع كقلبك، حنون ودافئ خصب سمح متسامح مثلك، حزن متفهم محب معطي يسند انكسارات العمر وذبول الروح, حزن صدره واسع... مدى من البوح والدفء والمطر والذكريات... حزن يليق بك أمي!
بارد حد دفئك، غني وعامر حد انفلات الدنيا في عينيّ مجدبة كالحة خاوية بعدك, حزن يشبهك يليق بفقد أم لا يموت ذكرها في الوجدان ولا ينوس قنديل حضورها على شرفة العمر ولا تتسحّب صورتها من زوايا الروح ولا تذوي ملامحها على جدران القلب!
لم أقف في محراب ذكراك الأولى لأعلن حزني أو لأبشّر بقدرة الأيام على اختراع النسيان, ثمة أحباء يبقون أكبر من النسيان وذكراهم أقوى من الحياة ومن سيل اللحظات وفيض العمر الخاوي من حضورهم، والحزن عليهم، عليك أمي حزن لا يعرف الموت.