الحذاء

قصة: علي القاسمي
تصرف غريب

أراهم وهم يلعبون كرة القدم: ينادي بعضُهم بعضاً، يجرون خلف الكرة، يتقاذفونها بأقدامهم، يندفعون نحوها، يتوقَّفون عندها، يتنازعونها بينهم، يتدافعون بالمناكب، يفوز بها أحدُهم جَذِلاً، وينطلق بها حذِراً باتجاه المرمى، ويهجم باستبسال على حارس المرمى، وبقذفة قويّة من رجله اليمنى يودع الكرة في الشباك، ليسجّل إصابةً نظيفة تثير زوبعة من التصفيق والهتاف.
وكانت عيناي معلَّقتين بأحذيتهم الرياضيّة اللمّاعة البيضاء، وأنا واقف على جانب الملعب.
أشاهدهم وهم يلعبون كرة الطائرة: يتداولونها بينهم، يتلقّونها بأكفّهم، يرفعونها بأيديهم، وتتعالى أصواتٌ بالتشجيع وأخرى بالتحذير، ثم يسدّدها أحدهم بضربة قويّة إلى فراغٍ في ملعب الفريق المنافس، فيحصل على نقطةٍ، وسطَ ضجّة عالية تختلط فيها كلمات الفخر والفرح مع ألفاظ الأسى والأسف.
وكانت عيناي معلَّقتين بأحذيتهم الرياضيّة اللامعة البيضاء، المُزيَّنة بأشرطة حمراء وزرقاء، وأنا واقف على جانب الملعب خاملاً بلا حراك.
أرقبهم وهم يتبارون في القفز العريض، والقفز العالي، والقفز بالزانة: يجري الواحد منهم بصورة متسارعة ثم يُقلِع طائراً إلى الأمام أو مُحلِّقا إلى الأعلى، ويتبع هبوطَه على الأرض دويٌّ من التصفيق وصفير الاستحسان.
وكانت عيناي معلَّقتَين بأحذيتهم الرياضيّة اللامعة البيضاء، المزيَّنة بأشرطة حمراء وزرقاء، المُبطَّنة بجيوبٍ مطّاطيّة تساعدهم على القفز في الهواء، وأنا واقف على جانب الملعب، خاملاً بلا حراك، أعالج غصّة في أعماق حلقي، وأغالب دمعة في أغوار عيني.
وبعد انتهاء الساعة المُخصَّصة للألعاب الرياضيّة في آخر اليوم الدراسيّ، يعود جميع التلاميذ مُسرِعين إلى منازلهم المبثوثة في أزقّة المدينة الصغيرة، أمّا أنا فأُبطئ السير في الشارع الرئيس لأتوقَّف ـ بلا إرادة مني ـ قبالة الواجهة الزجاجيّة للمحلّ الوحيد المُتخصِّص في بيع التجهيزات الرياضيّة.
أتسمّر هناك بعض الوقت كلَّ يوم أحدّق في حذاء رياضيّ جميل وُضِع بعناية على حاملة بلّوريّة في وسط الواجهة. لونه أبيض ناصع موشّى بأشرطة زرقاء وحمراء تبهر البصر. شكله الانسيابيّ الجذّاب يوحي بالقوّة والحركيّة. وطرفاه الأماميّ والخلفي معقوفان إلى الأعلى قليلاً. ونعله الأسفل متشابك الخطوط ينتهي بكعب سميك أسود اللون. وفي رقبته صفّ من اثني عشر ثقباً متقابلة تنفذ فيها أُنشوطته المضفورة كالجديلة، المعقودة بأناقة، كربطة العنق.
آه لو كان لي هذا الحذاء الفريد من نوعه، لضمّني مدرسُ التربية البدنيّة ـ في بداية السنة الدراسيّة ـ إلى إحدى الفرق الرياضيّة في المدرسة. آه لو كان لي هذا الحذاء الرائع، لانخرطتُ في فريق كرة السلّة، لعبتي المفضَّلة. لو كنت ألبس هذا الحذاء لما استطاع أحد أن يلحق بي وأنا أنطّ مع الكرة وأثب في الملعب وثباً صوبَ مرمى الخصم. وعلى الرغم من أنّني لست طويلاً، فإنّ نعله المطاطيّ ومرونته سيساعدانني على القفز عالياً حتّى أبلغ السلّة وأُودِع الكرة في حلقتها. وآنذاك سألهب كفوف الرفاق بالتصفيق وأنتزع الهتاف من حناجرهم.
أقفُ كلَّ يوم مشدوهاً مشدوداً قدّام ذلك الحذاء، كما يقف طفلٌ عضّه الجوع أمام قطعة حلوى شهيّة. أتأمّله، أتمنّاه، أحلم به، أحسّ بمَلمسه عن بُعد، وأسمع بجلاء الأزيز الذي يُحدِثه إنْ لبستُه أوّل يوم. لو مشيتُ به متبختراً َفي ساحة المدرسة لََلَوى أعناق الزملاء نحوي، ولو سرتُ به متبختراً في قارعة الطريق لَلَفَتَ نظر المارّة إليّ. أمسيتُ أحيط بخفايا صنعه، وأعرف أدقّ التفاصيل عن حجمه: طولاً وعرضاً وارتفاعاً، حتّى غدت بيني وبينه معرفة وأُلْـفة. ولم يعُد بإمكاني أن أتصوّر أنّ أحداً غيري سيقتني هذا الحذاء. بَيْد أنّ الذي يحول بيني وبينه هو ذلك الثمن المدوَّن على البطاقة الصغيرة إلى جانبه. إنّه ثمن باهظ بكلّ المقاييس، لا ترقى إليه إمكانات أُمّي المتواضعة.
ومع ذلك، فقد عقدت العزم على مفاتحة أُمّي، وسَأَعِدها بأنّني لن أطلب شيئاً آخر أبداً. سأرجوها، أتوسَّل إليها، أقبّل وجنتيها، ألثمُ كلتا يديها... غير أنّني كلّما ولجتُ الدار وهبّتْ إليّ فرِحةَ بقدومي سعيدةً برؤياي، لمحتُ في عينيها أسىً تداريه، وألفيتُ في صوتها رنّةَ حزن تُخفيه. فإذا التفتُ صوب غرفة خالي لاح لي هناك. لا شك أنّ اختيار البنائين لم يقع عليه ذلك اليوم أو أنّه اشتغل نصف نهار فقط. وهكذا أصرفُ النظر عن الطلب وأكبتُ رغبتي، إشفاقاً عليها ورأفة بها، وأدخَل في غرفتي منكبّاً على دروسي.
وذات يوم في آخر العام الدراسيّ، وبينما كنتُ واقفاً قبالة واجهة المحلّ، أطيلُ النظر إلى حذائي الأثير، وكثير من زملائي الطلاب أو أساتذتي المُدرِّسين يمرّون خلفي دون أن أحفل بهم، شعرتُ بِيَد تحطّ برفق وحنان على رأسي، فالتفتُ لأرى مدرِّس اللغة العربيّة، وعلى شفتيه ابتسامة ودود وهو يقول:
ـ لدي خبر سارّ لك، يا بني.
ـ مساء الخير، يا سيدي.
ـ قررتْ المدرسة منح جوائز للمتفوقين وأنتَ منهم.
ـ صحيح؟ شكراً.
لقد طلب إليّ المدير أن أشتري لك جائزة تختارها أنتَ.
وقفز قلبي في صدري وأنا أقول مرتعشاً:
ـ حقّاً؟ هذا الحذاء، أرجوك يا سيدي.
ـ لندخل لتقيسه.
ـ إنّه على مقاسي تماماً، يا أستاذ، أعرف ذلك. متأكّد من ذلك.
واليوم بعد أكثر من عشرين عاماً على تلك الحادثة، كلّما سرت في طريقي إلى عيادتي لأمارس مهنتي الطبيّة، تستدير عيناي ـ بلا وعي مني ـ إلى محلّ بيع التجهيزات الرياضيّة. فإذا لاح لي طفل يحملق في واجهة المحلّ، اقتربت منه لأعرض عليه شراء حذاء رياضيّ هديّة له. إنّه تصرُّف غريب، ولكنّني أُدرِك أسبابه. د. علي القاسمي