لعنة العراق من استراليا الى 'المختارة' اللبنانية

بقلم: فيصل جلول

يتساقط زعماء الغرب الذين خاضوا حرب العراق الواحد تلو الاخر لصالح خصومهم المناهضين للحرب.فبعد خوسيه ماريا اثنار في مدريد وسيلفيو برلسكوني في روما وطوني بلير في لندن أصيب رئيس الوزراء الاسترالي جون هوارد بهزيمة شنيعة في الانتخابات النيابية الاسبوع الماضي وقد تعهد خليفته كيفن راد خلال الحملة الانتخابية بسحب قوات بلاده من العراق والراجح أن يدفع الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ثمنا باهظا للكارثة العراقية إذا ما استندنا الى سيطرة الديموقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ خلال الانتخابات الفرعية. هذا في الديموقراطيات التي يحتفظ فيها الرأي العام بسلطة حقيقية في صناديق الاقتراع ذلك أن رئيس وزراء بولونيا الاسبق ليسك ميلر الذي خاض حرب العراق الى جانب بوش استقال من منصبه دون ان يغير خليفته ياروسلاف كاتشينسكي سياسة بولونيا العراقية ومن المرجح أيضا أن لا يغير رئيس الوزراء المنتخب للتو دونالد تاسك السياسة التي اعتمدها سلفه إزاء المسألة العراقية.
وإذ تضرب لعنة العراق زعماء غربيين خاضوها بحماس فتطيح بهم وتتسبب أحيانا في وضع حد لمستقبلهم السياسي كما هي الحال بالنسبة لرئيس الوزراء الاسباني أثنار فإنها تصيب عندنا دولا بأسرها وتكاد تطيح بها. فالى العراق مسرح الحرب المهدد بالتقسيم والمرشح لعقود طويلة بالنزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية وعدم الاستقرار، تضرب لعنة العراق لبنان في عمقه منذ اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وتهدد نظامه السياسي ووفاقه الوطني بالانهيار.
وإذا كان صحيحا أن حرب العام 2006 التي شنها الكيان الصهيوني ضد المقاومة اللبنانية وتسببت بكارثة حقيقة للبنان هي استمرار للصراع المستمر منذ أوائل السبعينات بين البلدين فالصحيح أيضا أن الحرب نفسها كانت من أثر لعنة العراق فقد زينت الولايات المتحدة لرئيس الوزراء الاسرائيلي المتوسط الذكاء أيهود أولمرت أن تحطيم حزب الله من شأنه أن ينقذ المشروع الأميركي في بلاد الرافدين وأن يتسبب بسقوط النظام في سوريا و ينقذ الفريق الحكومي اللبناني من الهلاك السياسي ويعزز قوة الفريق الرئاسي الفلسطيني بمواجهة حماس ويشق بولفارا عريضا أمام "المعتدلين العرب" حلفاء أميركا للامساك بمصير العالم العربي أما إيران فانها تصبح مكشوفة ومعزولة وفارسية في محيطها ويضطر النظام فيها للدفاع عن نفسه داخل حدوده في مواجهة معارضيه المدعومين من كل حدب وصوب وفي المحصلة تصبح إسرائيل السيد المطلق في الشرق الأوسط لنصف قرن من السنين في الحسابات الأكثر تشاؤما.
الواضح أن فشل الحرب الاسرائيلية على لبنان أطاح بالحسابات الاميركية وشكل إضافة خطيرة إلى فشل الحرب الاميركية في العراق وبدا أن قوى المقاومة والممانعة في بيروت وبغداد وغزة قادرة ليس فقط على الاطاحة بالحسابات الاميركية ـ الاسرائيلية لمجمل الشرق الأوسط وانما أيضا للانتقال من الدفاع إلى الهجوم إذا ما اتيح لها الوقت الملائم لاعادة تنظيم صفوفها ما يشكل تهديدا جديا لـ "المعتدلين العرب" اذا ما واصلوا الرهان على التحالف مع واشنطن وطلب حمايتها ولعل جرس الانذار الاول في هذا الصدد انطلق من غزة حيث أطاحت حماس خلال أقل من يومين بـ "معتدلي" السلطة الفلسطينية ولو أرادت لربما واصلت تقدمها نحو "المقاطعة" في الضفة الغربية دون مقاومة تذكر.
أغلب الظن أن ما جرى في جنوب لبنان وفي غزة أصاب "المعتدلين" بالذهول فكان أن بدلوا حيادهم "الايجابي" إزاء المقاومة العراقية ولعبوا بنجاح ورقة "الانبار" لصالح واشنطن وبذلوا جهودا جبارة لحماية حكومة فؤاد السنيورة من السقوط في لبنان تحت ضغوط المقاومة وحلفائها وسحبوا مشروع اسقاط النظام السوري من التداول لقاء دور ما في لبنان وفلسطين والعراق والبحث في عودة الجولان وتحجيم علاقته بإيران بما يتناسب مع مصالحه ودون اشتراط القطيعة او الابتعاد عن نظام الرئيس احمدي نجاد.
في هذا السياق يندرج مؤتمر "انابوليس" الذي أعد على عجل وفي هذا السياق يمكن تفسير الهدوء النسبي الذي طرأ على جبهة "المقاومة العراقية" ومنه يمكن النظر إلى زيارة الملك الاردني عبدالله الثاني المفاجئة الى دمشق الاسبوع الماضي بعد رهان طال انتظاره على سقوط النظام السوري ومنه أيضا يمكن النظر الى الاتصالات والزيارات الفرنسية والاوروبية المكثفة الى دمشق ناهيك عن اللقاء الاول من نوعه بين كونداليزا رايس ووليد المعلم في اسطنبول على هامش اجتماع دول الجوار العراقي.
بيد أن التعبير الابرز عن هذا التطورات يظهر بوضوح ساطع في "الفراغ" الذي اختير كحل مؤقت لمصير الرئاسة الاولى في لبنان وفي الاجراء "الناعم" الذي ختم به رئيس الجمهورية اللبنانية إميل لحود ولايته والذي لا يتناسب اطلاقا مع تهديداته السابقة بالويل والثبور وعظائم الامور في الساعات الاخيرة من عهده. يبقى أن التطورات نفسها تلقي ضوءا ساطعا على مغزى تصريحات النائب اللبناني وليد جنبلاط "المعتدلة" واتصالاته المتسارعة بالمعارضة وفي تصريحاته المتشددة والجارية على لسان نائبه مروان حمادة.
ما ان تبين أن حركة انتخاب رئيس توافقي في بيروت هي "بلا بركة" حتى انتشر التفسير الوحيد لهذا الاخفاق بالقول "يجب انتظار نتائج مؤتمر انابوليس" دون توسع في الشرح ذلك أن الربط بين الرئاسة اللبنانية ونتائج المؤتمر تعني بوضوح أن دمشق خرجت من اختبار القوة للدفاع عن نظامها الى اختبار آخر لترسيم ملامح دورها الجديد في الملفات المشتعلة من العراق اولا الى لبنان مرورا بفلسطين والعلاقة مع ايران ولعل تكون هذه الملامح يحتاج الى بعض الوقت والى امتحانات ثقة متبادلة ومن غير المستبعد أن تكون العودة السورية الى الملعب الشرق اوسطي جزء من استراتيجية خروج أميركي من العراق سبق لتقرير بيكر هاملتون الشهير ان حدد شروطها بوضوح ومن بينها الحوار الاميركي مع طهران ودمشق.
في إحدى خطبه الشهيرة خلال ربيع "ثورة الأرز" كان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط يردد "يا بيروت بدنا الثار من لحود ومن بشار". تذكر بعض شبان بيروت هذا الطلب فقرعوا طبول الثأر عند مغادرة الرئيس لحود قصر بعبدا. لم يدرك هؤلاء ـ ومن أين لهم أن يدركوا ـ أن الرجل يبحث اليوم ومعه الفريق الحكومي عن كيفية الوقاية من لعنة العراق التي مازالت تلقي بظلها على المعنيين بها والمراهنين عليها من سيدني في استراليا الى قصر "المختارة" في جبال الشوف. فيصل جلول