'ملاح الشواطئ البعيدة' وهاجس النهايات

بقلم: شوقي بدر يوسف
رحبة كالليل والضياء

الطبيعة هيكل فيه أعمدة حية
تصدر أحيانا عبارات غامضة
مر فيها المرء عبر غابة من الرموز
رمقه بنظرات أليفة
كأصداء مديدة تتداخل في النبع
في وحدة ظلامية عميقة
رحبة كالليل والضياء
تتجاوب العطور والألوان والأصوات
قصيدة "تماثل" لبودلير

في مجموعته القصصية الأخيرة "ملاح الشواطئ البعيدة " تتجمع الخطوط الأساسية لتجربة القصة القصيرة عند القاص الروائي رمسيس لبيب والتي بدأ تشكل خطوطها، وملامحها الأساسية منذ أواخر الستينيات من القرن الماضى، حيث تضمنت هذه المجموعة الجديدة كل ما صدر لرمسيس لبيب من مجموعات قصصية خلال تلك الفترة، وحتى الآن، إضافة إلى ما نشر بعدها من قصص في العديد من الدوريات المصرية.
وقد جاء هذا الإصدار أشبه ما يكون بتجميع للأعمال غير الكاملة في مجال القصة القصيرة، حيث تضمنت مجموعته الأخيرة ثلاث مجموعات قصصية سبق صدورها في فترات متباعدة، جاءت على التوالي كالآتي: "الحب فوق مستطيل الضوء الشاحب" 1972، "الجنون" 1979، "الطرق على الباب الرمادي" 1988، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من القصص القصيرة كتبت بعد ذلك، وحملت العنوان الرئيسي للمجموعة كلها "ملاح الشواطئ البعيدة"، وهو نفس العنوان الذي حملته إحدى قصص المجموعة، والتي جاءت على شكل مونولوج داخلي طويل جسد فيه الكاتب معالم البحث عن الذات، وعن هاجس الزمن الضائع، وعن الحنين إلى الأمن، والطمأنينة والأمان الذي طالما راودوه على الطريق طويلا، وسعى إليهم دائما وبحث عنهم طويلا، لذلك عبر عنها في هذا النص الشاعرى بإلحاح شديد.
وقد جاءت ملامح هذا التعبير وظلاله قريبة الشبه بما عبر عنه بودلير في قصيدته "تماثل"، التي أجتزأنا مقطعا منها وصدرنا بها الدارسة، ورأينا أن ملامحها تشبه إلى حد كبير نفس الملامح والظلال التي جسدها الكاتب في هذا النص، بل وفي العديد من قصص المجموعة.
والمتتبع لتجربة رمسيس لبيب في مجال القصة القصيرة يجد أن نصوصه القصصية منذ بدايتها وبواكيرها الأولى لها خاصية تناول المنطقة المجهولة الملغزة للواقعية، وهي المنطقة التي يجد فيها الكاتب نفسه يختار من الواقع أحداثا لا يتطرق إليها أحد غيره، يضع فيها خلاصة ما تحتويه رؤيته الخاصة، ووجهة نظره تجاه قضايا الإنسان والواقع، بل وملامح من تجربته الذاتية تجاه هذا الواقع.
كما نجده أيضا يحتفي بخاصية البحث عما وراء الواقع من خلال الواقع ذاته، وهو في سبيل ذلك يهتم بالعلاقات الداخلية للنص من لغة مكثفة لها مفرداتها التعبيرية الخاصة، وتنضيد خاص يعمد فيه إلى إيجاد تطابق بين غرابة بعض الأحداث، ومحاولة تبرير هذه الغرابة فنيا، وكذلك إسقاط الخاص الذاتي على العام الجماعي، وآلية التعامل مع الحدث والشخصية من خلال وعيه الخاص المرتبط بأحداث هو يعرف كنهها جيدا، بل ربما هو عايشها معايشة فعلية، لذلك فهو يعوّل عليها بإلحاح شديد، وتركيز يصل إلى حد الاحتدام والتطرف.
ورمسيس لبيب يلجأ فى صياغته الفنية دائما إلى تعميق التجربة القصصية من خلال لحظات مأزومة يخترق أطرها، ويشرك فيها المتخيل كي يؤصل أحداثها، ويسقط عليها وقائع ذاتية نابعة من منطقة الهواجس والتأزمات النفسية والكابوسية المستثارة دائما في سرده القصصى، وهو يحاول أن يسقطها على الواقع ليحيله إلى منافذ للضوء يستخرج من خلالها أبعادا دلالية تجسد ما يحدث فعلا على المستوى العام، مستخدما أحيانا قناع الرمز، والعبثية التي تمتلئ بها الحياة، والمراوغة التي تتسم به فنية وبنية القصة القصيرة في كثير من الأحيان، كل ذلك من خلال لغة فيها من الشفافية والشاعرية ما يجعلها تتجاوز المناطق الغامضة والملغزة أحيانا في بعض هذه القصص لتعبر عن الطاقة القصوى لاستيعاب شكل القصة عنده لآليات الموضوع الذي يريد التعبير عنه وتجسيد ملامحه، وإنتاج معنى القصة بكل ما تحتويه من بدلالات، وتأويلات داخل النص.
والعجيب في أمر هذا العالم القصصي الثري الذي بدأ ظهوره منذ أوائل الستينيات، عند رمسيس لبيب، والذي نشرت معظم قصصه في الدوريات المصرية والعربية خلال تلك الفترة، أن الجانب النقدي، والدراسات المتعلقة بالقصة القصيرة لم تقترب منه إلا على إستحياء، وفي النذر اليسير، على الرغم من عمق التجربة التي مارسها الكاتب، والتي أصلت كثيرا من نصوص قصصه القصيرة، ومنحتها كثافة متميزة في هذا المجال، وأفردت لها مساحة لا بأس بها وسط جيله من كتاب القصة القصيرة في مصر.
وقد سعى رمسيس لبيب منذ بداياته الأولى في كتابة القصة القصيرة إلى كبح جماح الخطاب الأيديولوجى الفارق لتجربته كلها قدر المستطاع حتى لا يتأثر المبنى الاستعاري للسرد والمقام على خطوط من التجربة الواقعية، وحتى لا يتباعد تآلف المعاني والدلالات التي يحاول سبر أغوارها في كثير من بنى هذه القصص، وحتى لا تطغى رؤيته العامة وتجربته الذاتية، على التجربه الإبداعية، فيتحول الفن لديه إلى بيان ومانيفستو يحوى رؤى سياسية جامدة، يختفي على أثرها الوجه الحقيقي للإبداع القصصي والروائي في عالمه، ويحل محله جانب فكري آخر.
والقارئ لمجموعاته القصصية الثلاثة الأولى يجد أنه قد نجح في ذلك عدة مرات إلا أن الأمر كان عادة ما ينفلت رغما عنه، ونجد أن بعض النصوص تتجسد فيها الرؤية الأيديولوجية واضحة، ليمرر من خلالها أحيانا رؤية التجربة الماثلة أمامه بقتامتها وتأزمها، وأبعادها الخاصة، ويفرض عليها منحى مغايرا يعود به إلى الحافة الخطرة للواقعية، وهي حافة سيرة المتخيل المتحلقة حول الذات كلما كانت الذات في حاجة إلى تخيّلها، وهي بمعنى أوضح تجربة السجن بأبعادها، وذاكرتها وهواجسها الخاصة والتي لا بد أن تلح إبداعيا في نص أو آخر.
وفي مجموعته الأخيرة "ملاح الشواطئ البعيدة"، والتي تضمنت أعماله القصصية كلها تقريبا، نجد ثمة محاولات لمراجعة شاملة لتجربته، ورؤيته الخاصة في جعل القصة القصيرة مسرحا لمزيد من التعبير الدلالي المستوحى من الواقع المأزوم، والمغترب نفسيا وجسديا، بل والمستثار في بعض الأحيان.
كما نجده أيضا يلجأ في بعض النصوص إلى التجريب في بنية النص، ليجسد من خلال ذلك معالم كابوس طويل فيه من العبثية المنهكة للعملية السردية، والمعبرة في نفس الوقت عن آلية خاصة في الصياغة، وفي التعبير عن نسق إنساني، ذاتي جسد فيه الكاتب ملامح من رؤية، وتجربة تحتمل معها كل الممكنات على مستوى الواقع، وقد حرص الكاتب على أن يحشد لها من قضايا ومشكلات المجتمع وممارساته ما جعله يحاول الاستفادة من التجربة الإنسانية المليئة بالمتناقضات الفجة، وبتحولات بعض قيم المجتمع المتمثلة في الرذيلة والفضيلة، والخير والشر، والعدل والظلم، والأبيض والأسود، والاحتباس والانفراج، والدهشة وسوء الفهم وغير ذلك من المتناقضات لإيجاد رؤية مجسدة لعالمه القصصي الملغز في بعض نصوصه، والمضبب في بعض مواقفه ومشاهداته.
ولعل الازدواجية في التعبير في قصص رمسيس لبيب، وهي المحور الأساسي الذي سنحاول التوقف أمامه نقديا وتحليليا من خلال محاولة إضاءة جوانب من بعض نصوص مجموعته الأخيرة "ملاح الشوطئ البعيدة" والتي ترتكز على حافة الهاجس الذاتي للسارد (الكاتب/ الراوي)، والنسغ الرمزي القائم على دلالات، منبعها ممارسات الواقع التي مر بها الكاتب، وقضايا الإنسان المهموم بها دائما، وملامح الشخصيات المصاحبة له في صلب هذه الازدواجية التي تحمل جانبي ووجهي الذات والرمز.
ففي قصة "المرايا" يبذل الراوي جهدا لحل هذا اللغز الذي وجد نفسه في مواجهته عندما رأى نفسه صدفة في مرايا أحد الأصدقاء، وقد ظهرت على وجهه بعض التغييرات والتجاعيد المصاحبة للسن، ثم نظر إلى نفسه في مرايا أخرى عند ابنته الصغرى، وابنته الكبرى فوجد الأمر مختلفا، فقد اختفت هذه التجاعيد، ولم يظهر لها أثر، هنا بدأت هواجسه الذاتية تتحرك، وتقف في مواجهة هذا السؤال الذي أرقه، هل كل المرايا متشابهة في الرؤية أم الأمر يختلف من مرايا إلى أخرى، وهل ذاته في جميع المرايا تبدو واحدة لا يتغير فيها شئ، وهل يجد نفسه في كل أشكال المرايا دائما في نسق واحد، أم أن الصيغ في كل مرآة تختلف من شكل إلى آخر، أو من نوع إلى نوع.
لقد جرب بنفسه هذه الخاصية ووجد أن هناك اختلافا، وجرب أن يعتمد الإنسان في تساؤله، فسأل أقاربه وزملاء العمل، هل هناك تغير طرأ على وجهه، وكانت الإجابة تماما كما أجابت المرايا جميعها، نسبية من شخص إلى آخر، كل يجيبه من وجهة نظره هو.
إن ازدواجية التعبير في هذا النص تنبع من اللغز الذي حاول الراوي فك طلاسمه، وإضاءة جوانبه المختلفة، تارة عن طريق المرايا ذاتها التي يرى فيها نفسه وذاته، وتارة عن طريق الإنسان، قرينه في هذا المجال، ولكنه لم يستطع التوصل إلى نتيجة في كلتا الحالتين، لقد كان هاجسه الذاتى هو الوصول إلى الحقيقة مهما كلفه ذلك، بينما النسغ الرمزي وهو الجانب المضاء من ازدواجية التعبير في هذا النص، والذي كان نابعا من الضغط الواقعي على الذات لمعرفة هذه الحقيقة مهما كلفه ذلك من جهد، ولقد كلفه ذلك الأمر فعلا حريته الشخصية، ومع ذلك ظل السؤال يتردد في جنباته "المرايا عذبتني، ولكنها شغلي الشاغل، أعرف أن ما لا أكتشفه أنا لا بد أن يكتشفه غيري، ولكنني أعرف بحكم تجربتي مع المرايا أنني الوحيد المؤهل لاكتشاف أسرار المرايا وعلاقتها بالوجوه والأشياء.
"حتى في هذه المكان الذي وضعوني فيه عنوة – وأنا أعرف حقيقته – أخفي في ملابسي ثلاث مرايا لا أكف عن النظر إليها في كل الأوقات."
إن ازدواجية التعبير في قصة "المرايا" تتضح من الحدث الواقعي للشخصية وما يدور داخلها من هواجس وأسئلة لا تجد لها جوابا شافيا على مستوى الواقع، بينما الرمز الذى يعبر عنه الكاتب داخل المرايا نفسها سواء أكانت مرايا الواقع أو مرايا الذات، هو ما عبر عنه الكاتب في نسيج النص من خلال الدهشة الكبيرة التي اقتحمت حياته فجأة لتحيلها إلى علامة استفهام كبيرة عجز عن حل إلغازها، وأن كان قد بدد هذا اللغز في نهاية النص بهذا الالتباس الذي وجد نفسه فيه فجأة وعلى غير انتظار، حيث وجد نفسه معتقلا داخل مرايا أخرى غير متوقعة.
وفي قصة "الحفلة"، أثارت نفس الدهشة، ونفس المفاجأة الموجودة في قصة "المرايا" الكاتب، (الراوي) وهو الشخصية المقصودة والمتحلقة حولها مستويات النص وأبعاده المختلفة.
إثر وصول دعوة له لحضور هذه الحفلة، لقد حدث شئ غريب أدى إلى دعوته إلى هذه الحفلة المقامة في هذا القصر الكبير القريب من مسكنه، فما الذي استجد الآن عليه وهو يمر باستمرار أمامه، ولم يلتفت إليه أحد من قبل.
لقد تم الاحتفاء به فجأة وبدون مقدمات، وبطريقة مغالى فيها، ولكن في نهاية الحفلة، وبعد سلسلة من الإغراءات معه بالأكل والشرب والجنس، وجدهم ينضّون عنه ملابسه ويلقون به خارج القصر دونما تبرير لذلك "واستفاق على الرصيف شبه عار، وإلى جانبه بواب بيته يلملم ثيابه."
إن هذه الأحداث الملغزة، والازدواج الحادث في سياق السرد بين التعبير عن الذات وبين النسغ الرمزى، هو الذي أثار نفس التساؤل الذى مر بقصة "المرايا"، ففيه يبرز وجه التناقض بين الاحتفاء بالشخصية، وما آلت إليه النهاية بعد هذه الممارسات التي تمت معه، لقد كانت النهاية في قصة "المرايا" هي وجود الشخصية في مكان هو يعرفه جيدا، فقد فيه حريته.
وكانت النهاية أيضا في قصة "الحفلة"، فقدانه لهويته الذاتية وتحوله إلى شئ يعبثون به، وينضون عنه ثيابه، وكأنهم بذلك ينضّون عنه هويته الذاتية. لقد كانت الهموم واحدة في الحالتين، ولكن النهاية كانت تختلف عند كل شخصية من الشخصيات بما يجعل الطرح الاستيهامي عند النصين طرحا دالا على شئ، وقد أبرزه الكاتب فجأة وكأنه يحاول إنهاء هذا الطرح من خلال جملة إعتراضية تنهي المسألة، وليس لإبراز وجه التناقض والازدواجية التي يمتلئ بها المجتمع في كل توجهاته وممارساته.
كذلك في قصة "العتمة" نجد أن ازدواجية التعبير في هذا النص تكمن في التناقض الموجود في المشهد القصصي ذاته، بين الذات والرمز، حيث نجد أن هذا المرشح صاحب "الفانوس"، وهو يتقدم بخطوات وئيدة في دائرته الإنتخابية رافعا فانوسه الكبير المضاء إلى أعلى، ومعه ابنته الصغيرة بقدميها العاريتين، وأربعة من أنصاره المسنين هو تعبير عن التناقض الحاصل على مستوى الواقع بين هذا المرشح الذي لا يملك من إمكانيات وجوده سوى هذا المشهد الهزيل الذي يسير فيه، بينما المنطقة كلها مليئة بأنصار باقي المرشحين والذين يمثلون صخبا شديدا وضوضاء كبيرة، ويرفعون اللافتات الضخمة والمكثفة للمشهد والرامزة إلى مرشحيهم، ويسيرون في المنطقة بأصوات عالية تصم الآذان.
ويحاول هذا المرشح صاحب الفانوس الهزيل إثبات ذاته وسط هذه الجموع الغفيرة، وبأنصاره المسنين وابنته عارية القدمين، إلا أن أنصاره ينفضون عنه واحدا بعد الآخر حتى لم يبق معه سوى ابنته وصديق واحد.
"تلتقى عيناه بعينها فيبتسم، يضع يده على كتفها، ويرفع باليد الأخرى الفانوس المضاء في الشارع المعتم، ويرف شئ من الأسى في بسمته."
القصة تعبر عن بقعة ضوء خافتة وسط العتمة التي جسدتها أحد معارك الانتخابات، وعلى الرغم من أن هذا المرشح كان يرفع فانوسه المضاء ليدلل على وجوده داخل المعركة إلا أن ضعف بنيته أدى إلى ابتعاد أنصاره عنه واحدا بعد الآخر، وبالتالي أصبحت العملية الإنتخابية بالنسبة له لا جدوى منها.
لقد أسهمت هذه المقاطع الصغيرة من السردية القصصية في هذا النص إلى بعث نوع خاص من الازدواجية العبثية عند شخصية المرشح الذي يرفع فانوسه المضئ، الرامز إلى رؤيته الخاصة، وسط مرشحين لهم أنصار أقوياء لهم الحظوة، ولهم العزوة التي تستطيع أن تسير بهم إلى النهاية دون خوف أو وجل، إن الرمز الذي لعب عليه الكاتب في تيمة هذه القصة هى أن إضاءة هذا الفانوس يجب أن تكون أقوى.
وفي قصة "الأسود والرمادي والأبيض" يعبر الكاتب بهذا النص عن ملامح الواقع وازدواجيته التي تجسد الوجه الحقيقي للحياة ومعالم القهر والتسلط والقمع السادرة فيها.
من خلال بنية تجريبية مقسمة إلى ثمانية مقاطع تمثل متتالية قصصية يتناثر فيها ألوان الواقع المتهرئ، الأسود والأبيض والرمادي، ودلالات كل لون تواجه باللون المقابل، هكذا الحياة اللون الأبيض يزحف نحوه اللون الأسود في صراع قد يحيل الأمر إلى الرمادى، يظهر ذلك من المقطع الأول الذي تظهر فيه العصافير الصغيرة التي حطت على غصن أخضر، فأسرع إليها كلب الحديقة الأسود ليحيل هدوء اللوحة إلى صخب وعنف، كذلك الولد الصغير المشدود إلى صندوق الدنيا، وحتى تكتمل الصورة الطفولية لديه يجلس بجوار أمل صديقته الصغيرة البريئة ولكن يدا كبيرة داكنة، قبضت على رقبته وألقت به بعيدا.
وهذا البنَّاء الواقف أعلى السقالة في عز الشمس في المتتالية الثالثة للنص، فجأة يطرده صاحب العمل، صاحب الذراع الممتلئ بالشعر الأسود، بدون مقدمات لمجرد إرضاء نزوة تسلطية، والمتتالية الخامسة التي تجسد العلاقة بين الرجل الذي عجز عن الممارسة مع زوجته، والتي تطلعت بنظراتها ناحية المرآة البيضاء ولوحة الظلال الراقدة على السرير، وحين أخبرته بأن الطائر الصغير قد مات في القفص، دفن وجهه في الوسادة علامة الأسى.
وفي المتتاليات الثلاثة المتبقية من النص يبرز وجه القمع والقهر بطريقة مباشرة حين تقف العربات السوداء الثلاثة أمام البيت الصغير وتدق بابه بقوتها القاهرة وتسوقه أمامها وتغتصب هويته وحياته: الكتب والأوراق البيضاء الصغيرة، وقبيل الفجر تذكر مقاطع قصيدة قرأها، ولفظ آخر الأنفاس، هكذا كان الانتقال بين المشاهد المختلفة لمظاهر القمع والقهر التي عانتها الشخصية في هذه المتتالية.
ومع اختفاء اللون الأسود في المتتالية الأخيرة، يعود اللون الأخضر مرة أخرى وكأن شيئا لم يكن. وهنا يقف النص بمتتالياته المتتابعة، وتبرز ازدواجية الحياة بألوانها الصارخة المتناقضة الأبيض والأسود، ولكن الرمز ينحو بنا ناحية اللون الرمادي الذى يعبر دائما عن أنصاف الحلول.
وتعتبر قصة "الأسود والرمادي والأبيض" عزفا توقيعيا على تنويعات لحن واحد، يتعامل فيه الكاتب مع ازدواجية تجسيد دلالة الألوان "الأبيض والأسود" كرمز للخير والشر، والقوة والضعف، نفس هذا اللحن يوجد في قصة أخرى بنفس الشكل، وبنفس الخاصية الازدواجية في التعبير، بل وبنفس العنوان تقريبا وهي قصة "تنويعات على لحن واحد"، وهو لحن لعب فيه الكاتب على إشكالية الموت الذي جاء عبر أربعة نصوص متتالية جسد فيها الكاتب بعض الشخوص العائشة حقيقتها عبر الثابت والمتغير عندما يفاجئها الموت وهي في أوج سطوتها، وقمة عنفوانها.
في المقطع الأول "واحد" يجسد الكاتب في هذه اللوحة مشهدا عاطفيا مؤججا بين فتى وفتاة يفاجئهما الموت، وهما يعبران الطريق، فتموت الفتاة ويصاب الفتى، وفي المشهد الثانى "الجريدة القديمة" تلقى الجريدة القديمة على جثة الرجل الذي كان منذ لحظات يتأفف داخل الأتوبيس من جراء ما يتعرض له من منغصات حياتية تعّود عليها أثناء ذاهبه وعودته من عمله.
وفي المشهد الأخير من النص "نافذة صفراء" يطرح الكاتب فيها نفس الرؤية التي سبق وطرحها في بعض النصوص القصصية من خلال ازدواجية التعبير الذي يجده محققا لهدفه من كتابة المعنى القصصي داخل نصوصه، فقد كانت إشكالية الموت هنا في هذا المقطع من المتتالية الأخيرة محققا لنفس الهدف الذي طرحه الكاتب ليتمم به هذه المنظومة من الإشكالية، وهو تجسيد معنى الخيانة التى جاءت من الصديق الذي خدعهم وطعنهم من الخلف.
لقد كان المشهد الأخير بحق نوعا من المشاهد يتلاءم مع توجهات الكاتب في قصص المجموعة من تجسيد الموت بشتى أشكاله ومعانيه "تلفت حواليه، الأبواب والنوافذ على الجانبين مغلقة، صوت الأمواج تلتطم بالشاطئ، قطرات المطر تتعاقب، تطلع على النافذة الصفراء، إلى الباب المعتم، وخطا الخطوة الأخيرة، وفاجأته الطعنة حادة وغادرة ولاهبة."
ولاشك أيضا أن قصص "ممنوعات" و"ظل الظلال" و"الموعد"، وهى من النصوص القصصية التي تلقي الضوء على إشكالية وتيمه أساسية في عالم رمسيس لبيب القصصي، وهي انعكاس ذاكرته المحملة بهاجس الكتابة عن مظاهر القمع والقهر والتسلط الذي تعرض له خلال المرحلة التي قضاها سجينا أيام النضال السياسي، والتي لا بد أن تجد لها مخرجا إبداعيا ينقلها من منطقة الهواجس إلى منطقة الفن والإبداع بكل ما تحمل من ذكريات أليمة، وتساؤلات ملحة، وهموم ذاتية خاصة تعّبر عن ازدواجية الواقع في حياته كلها.
فقد جسدت قصة "ممنوعات" علاقة السجناء بسجانهم من خلال الشاويش دياب، الذي يذكرنا بالحارس "نيكيتا" في قصة تشيكوف الشهيرة "العنبر رقم 6"، ومعاملته للمسجونين بشتى أنماطهم وتوجهاتهم السياسية والعادية، هو لا يفرق بين أحد منهم، في عملية القهر والقمع حتى وهو في أشد حالاته المرضية، حيث يحاول أيضا أن يوقع بأحدهم مد له يد المعونة وحمله على كتفه لنقله إلى المكاتب بعد أصابته بإعياء، إلا أن الشاويش دياب لطبيعة الخاصة في البطش والقمع يحاول أن يضع له شيئا من الممنوعات في جيبه حتى يضبطه متلبسا.
وفي قصة "ظل الظلال" تتوه البسمة من وجه الزوجة العائد زوجها من التحقيق حين رأته أمامها، وأدركت بحسها العفوي المعروف سر اللحظات التي عاناها في هذه الليلة التي لن تنمحى من ذاكرته، لقد استخدموا معه كل الأساليب حتى يكتب عن صديقه ما لا يريد هو أن يكتبه، ولكن أساليب القهر والقمع كانت أقوى من أرادته الصلبة، فكتب ما أملوه عليه، وعاد إلى بيته محطما في كل شئ "لعله أن يكون حلما غريبا، لعله أن يكون كابوسا ويستفيق منه على الأشياء الأليفة والطيبة والحبيبة.
وامتد الشارع الضيق طويلا .. طويلا، وجلست البيوت ساكنة، مطرقة، والمصابيح الصفراء المقرورة تنزف ضوءا يتشابك لحنا شاحبا آسيان لا انتهاء له."
وفي قصة "الموعد" تتواتر هذه الممارسات البوليسية للراوي الذى خرج عند الفجر لموعد هام يقابل فيه بعض الأصدقاء ليسلمهم مظروفا خاصا، وكان الاتفاق لهذا الموعد أن يكون عن طريق التاكسي الذي سينتظره لتوصيله إليهم، ويستقل الراوي أكثر من تاكسى على أنه هو المقصود، ولكن سوء الفهم ونوازع الخوف والتسلط والتوتر يجعله يستقل أكثر من تاكسى، ويتعامل مع أكثر من سائق على أنه هو المقصود بالموعد، حيث ينتهى الموعد بالعودة إلى المنزل لدفع أجرة التاكسي بعد أن ينتزع منه السائق ساعته ضمانا لأجرته، ويرتمي الراوي على فراشه تائها غير مصدق لما حدث.
هذه القصص الثلاث بمناخها الخاص وأحداثها المتلاحقة المتشابكة، جاءت في نهاية المجموعة لتعبر وتجسد نوعا خاصا من القص يوجد في أكثر من مجموعة من مجموعات الكاتب، يحيل فيه الكاتب على مظاهر، وهواجس كانت ترزح تحت وطأتها شخوصه وذاته والمجتمع كله وهو إسقاط من الخاص على العام، وترميز لما كان يحدث على المستوى العام في فترة عاشها الكاتب ولا زالت أحداثها تراوده في إبداعاته القصصية والروائية.
لذلك فجَّر الكاتب من طاقته الإبداعية هذه الأحداث عبر ازدواجية في التعبير وجدت في الشخصية المستوحاة من العقل الباطن والوعي والإدراك المحسوس، والرمز الذي تحدثه طاقة الحدث من خلال ما يحاول الكاتب تأطيره في أحدث قصصه، ومن استعارة أسلوبية يفصح بها عما يختبئ وراء آكام النفس والذات.
لقد جمع الكاتب بين الذاتي والموضوعي في العديد من نصوصه القصصية ليكشف لنا عن رؤية إبداعية خاصة رأى أنها تعطي لنا في مجالها صورة من الحياة بكل ما تحمل من انعطافات ودهاليز ربما لا يعرفها أحد إلا من عركها وجربها وعاش أتونها بنفسه. شوقي بدر يوسف ـ الإسكندرية