منْ المستفيد في مؤتمر انابوليس؟

إذا كانت مدينة انابوليس تحاول تعريف نفسها مجددا على أنها صانعة المؤتمرات والاتفاقات في الماضي البعيد كما الحاضر القريب، فإن دعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش للمؤتمر في تموز الماضي لم تكن محددة المعالم، فانطلقت من رؤية كانت مكونها الأساسي وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، وعلى الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي ضرورة البدء في بحث قضايا الحل الدائم بين إسرائيل والفلسطينيين، لم يحدد ماهية الاجتماع، لجهة كونه مؤتمراً أو لقاءً أو اجتماع قمة، أم لجهة صفته الدولية أو الإقليمية. وظل الغموض يكتنف هذا الجانب طوال الفترة التي بدا فيها أن أصل انعقاده موضع شك، إلى أن تمكنت الولايات المتحدة من جذب الدول العربية للمشاركة فيه إلى جانب أطراف آخرين، الأمر الذي أعطاه صفة المؤتمر الدولي.
أولى العناوين التي أطلقها الرئيس بوش في إعلانه عن المؤتمر أهمية التفاوض لحل القضايا الأساسية العالقة التي تحول دون إقامة الدولة الفلسطينية، وهي قضايا الحدود واللاجئين والقدس. بيد أن سرعان ما ظهر التباين بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. ففي حين طالب الفلسطينيون، بأن يتمخض عن المؤتمر اتفاقية إطار تحدد مبادئ حل المسائل الثلاث إضافة إلى الجدول الزمني للتفاوض عليها، اكتفى الإسرائيليون بالموافقة على إعلان نوايا يظهر استعداد الطرفين لحل هذه المسائل.غير أن الموقف الإسرائيلي ما لبث أن تراجع بسرعة في ضوء الضغوط الداخلية التي تعرض لها رئيس الوزراء إيهود أولمرت من شركاء في ائتلافه الحكومي، في مقدمتهم وزيرة الخارجية والشخص الثاني في حزب كاديما تسيبي ليفني، ورئيس حزب العمل وزير الدفاع إيهود بارك. فقد عارضت هذه القيادات انطلاقاً من رؤى مختلفة ومتناقضة، رفع السقف السياسي للنتائج المفترض صدورها عن المؤتمر.
وبعد سبع لقاءات بين رئيس السلطة محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت، استجاب الفلسطينيون لمأزق الزعيم الإسرائيلي، فخفض سقف الطموح إلى حد القبول بـبيان مشترك يصدر عنه. ورغم ذلك نشب خلاف آخر على قاعدة مضمون البيان بين الوفدين الفلسطيني برئاسة أحمد قريع، والإسرائيلي برئاسة ليفني، اللذين كُلّفا مهمة صوغ البيان. ولم تنفع الجولات الثماني التي قامت بها رايس في المنطقة في تليين موقف الجانبين اللذين لم يتوصلا في نهاية المطاف إلى الاتفاق على صيغة البيان، فأعلن عباس فشل الجهود على هذا الصعيد.
لقد رفض الجانب الإسرائيلي أن يصار إلى التطرق لقضايا الحل الدائم إلا على سبيل الإشارة العامة، فيما طالب الفلسطينيون بأن يتضمن البيان مبادئ حل لهذه القضايا، مثل إيراد الاستعداد الإسرائيلي للانسحاب إلى حدود عام 1967 والإشارة إلى القدس الشرقية بوصفها العاصمة المستقبلية للدولة الفلسطينية. كما رفض الإسرائيليون إدراج المباردة العربية كإطار مرجعي للتفاوض المستقبلي، التي حجمت الىخريطة الطريق ورؤية بوش عام 2004 والقرارات الدولية 242 و336. ورفض الإسرائيليون كذلك الحديث عن جدول زمني للمفاوضات، وأصرّوا من جهة أخرى على إيراد بند يشير إلى الاعتراف بإسرائيل بصفتها دولة للشعب اليهودي في مقابل فلسطين التي هي دولة للشعب الفلسطيني، الأمر الذي اعترض عليه الجانب الفلسطيني. في خلاصة القول لقد ارادت اسرائيل أن يكون المؤتمرنقطة ارتكاز للعملية السياسية تبدأ بعدها المفاوضات بشأن الحل الدائم، بمعنى آخرمناسبة دعائية اعلانية بإعادة إطلاق المفاوضات بينه وبين الفلسطينيين على أساس مبادئ خريطة الطريق التي تشترط أي تقدم سياسي بقضاء السلطة على الإرهاب وتحقيق الاستقرار الأمني بالنسبة لإسرائيل.
واذا كانت مقدمات المؤتمر تبدو بهذه الصورة غير المتوازنة فما هي حسابات الريح والخسارة بين أطرافه؟ والى أين ستؤول الامور؟ اسرائيليا من السهل رؤيتها المستفيد الاول في أنابوليس؛ فرئيس الوزراء إيهود أولمرت، الذي عانى أزمة حكومية والملاحق بملفات فساد في الداخل الإسرائيلي، نجح في تكريس نفسه كـبطل سلام من وجهة النظر الإسرائيلية، فهو رئيس الوزراء الوحيد الذي نجح في الجلوس إلى طاولة مفاوضات واحدة مع وزراء خارجية 15 دولة عربية، إضافة إلى الأمين العام للجامعة العربية ، الذي يعد أول أمين عام للجامعة يجالس الإسرائيليين.فهي سابقة اسرائيلية تسجل لها فحتى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق شامير لم يحظ بهذه الميزة إبان مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وإذا كان مؤتمر مدريد أسّس لاتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية ووادي عربة مع الأردن، ودفع إسرائيل إلى التنازل عن بعض الأراضي التي احتلتها خلال عدوان حزيران 1967، فإن أولمرت لم يقدم أي مقابل لجلوسه إلى طاولة التفاوض مع العرب في أنابوليس.
فأولمرت حضر في أنابوليس بجعبة فارغة، ملأها بصور المصافحات والابتسامات، من دون أن يقدّم أي تنازلات؛ فالاستيطان سيبقى على حاله، والتجميد الذي أعلنه يعتبر مرحلياً، ولا يشتمل على نمو المستوطنات كما اسماه. كما لم يقدّم أي تعهد بالتخلي عن أي من المستوطنات الكبيرة في يهودا والسامرة على اعتبار أن هذه المسألة تحددها مفاوضات الوضع النهائي، التي لا يزال من المبكر الوصول إليها. إذ إن الوضع النهائي، بحسب الموقف الإسرائيلي، بالاتفاق مع السلطة الفلسطينية، مرتبط بتطبيق المرحلة الأولى من خطة خريطة الطريق، التي تخضع للمزاج الإسرائيلي.
وكما اسرائيل كذلك اميركا فتدرج ضمن قائمة الرابحين في المؤتمر الدولي. فإضافة إلى أنها صاحبة الدعوة ، ترى واشنطن في موجة التطبيع علامة نجاح في سجل الفشل الطويل في الشرق الأوسط.فمع تعقّد الوضع الأميركي في العراق وفشل استراتيجيتها في أفغانستان وتأزّم مرحلة المواجهة النووية مع إيران، يسجل المؤتمر كنقطة لحساباتها في المنطقة.وبذلك بعد ثماني سنوات من توقف العملية السلمية، نجحت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش في تعريف نفسها على أنها عرابة بث الروح في مسار السلام الشرق أوسطي، حتى لو لم يؤدّ هذا المؤتمر إلى أي اختراق لافت.فالرئيس الامريكي لا يريد تكرار تجربة سلفه بيل كلينتون الذي دفع منذ بداية ولايته إلى تسريع ملف التسوية في الشرق الأوسط وانتهى إلى رئيس فاشل، على حد قول كلينتون نفسه حين حمّل الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مسؤولية إخفاق مفاوضات كامب ديفيد، والذي قال له آنذاك «لقد جعلت مني رئيساً فاشلاً». والأهم من ذلك كله، أعطت الولايات المتحدة مشروعها في المنطقة روحاً جديدة للمضي قدماً إلى ما هو أبعد من فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان.
اما سوريا فتبدو وكأنها الطرف العربي الوحيد الذي حضر المؤتمر بإنجازات عديدة قبضت جزءاً منه سلفاً. ورغم الكثير من التساؤلات عن جدوى المشاركة السورية فمن الواضح أن لدمشق قراءة أخرى لما سبق المؤتمر الدولي وما قد يليه.فشعارلا حرب من دون مصر ولا سلام من دون سوريا، تكرّس خلال الفترة الماضية، مع تحول دمشق إلى نقطة جذب عربية ودولية، خلفيتها تأمين غطاء سوريّ للمؤتمر. الامر الذي تقرأه دمشق على انه مسار من الاتصالات والزيارات أسهم بإعادة الاعتبار إلى سوريا قطباً أساسياً في المنطقة.وحتى واشنطن أقرّت بفشل سياستها تجاه سوريا عبر تفويض أكثر من طرف دولي وعربي الاتصال بدمشق، إضافة إلى لقاء وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ونظيرها السوري وليد المعلم في اسطنبول، لتأمين المشاركة السورية في المؤتمر الدولي.ولتحقيق هذه الغاية، كان لا بد من تقديمات أميركية لسوريا، التي نجحت في فرض الجولان على طاولة المباحثات، وإن بصيغة مواربة عبر جلسة السلام الشامل، إضافة إلى وعد بمؤتمر خاص للجولان مقرر في موسكو في مرحلة لاحقة. اضافة الى ذلك اعتقدت سوريا أن ليس لديها ما تخسره من المشاركة في أنابوليس، محافظة في الوقت نفسه على أوراق قوة بيدها، سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق.
ومن البوابة السورية كانت عودة روسيا إلى الشرق الأوسط كلاعب أساس في عملية السلام الشرق أوسطية. فإضافة إلى حركة المبعوثين الروس في سوريا وفلسطين وإسرائيل، يمثّل احتضان موسكو مؤتمراً مكملاً حول السلام العربي الإسرائيلي اعترافاً أميركياً بمركزية الدور الروسي الجديد في الشرق الأوسط.
اما لبنان فقد حضر المؤتمر وفق انقسام داخلي حاد يعمه فراغ رئاسي ارتبط حله بجانب كبير منه بالمؤتمر،فالمبرر الابرز لحضوره هو قاعدة الاجماع العربي فيما لم تطرح قضاياه لا تلميحا ولا تصريحا،الا ان الثابن قي الموضوع انه تم فصل المسارين اللبناني والسوري في اية مفاوضات قادمة.
وبصرف النظر عن عنوان المؤتمر وغايته اي السلام الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي، إلا أن مسار الأحداث التي سبقت التئام جلساته ومساراته لاجقا يدلّ على أن فلسطين ستكون على هامش نتائج المؤتمر، سيما وأن ما خرج به في ما خص القضية الفلسطينية قد تمّ تحديده سلفاً وهو انطلاقة لعملية التفاوض، ما يعني أن السقف الذي وضعته السلطة الفلسطينية منذ بداية الحديث عن المؤتمر الدولي انخفض إلى أدنى مستوياته.
ثمة لائحة طويلة من المستفيدين والخاسرين وما بين يبن من تداعيات المؤتمر وما يمكن ان يتمخض عنه لاحقا،الا ان الأكيد في هذا السياق ان كل العرب راغبون في السلام وفي المقابل لا آذان صاغية للحد الأدنى الذي يرتب وضعا قابلا للحياة بين العرب واسرائيل.فاستعراض تاريخ المؤتمرات واللقاءات المعلنة وغير المعلنة بين الطرفين تشير الى ثابت وحيد ان العرب دائما كانوا الطرف القابل للتنازلات المرة تلو المرة ولم يتمكنوا في تاريخهم التفاوضي البعيد كما القريب من تحقيق انجاز يذكر بحجم التقديمات التي اعطوها،فهل سيكون التطبيع المجاني عنوانا للمرحلة القادمة؟ إن الأمر يبدو كذلك. د. خليل حسين
أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية