شروط التسوية الإسرائيلية من مدريد إلى أوسلو إلى أنا بوليس

بقلم: ماجد كيالي

منذ إطلاقها من مؤتمر مدريد (1991)، مرورا باتفاق أوسلو (1993)، وصولا إلى المؤتمر الدولي المزمع عقده في أواخر الشهر الحالي في أنابوليس (في الولايات المتحدة الأمريكية)، شهدت عملية التسوية للصراع العربي ـ الإسرائيلي، عديد من الشروط الإسرائيلية.
مثلا، بالنسبة لمؤتمر مدريد، كانت شروط إسرائيل (في ظل قيادة حزب الليكود برئاسة اسحق شامير)، لحضورها هذا المؤتمر، تضمنت التالي: 1) فصل المسارات الثنائية عن بعضها، أي عدم الربط بين المسارات السورية والفلسطينية واللبنانية والأردنية. 2) رفض وجود وفد فلسطيني مستقل؛ بحيث تم تضمين الوفد الأردني للمفاوضات شخصيات فلسطينية. 3 ) عدم الربط بين مسار المفاوضات الثنائية (المتعلق بالأراضي المحتلة)، وبين مسار المفاوضات المتعددة (المتعلقة بقضايا التعاون الإقليمي وحل قضية اللاجئين). 4) عدم وضع جدول زمني للمفاوضات
وكما هو معروف، ففي حينه تم الاستجابة لهذه الشروط، والنتيجة كانت معروفة، حيث ماطلت إسرائيل في كل ما له علاقة بالمفاوضات، بمساريها الثنائي والمتعدد الطرف، بحيث أن المسار التفاوضي الذي اشتق من مؤتمر مدريد لم يعد له أي وجود يذكر.
في التفاوض حول توقيع اتفاق اوسلو، كانت إسرائيل فرضت على الفلسطينيين عديد من الاشتراطات، أهمها: 1) فصل التفاوض إلى مرحلتين: انتقالية ومدتها خمس سنوات، تتضمن إنشاء سلطة وطنية، وأخرى نهائية تتعلق بالمفاوضات على قضايا: اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية والمياه، وهي لم يتم تحديد موعد لانتهائها وتطبيقها. 2) تأجيل التفاوض حول قضايا الحل النهائي بدعوى خلق إجراءات للثقة بين الطرفين في المرحلة الانتقالية، وبدعوى حساسية الوضع الداخلي في إسرائيل. 3) التمسك باعتبار أن مرجعية المفاوضات هي المفاوضات نفسها، بمعزل عن أي مرجعية دولية أو قانونية. 4) تخلي الفلسطينيين نهائيا عن وسائل المقاومة والعنف وسلوك طريق المفاوضات لحل القضايا الخلافية والصراعية بين الجانبين. 5) ربط الفلسطينيين بملاحق اتفاقات أمنية واقتصادية ومالية تكبل السلطة الفلسطينية وتعمق اعتماديتها على إسرائيل.
المحصلة أن إسرائيل، وبعد ستة أعوام من هذه الاتفاقية لم توف إسرائيل بالاستحقاقات المطلوبة منها في المرحلة الانتقالية، إذ أنها لم تنسحب سوى من 27 بالمئة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعززت من بناء المستوطنات، ولم تتح للكيان الفلسطيني النمو، وقيدت المعابر الداخلية والخارجية. وكانت النتيجة اندلاع الانتفاضة (2000)، ثم معاودة إسرائيل احتلال المدن الفلسطينية (2002)، وصولا لتقويضها اتفاقات اوسلو جملة وتفصيلا (في ظل حكومة شارون)، وبعدها تم الاستعاضة عن هذا المسار بطرح خطة الانسحاب الأحادي الطرف، وهو ما تم تنفيذه في قطاع غزة (2005)، بهدف تحرير إسرائيل من عبء السيطرة على مليون ونصف فلسطيني فيها، من النواحي الأمنية والسياسية والأخلاقية.
الآن، وبمناسبة الدعوة إلى استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، من أنابوليس (أواخر الشهر الحالي)، طالعتنا إسرائيل بطرح المزيد والمزيد من الشروط الخطيرة والمعقدة والمجحفة، ومن دون مقابل حقيقي، وضمنها:
1 ـ دعوة الفلسطينيين للاعتراف بطابع إسرائيل كدولة يهودية، كشرط مسبق للاعتراف بالدولة الفلسطينية كوطن للفلسطينيين. ومن الواضح أن هذا الشرط الفريد من نوعه، يستهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، باعتبار الدولة الفلسطينية هي المكان المطلوب لممارستهم حق العودة، والأنكى أنه يحمل في طياته مخاطر "الترانسفير"، أي ترحيل الفلسطينيين من مواطني إسرائيل إلى الدولة الفلسطينية، بدعوى أنها وطنهم القومي، كما يطالب افيغدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا". أو على الأقل إخراج هؤلاء الفلسطينيين من نطاق المواطنة الإسرائيلية، واعتبارهم مجرد مقيمين بحقوق مدنية، على ما طرحت مؤخرا تسيبني ليفني وزيرة خارجية إسرائيل.
2) انتزاع اعتراف عربي وفلسطيني خصوصا بشأن اعتبار قيام دولة فلسطينية هو بمثابة نهاية للصراع ونهاية للمطالب الفلسطينية، في مجال الصراع مع إسرائيل. ومعنى ذلك أن قيام الدولة الفلسطينية هو بالنسبة لإسرائيل ينبغي أن يكون نهاية القصة، لا أن يفتح الباب على مطالبات أخرى في المستقبل، من مثل عودة اللاجئين، أو التعويض عن المآسي التي تسببت بها إسرائيل للفلسطينيين وفي الدول العربية المجاورة، وبالنسبة للحدود والمياه وغير ذلك من المسائل.
3) تفسير حق العودة للاجئين بحصر عودة هؤلاء إلى لدولة الفلسطينية ونقطة، مع الاستعداد لانفتاح إسرائيل على امكان النظر بتقديم مساهمة بهذا الشأن تتمثل بعودة بعض اللاجئين لإسرائيل لأغراض إنسانية.
4) اعتبار أن قبول إسرائيل للتسهيل على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، واستعدادها للاعتراف بقيام دولة فلسطينية، ينبغي أن يترافق مع فتح الدول العربية المجال لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بالتزامن مع الخطوات المتحققة وليس بعدها.
6) ربط تقديم أي استحقاقات بشأن عملية التسوية بضمان أمن إسرائيل؛ وهذا هو المقصد من طرح خطة "خريطة الطريق"، مجددا، لاسيما أن هذه الخطة تفترض قيام السلطة الفلسطينية بمكافحة الإرهاب (بالمصطلحات الإسرائيلية)، مقابل تنفيذ إسرائيل لما هو مطلوب منها في المرحلة الأولى (تجميد الاستيطان ورفع الحواجز الأمنية وفتح المؤسسات في القدس).
7 ) فوق كل ذلك فإن إسرائيل تعتبر انعقاد مؤتمر أنا بوليس مجرد فاتحة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وفقط، بمعنى أنها ترفض البحث في إصدار وثيقة تحدد نتيجة المفاوضات، وهي رفضت أساسا أن يبحث هذا المؤتمر بحل لقضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية والمياه، على أن يتم البحث في هذه الأمور بعد انتهاء المؤتمر، وبالخصوص بعد تطبيق المرحلة الأولى من خريطة الطريق، التي تفترض على السلطة الفلسطينية الالتزام بوضع حد للمقاومة (أو مكافحة الإرهاب بالمصطلحات الإسرائيلية).
8) رفض إسرائيل الالتزام بأي جدول زمني لإنهاء المفاوضات، أو لتطبيق النتائج التفاوضية التي يمكن أن يتم التوصل إليها.
هكذا فإن مختلف المعطيات تشير بضرورة تخفيض مستوى التوقعات من مؤتمر أنا بوليس، وعدم المراهنة عليه تماما، لأن إسرائيل مازالت في الحقيقة غير ناضجة بعد لعملية التسوية، برغم كل التقديمات الفلسطينية، وهذا ما تؤكده تصريحات ايهود اولمرت ووزيرة خارجيته، إضافة للتصريحات الصادرة عن ايهود باراك زعيم حزب العمل، والشريك الرئيس في الائتلاف الحكومي.
أيضا يمكن الاستنتاج من قائمة الشروط الموضوعة بأن إسرائيل غير راغبة أو غير مستعدة للذهاب بعيدا في التسوية، انطلاقا من الحقائق التالية: 1) أن إسرائيل تواصل التفاوض مع نفسها، أكثر من التفاوض مع الفلسطينيين، فإيهود اولمرت يبدو وكأنه يزايد على منافسيه من داخل حزبه كاديما، وفي الأحزاب الأخرى (لاسيما العمل والليكود وشاس وإسرائيل بيتنا). 2) أن إسرائيل مازالت تنكر الأخر أي الفلسطينيين، ولا تنظر إليهم نظرة متكافئة، وهي لا تعتبر نفسها أصلا دولة محتلة، فكيف يمكن تصور عملية تفاوضية تجري على خلفية هكذا عقلية؟! 3) أن الضغوط الدولية والإقليمية، وهي ليست على الدرجة المناسبة من القوة والإصرار، تشجع إسرائيل على التمسك بروح الغطرسة والعنت، بمعنى إنها لم تصل إلى الدرجة المناسبة التي تضطر إسرائيل لحسم أمرها في تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية. 4) إن الثمن الداخلي الذي تدفعه إسرائيل لاستمرار الاحتلال واستمرار العنت ليس بالكلفة التي تضرها لإنهاء الاحتلال، لاسيما في ظل الضعف والتفتت والتخبط الحاصل في الساحة الفلسطينية. ماجد كيالي