فيما بعد أنابوليس: مرحلة جديدة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية؟

بقلم: طارق الكحلاوي

"إذا فشل (مؤتمر) أنابوليس... فإن إصرار حماس على أن كلمة الإعتدال، حسب المفهوم الإسرائيلي، هي مرادفة للإستسلام الفلسطيني، سيصبح تصورا مقبولا لدى الكثيرين، وليس فقط في العالم العربي... لم يعد من الممكن أن تحدث عملية السلام في ظروف أفضل من اليوم، إذ أن التشاؤم المتصاعد في دوائر صناعة السياسة الأميركية من النوايا الحقيقية لإسرائيل إزاء المناطق المحتلة، كما تشير الرسالة التي وجهها أهم حكماء رجال ونساء الدولة الى بوش ورايس، سيؤثر (أي التشاؤم) على الدعم الأميركي الآلي لإسرائيل، والذي كانت تتمتع به الأخيرة حتى الآن، خاصة في عهد الإدارتين الأميركيتين الأخيرتين". هنري سيقمان (Henry Siegman)
رئيس "مشروع أميركا/الشرق الأوسط" التابع لـ"مجلس العلاقات الخارجية"

على مشارف مؤتمر أنابوليس، ربما تبدو مسألة العلاقات الأميركية الإسرائيلية الأقل مدعاة للتساؤل. بيد أن التوقعات السائدة بفشل المؤتمر، بداعي تعنت الموقف الإسرائيلي، تبدو مقترنة بتطورات مستجدة على روتين العلاقات بين الطرفين. وحتى سنوات قليلة كان نقاش طبيعة العلاقات الأميركية الإسرائيلية غير ممكن إذا لم يتم تحت سقف رزمة من الشعارات المعتادة بماثبة الخطوط الحمراء من أهمها "العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين الطرفين". بينما كان النقاش الجدي يتم إما في الكواليس، وبالتالي من الصعب الاطلاع عليه ومن ثمة غير مؤثر بفعل عجزه عن تغيير الرؤى السائدة، وإما على هامش مجال صناعة السياسة الأميركية في المنطقة بين أوساط راديكالية أو قليلة التأثير، رغم رجاحة رؤاها في بعض الأحيان، وهو ما ينطبق على سبيل الذكر لا الحصر على المفكر الألسني نعوم تشومسكي. غير أن الأمور بدأت في التغير، إذ تخترق النخبة المؤثرة شكوك حول نجاعة العلاقة الراهنة. تصورات عامة حول العلاقات الأميركية الإسرائيلية إذا تصرفنا بحكمة ونسينا، ولو لبعض الوقت، التحليلات المغرقة في العمومية المطمئنة الى القوالب الجاهزة الموجودة خاصة في بعض الأوساط العربية والإسلامية على شاكلة "التحالف المصيري" بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنه علينا الانتباه الى أن النقاش الجدي لا يتضمن تحاليل تآمرية تستمد منطقها من عوالم ثابتة التناقضات من نوع الأبيض المواجه للأسود. أكثر المؤشرات وضوحا على ذلك أن النفوذ الأميركي في المنطقة كان يقارب الصفر عند "وعد بلفور"، كما أنه لم يكن الأهم عند نشأة "دولة إسرائيل". وباختصار تبدو أكثر المقاربات واقعية من هذه الزاوية تلك التي تسرد تاريخا وظيفيا للدولة العبرية في علاقة بكرونولوجيا النفوذ المتغاير في المنطقة العربية من المركز البريطاني الى المركز الأميركي. وهو ما يعني أن "مصيرية" العلاقة محض خيال، وأن القاعدة الميكيافيلية التي تستدعي التركيز، وبالتأكيد ليست مستجدا مفاجئا، أن الوظيفة الإسرائيلية هي بالأهمية التي تتلاءم مع اتجاهات النفوذ الأميركي، ولكن أيضا عوارض مرضه.
لن نضيع كثيرا من الوقت لو استحضرنا هنا بسرعة الخطوط العامة للجدال الجدي، فيما يسبق الجدال الراهن، حول طبيعة العلاقات الأميركية الإسرائيلية. من جهة أولى جادل نعوم تشومسكي باستمرار بأن تأثير "اللوبي الإسرئيلي" في صياغة هذه العلاقات محدود إذا وضعناه الى جنب التصورات الأميركية الاستراتيجية خاصة التي تعمقت إثر الحرب العالمية الثانية. ومن دون الوقوع في التبسيط يبدو من الممكن تلخيص موقف تشومسكي في أن "اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة لم يخلق نفسه بقدر ما خلقته رغبة نخبة أميركية سائدة في احتكار وتوظيف الدور الإسرائيلي في المنطقة أميركيا. مقابل الموقف التشومسكي، وغير بعيد عن الأوساط الأميركية الاحتجاجية المعنونة ضمن "معسكر السلام" ولكن غير المؤثرة في صناعة السياسة الأميركية في كل الأحوال، وقف جيفري بلانكفورت (Jeffrey Blankfort)، الناشط "ضد الحرب"، واليهودي مثل تشومسكي أيضا، إن كان لذلك أي أهمية، وقف باستمرار ضد المقولة التي تهمش دور "اللوبي الإسرائيلي" خاصة كما تظهر في التعبيرات التشومسكية. موقف بلانكفورت القديم، المتجدد كلما عاود تشومسكي الرجوع اليه، يمضي عادة في اتجاه استعراض متفاوت الدقة لتأثير اللوبي في صياغة مختلفة تمظهرات الصراع العربي الإسرائيلي سواء في الأطر الرسمية أو الإعلامية.
لا يمكن الضجر من تكرار التأكيد على أن هذا الجدال، داخل أوساط "النشطاء المعارضين للحرب"، كان على هامش المنابر المؤثرة في صياغة السياسة الأميركية. فقد كان بعيدا ليس فقط عن دوائر صناع السياسة بل أيضا الدوائر الأكاديمية التي تساهم باتجاهاتها العامة في صياغة الفكر السياسي والاستراتيجي الأميركي بل وأيضا في تموين مراكز القرار بطيف واسع من "قطع غيار" المؤسسة البيروقراطية التنفيذية. وحتى وقت قريب، كان من اللافت أن هذه الأوساط حافظت على صمت مدوي في علاقة بموضوع العلاقات الأميركية الإسرائيلية، طبعا عدى التأكيدات العامة من قبيل تداول الكليشيهات حول "إستراتيجية" العلاقة بين الطرفين. لهذا تحديدا لا يمكن إلا أن نعتبره إختراقا غير مسبوق ما حصل من خلال نشر الورقة البحثية "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة" سنة 2006 من قبل أستاذين مرموقين في الأوساط الأكاديمية من جامعتين مرموقتين. ربما قصة وظروف صياغة هذه الورقة البحثية، التي ترجمت الى عديد اللغات وتناقلتها وسائل الاعلام على نطاق واسع، تستحق، ربما على قدر أهمية محتواها، وقفة خاصة لما أراه دورها المتزايد في تشكيل مرحلة مفصلية في العلاقات الأميركية الإسرائيلية. جون ميرشايمر (John Mearsheimer)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وستيفين والت (Stephen Walt)، أستاذ العلاقات الدولية في مدرسة كينيدي للحكم في جامعة هارفارد، لا ينتميان بالتأكيد لجمعيات "السلام" و"معارضة الحرب"، كما أنهما لا يدرسان في جامعات مغمورة. كلاهما ينتمي إلي موقعين من بين أكثر المواقع تخريجا للأكاديميين العاملين في الحقل السياسي في واشنطن، وكليهما من الرموز الأكاديمية المنتمية للتيار "الواقعي" الكلاسيكي الأميركي الذي يتقاسم مع النخبة السياسية السائدة مسلمات مثل اتساع "الأمن القومي الأميركي" الى المنطقة العربية، و"الطابع الخير المتأصل" في القوة الأميركية ضمن "المبادئ الويلسونية". وبمعنى آخر عندما يكتب كل من ميرشايمر ووالت فإن الكثير من صناع السياسة يصغون بانتباه.
ما كتباه كان في الأصل مقالا طلب من كليهما القيام به منذ سنة 2002 من قبل نشرية "الأتلنتيك مونثلي" حول موضوع السياسة الخارجية الأميركية. غير أن الأخيرة قررت رفض المقال بعد تبين الدور الرئيسي الذي منحه الكاتبان لـ"اللوبي الإسرائيلي" في تقرير هذه السياسة. كان على الأوساط البحثية الانتظار حتى بداية سنة 2006 حتى يتم نشر نسخة أكثر طولا في نشرية كلية القانون التابعة لجامعة هارفارد. في الأثناء رفض ناشرو "النيويورك تايمز ريفيو أوف بوكس"، أهم نشرية أميركية تعنى بمراجعة الكتب وتحتوي عادة مقالات سياسية مهمة، تضمين مقال مختصر عن بحث ميرشماير وفالت. كان يجب الانتظار حتى شهر آذار/مارس 2006 حتى أمكن نشر المقال في نشرية لندنية توفر طيفا واسعا من القراء "ذو لندن ريفيو أوف بوكس". وهو ما أطلق من دون عناء حملة واسعة، خاصة في الولايات المتحدة، لاستنكار المواقف الواردة في المقال. لم يتم ذلك من قبل أطراف موالية لإسرائيل فحسب بل حتى من معسكر "معارضة الحرب". حيث عاود تشومسكي تأكيد موقفه القديم المشار إليه أعلاه في مقال "اللوبي الإسرائيلي؟" الذي ظهر على عدد من المواقع الالكترونية في أواخر آذار/مارس 2006. وبالرغم هيمنة الردود السلبية والتي تغاضت عن ظاهرة "المراقبة الذاتية" التي حالت دون نشره في الولايات المتحدة، كان على الجميع إنتظار بضع أشهر حتى يتبين أن الكثير من الأكاديميين من مواقع مرموقة بدؤوا في التعبير عن مساندتهم لحق الكاتبين في التعبير وعن رفض الاتهامات الموجهة اليهم بـ"معاداة السامية". ومع حلول صيف 2006 بدأ النقاش الجدي يتوسع ليشمل نشريات واسعة الانتشار بما في ذلك تلك التي رفضت نشر آراء الكاتبين في السابق. كما تم تنظيم ندوات بحضور أطراف متباينة مع الكاتبين لنقاش الموضوع كما تم بثها في القناة الاخبارية "سي سبان". وأصبح من الممكن إثرها سماع حتى رئيس أميركي سابق، مثل جيمي كارتر، لا يمكن الشك في صداقته لإسرائيل، يتحدث بقوة عن الدور السلبي للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في صياغة السياسة الأميركية في المنطقة. وأخيرا بدى من الواضح شيئا فشيئا أن والت وميرشماير ليسا عصفورين تائهين بل جزء من شبكة واسعة من خبراء السياسة الخارجية تؤمن بـ"واقعية جديدة" (neo-realism) تحاول البحث عن أنصار من داخل معسكر بيروقراطيي السياسة الخارجية خاصة من داخل أوساط الحزب الديمقراطي (أنظر في علاقة بهذا الموضوع مقالي "كيف ستكون السياسة الخارجية لإدارة ديمقراطية قادمة؟" القدس العربي 5 حزيران/جوان 2007).
كان ما حدث إختراقا غير مسبوق لموضوع طالما تميز بحساسيته البالغة. ويصبح بعد ذلك من المتوقع أن نرى إنعكاسا لذلك على مستوى مواقف الحلقات المضيقة لصناع السياسة الخارجية الأميركية خاصة تلك التي تم تهميشها، على غير العادة، خلال عهدة إدارة الرئيس بوش الابن. عودة "شيوخ" السياسة الخارجية الأميركية كانت الاخفاقات المدوية على مستوى السياسة التنفيذية لفريق المحافظين الجدد تعبد الطريق بسرعة لعودة ديناصورات السياسة الخارجية الأميركية. لعل من الضروري التذكير بأن تشييد سمعة المحافظين الجدد اعتمد على القطع مع "بيروقراطيي" وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الذين حافظوا لفترة طويلة على مقاليد التأثير بأشكال متنوعة، حتى عندما لا يتقلدون مناصب رسمية، على صياغة السياسة الخارجية. وباستثناء بعض القيادات التنفيذية المخضرمة التي كانت توجد في مواقع مؤثرة خاصة في وزارة الدفاع مثل ديك تشيني ودون رامسفيلد فإن مجمل رموز التيار المحافظ الجديد كانو يرغبون في الظهور بمظهر "المطهرين" من الجهاز البيروقراطي والذين يحملون معهم أفكارا جديدة ومنعشة. ولم يكن من الصدفة، إذا، أن تمت شيطنة أو تعجيز وجوه تقليدية معروفة بداعي فشلها في تصور سياسة خارجية متناسبة مع الظروف والمخاطر الجديدة. وهكذا، مثلا، تم تحميل مسؤولية "الفشل في العراق" قبل 2003، أي عدم إسقاط النظام العراقي السابق سنة 1991، إلي مستشاري الرئيس بوش الأب وخاصة برنت سكووكروفت (Brent Scowcroft)، بوصفهم "سجناء" لأفكار الحرب الباردة.
بدأت عودة ما أصبح يسمى بتزايد "شيوخ" (elders) السياسة الخارجية الأميركية، وهو ما يعني خاصة برنت سكووكروفت ثم مستشار الرئيس كارتر زبغنيو بريززنسكي (Zbigniew Brzezinsky)، متزامنة مع بداية الحرب على العراق في ربيع 2003 والاخفاقات اللاحقة، من خلال مقالات متفرقة في الصحف الأميركية. غير أنه مع مرور الوقت بدأ حضورهما يجلب الانتباه خاصة مع التعطش المتزايد لوجوه موصوفة بالحكمة والخبرة على عكس الانطباع الذي خلفته الوجوه التي هيمنت على السياسة الأميركية في العراق. ولكن من المحطات المؤثرة كان اللقاء الحواري الثلاثي في البرنامج التلفزي المشهور باسم منشطه "تشارلي رووز" بتاريخ 16 حزيران/يونيو 2007 والذي استضاف فيه كل من سكووكروفت وبريززنسكي وكذلك هنري كيسنجر، وهو ما كرس الرغبة في إدارة الظهر لمرحلة النجومية الحصرية للمحافظين الجدد. ناقش الحوار تقريبا كل المواضيع الخاصة بالمنطقة العربية وكان من الملفت للإنتباه إتفاق الثلاثة متحاورين على سلبية التمشي الأميركي إزاء الساحة السياسية الفلسطينية من خلال التدخل فيها (خطة دايتون) وأكد كل من برززنسكي وسكووكروفت على ضرورة بدء حوار مع حركة حماس مقابل مطالبتهما الإدارة بتحديد مسافة واضحة من القيادة الإسرائيلية والضغط عليها في ملفات محددة مثل المستوطنات والجدار العازل والأسرى.
في سياق هذا النسق التصاعدي تأتي الرسالة الأخيرة التي تم نشرها في عدد 8 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري من "النيويورك ريفيو أوف بوكس" تحت عنوان "الفشل يمكن أن يؤدي الى نتائج كارثية". المقال-الرسالة المفتوحة الموجهة الى كل من الرئيس بوش ووزيرة خارجيته تم إمضاؤها من قبل أصوات مؤثرة في الدوائر السياسية في واشنطن تشمل، إلي جانب سكووكروفت وبريززنسكي، لي هاميلتون (Lee Hamilton)، النائب الديمقراطي الذي ترأس لجنة "مجموعة دراسة العراق"، وبول فولكر (Paul Volcker) الرئيس السابق لمجلس إدارة "الاحتياطي الفيدرالي الأميركي". كما شارك في دعم الرسالة أهم مراكز الدراسات المعبرة عن التيار "الواقعي" في واشنطن مثل "مشروع أميركا/الشرق الأوسط" التابع لـ"مجلس العلاقات الخارجية" (Council on Foreign Relations) و"مجموعة الأزمة الدولية" (International Crisis Group) و"برنامج الاستراتيجيا الأميركية" التابع لـ"مؤسسة أميركا الجديدة" (New America Foundation). تطرح الرسالة خطوطا عامة، وفق مرجعيات القرارت الدولية 242 و338 من جهة وخريطة الطريق والمبادرة العربية من جهة أخرى، لتقترح "حلا نهائيا" من خمس نقاط تشير الى ضمنيا إطار مؤتمر مدريد كأساس للتسوية النهائية. وليس إستحضار مرجعية سنة 1991 مجرد مصادفة هنا حيث كان سكووكروفت أحد مهندسيها. ضمن هذا الإطار تقترح الرسالة خطوات سياسية فورية من خلال العمل على إقحام سوريا في المؤتمر وفق صفقة تتضمن في الحد الأدنى إطلاق مفاوضات إسرائيلية سورية والدخول مع "حماس" في محادثات تنطلق من وقف إطلاق النار القائم في غزة كأساس لتسوية أكثر ديمومة.
لكن في إطار موضوع العلاقات الأميركية الإسرائيلية يبدو ما لحق الرسالة من ردود أفعال أكثر مدعاة للاهتمام. حيث جلبت بعض الانتقادات الحادة خاصة من الأطراف المتبنية للرؤية الإسرائيلية السائدة والتي لم تعد مهتمة بإطار مؤتمر مدريد كإطار للتسوية النهائية. أدى ذلك بهنري سيقمان رئيس "مشروع أميركا/الشرق الأوسط" التابع لـ"مجلس العلاقات الخارجية"، أحد الأطراف الداعمة للرسالة، للرد مؤخرا على صفحات "النيويورك ريفيو أوف بوكس" (بتاريخ 21 تشرين الثاني/نوفمبر) بعنوان "أنابوليس: ثمن الفشل". وكان الهاجس الأساسي لسيقمان هو تحديدا تحميل الطرف الإسرائيلي مسؤولية الفشل المتوقع في أنابوليس مع التحذير من النتائج السلبية لذلك على الساحة الأميركية التي بدأت تفقد الثقة في النوايا الإسرائيلية (أنظر التعليق أول المقال). ويتجه موقف سيقمان عموما ضمن نفس سياق رؤية والت وميرشيمار أي ضرورة الفصل بين المصلحة القومية الأميركية والسياسة الإسرائيلية خاصة في حالة إصرار الأخيرة على موقفها الراهن المعرقل لإنشاء "دولة فلسطينية قابلة للحياة".
وهكذا لا تبدو هذه المواقف خاصة بمجموعة صغيرة من "شيوخ" السياسة الخارجية الأميركية أو معزولة عن اتجاه عام في أوساط خبراء السياسة الخارجية بما في ذلك الأوساط الأكاديمية. كما أن هذه المواقف ليست جديدة تماما فهي تلتقي مثلا مع الرؤية التي تم طرحها من قبل الخبراء الذين أعدو التقرير الإستشاري لـ"مجلس الإستخبارات القومية" (National Intelligence Council) الصادر في أيار/ماي 2005 بعنوان "وضع خريطة مستقبل الشرق الأوسط". حيث تم فيها حث الإدارة الأميركية على "إعادة تقييم" (reassessment) علاقتها الخاصة بإسرائيل لتأكيد مصداقيتها إزاء مسارات الدمقرطة و"عملية السلام". طبعا كل هذه المؤشرات لا تعني أننا بصدد طلاق بين الطرفين أو حتى أننا على أبواب مرحلة تنعكس فيه موقف اتجاه متزايد من خبراء السياسة الخارجية على مستوىمواقف النخبة التنفيذية. إذ هناك ربما عوامل أخرى أقوى تأثيرا في صياغة السياسات التنفيذية بما في ذلك موقف جزء من النخبة الاقتصادية السائدة التي تمول الحزبين والتي يمكن أن تبدو قريبة من الرؤية الإسرائيلية وربما حتى مزايدا عليها. غير أن الفشل المتوقع للتعنت الاسرائيلي والأخطار المتزايدة على نفوذ أميركي متراجع أصلا في المنطقة سيجعل مواقف الخبراء أكثر مدعاة للإنتباه... مع الوقت. طارق الكحلاوي
كاتب تونسي http://tareknightlife.blogspot.com