حسابات سياسية تترصد التعليم في المغرب

بقلم: محمد سعيد الريحاني
المعلمون يترقّون في مراتب السياسة!

عرفت سنة 2004 تأسيس "هيئة الإنصاف والمصالحة" للنبش عن الحقيقة في ملفات انتهاكات حقوق الإنسان وإنصاف الضحايا من خلال جبر الضرر ورد الاعتبار لهم وذلك في السابع من يناير/كانون الثاني.
وقبل أيام من هذا التاريخ وتحديدا في 18 ديسمبر/كانون الاول 2003، تقرر فتح باب الترقية لسلم قطاع التعليم، الحليف الأول والرئيسي مند 1963 لقوى المعارضة السياسية السابقة التي تقدم من "الباب المباشر" مناضليها كضحايا سنوات الرصاص ومن "الباب غير المباشر" حلفاءها المعلمين كجديرين بالتكريم الذي يعني في عرف مجايلي الإنصاف والمصالحة "التعويض المالي".

وإذا كان تزامن انطلاق عمل "هيئة الانصاف والمصالحة" بفتح باب الترقية أمام الشغيلة التعليمية أمر لم ينتبه له الكثير من المحللين أو هو لم يرد له الانتباه، فإن تقليدا سنويا جديدا بدأ بموازاة هذين الحدثين: بيانات أكتوبر السنوية التي تدرجت حسب السنوات:

- من إحداث الصدمة، البيان الأول (10 أكتوبر 2004)

- إلى رصد ردود الفعل الصاخبة لقوى الصيد في المياه العكرة، البيان الثاني (18 أكتوبر 2005)

- إلى إدانة الانحراف النقابي في المغرب، البيان الثالث (بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان 2006).

- إلى النبش في الأهواء الإدارية في التعامل مع ملف التعليم، البيان الرابع (31 أكتوبر 2007).

العشريات الست، محطات حاسمة في التاريخ المغربي الحديث

يعرف المغرب منعطفات تاريخية كل عشر سنوات مند فجر الاستقلال يمكن تسميتها بـ"العشريات":
ففي سنة 1956حصل المغرب على الاستقلال وبدأ الحلم بالغد والتبشير بالكرامة والرفاه.

وفي سنة 1966، أعلن عن بداية حالة الاستثناء التي عمرت عشر سنوات وتكونت "النخب الإدارية" الجديدة من "الأحزاب الإدارية" الجديدة التي سيرت حكومات العهد الجديد الأول.

وفي سنة 1976، أعلن عن رفع حالة الاستثناء مع بداية صناعة طبقة بورجوازية جديدة.

وفي سنة 1986، ضُمََ قطاع الثقافة لوزارة الداخلية وقُسم الإعلام إلى إعلام فرانكفوني نخبوي خاص بميلاد القناة الثانية، وآخر معرب عامي وعمومي في كل شيء بما في دلك البث. كما بدأ مسلسل "التعريب" بتقسيم التعليم إلى طور أدنى "معرب" وطور جامعي "مفرنس" مع استدراج طلبة الثمانينيات خريجي الجامعات للعمل بالتعليم الابتدائي في الأرياف والصحارى.

وفي سنة 1996، تم تقديم تقرير صندوق النقد الدولي للبرلمان مع خطاب "السكتة القلبية" والتداعيات الموازية (تصالح النقابة ووزارة الداخلية).

وفي سنة 2006، "المغادرة الطوعية"، خروج النخب الإدارية القديمة تحت إغراء التعويضات المالية ودخول نخب "حكومات التناوب" لتؤازر اللون الحاكم.

عشرية الثمانينيات والأزمة المتولدة عن اختلاف السرعات ما بين طلبة الثمانينيات المستعجلين للتغيير وسياسي الثمانينيات المحتاج لإبطاء الإيقاع لضمان مرور قراراته

عرفت الثمانينيات بسياسات التقويم الهيكلي التي سلكها المغرب تحت إملاءات الصناديق الدولية. ولأن السياسي كان منهمكا في تطبيق سياسات التقويم، فقد كان في حاجة لإبطاء الإيقاع الاجتماعي وهو ما يتعارض مع السرعة في التغيير التي يؤمن بها الخريجون الجامعيون المعروفون بولائهم لأحزاب المعارضة السياسية بنوعيها التقليدية والراديكالية.

ونظرا لاختلاف السرعات ما بين الطالب المؤمن بالتغيير والسياسي المكبل بالشروط الاقتصادية، فقد تم نفي الخريجين الجامعيين إلى الأرياف للعمل في التعليم القروي والإقامة بالأرياف وأقاصي الخريطة في انتظار جلاء الأمور وانتهاء المشكل وانفراج الأزمة.

لقد كانت سنة 1986 سنة بداية التعريب التي "صادفت" بداية "استدراج" الطلبة الجامعيين المجازين (حاملي شهادة ليسانس) إلى التدريس بقطاع التعليم الابتدائي مقابل تعيينات إقليمية وضمانات بالإدماج في سلالم الأجور التي توافق تكوينهم الجامعي وشهاداتهم الجامعية.
وتأسيسا على ذلك، ولج الفوج الأول من المعلمين المجازين السنة الدراسية 1986-1987 في مراكز تكوين المعلمين والمعلمات دون مباراة تصفية وبتكوين صوري مدته أقل من سنة تلاها "تنجيح" جميع الطلبة-المعلمين في كل مراكز التكوين عبر كل ربوع المغرب بنسبة "لا تقل عن 100%" أعقبتها تعيينات إقليمية مقبولة.
وقد سلكت الإدارة ذات النهج مع الفوج الثاني 1987-1988 ومع الفوج الثالث 1988-1989. لكن ابتداء من السنة الدراسية 1989-1990 مع الفوج الرابع، بدأت "سياسة المنافي" في التعيينات واستمرت مع الفوج الخامس والسادس والسابع والثامن ليغلق الباب في وجه "الخريجين الجامعيين المنتمين لسنوات الثمانينات الساخنة في الساحات الطلابية" نهائيا سنة 1996.

عشرية الثمانينيات وسبل "تصريف" الطلبة الجامعيين

السبيل الأول: شعار "الرقي بالتعليم" خلال 1986-1995، بينما كانت التعيينات على أرض الواقع تشي بالنفي إلى مجاهل أرياف الوطن وصحاريه.

- السبيل الثاني: شعار "الشباب والمستقبل" في بداية التسعينيات ، بينما عكس تركيز الطلاب الجامعيين للعمل في وزارة الداخلية دون سواها خلفية "الضبط" الذي يسكن الوزارة.

- السبيل الثالث: شعار "الحق في جواز السفر" في 1989، وقد انطلق معه مسلسل صُكََ له اسم "الحريك".

- السبيل الرابع: شعار "التعويض" لحملة الشهادات المعطلين بعدة أشكال "اكريمات قروية" و"سلالم دنيا في وزارة الداخلية دائما".

المعلمون المجازون والخدعة الإدارية الكبرى

خلال مرحلة الثمانينيات، أغلقت في وجه الطلبة خريجي الجامعات كل أبواب القطاعات الإنتاجية والخدماتية العمومية وأبقي لهم باب واحد وحيد مفتوح كان على الدوام مواليا للمعارضة السياسية المغربية التي كانت تسيطر على قطاع التعليم بأسلاكه الأربعة وتهيمن على نقاباته المهنية والطلابية كما كانت تتحكم في الساحة الجامعية والخطاب الطلابي الجامعي.

وقد كان لهدا الباب المفتوح، "باب جُحر السيرك" في وجه الطلبة خريجي الجامعات واجهتان: الواجهة الأولى هي الواجهة المعروضة للعموم وشعارها "التشغيل" أما الواجهة الثانية فهي سر الأسرار التي لا تعرف إلا بعد التعيين في أقاصي الأرياف والصحاري بلا عنوان ولا سكن ولا طرقات ولا ماء ولا كهرباء وأحيانا بلا قسم ولا حتى تلاميذ. لكن الأسوأ هو اشتغال المعلم المجاز في هذه الظروف لمدة تصل حد "خمس سنوات" وهو خارج سلم تأجيره الأصلي، السلم العاشر الذي يعادل شهادته الجامعية.

هذه الواجهة الثانية تبقى هي الواجهة الحقيقية التي تعري كل شعارات التشغيل البراقة التي روِّج لها لاستدراج الطلبة خريجي الجامعات إلى سلك التعليم الابتدائي مقابل الإدماج في سلالم الأجور التي توافق تكوينهم الجامعي وشهاداتهم الجامعية.

لقد كانت الحقيقة هي "حصر" ولوج الطلبة الجامعيين من خريجي الثمانينيات إلى قطاع واحد وهو القطاع المعروف تاريخيا بولائه للمعارضة والسياسية مند 1963 ثم "تعيين" أو "تطييش" النخب الطلابية المتشبعة بثقافة الرفض والتمرد إلى مجاهل المنافي في الأرياف والصحاري المغربية وجعلهم يعيشون على أمل الإدماج بكل دلالاته الاجتماعية والإدارية، وتضييعهم فيما لا يقل عن أربع سنوات من العمل لا تحتسب لهم في سلمهم مع انتظار ثماني سنوات قبل التوصل بالمستحقات المالية، وهو ما لا يحدث أبدا مع الفئات الأخرى من المعلمين الذين لم يلوا باب الجامعة وصخبها ورفضها (!).
والمعلم الذي ولج باب مهنة التعليم بشهادة البكالوريا الثانوية أو دونها في ما قبل ثم حصل لاحقا على شهادة الإجازة وهو في سلك التعليم يتم إدماجه في السلم الموازي لشهادته الجامعية مند تاريخ تقديمه لشهادته الجامعية ويرقى دون شطط ويعوض ماليا دون نقصان.

هذه المقابلة البسيطة بين المعلم المجاز "القادم من الساحة الجامعية" والمعلم المجاز والتمييز الإداري في التعامل مع ملفيهما هي ما يعزز القناعة بأن إدراج الطلبة الجامعيين خريجي الثمانينيات إلى العمل في قطاع التعليم الابتدائي لم يكن الهدف منه الرفع من مستوى التعليم ولا إيجاد شغل يوازي شهاداتهم بقدر ما كان الهدف هو تغيير نمط تفكيرهم وخفض مستواهم الثقافي وتدريبهم على الانتظارية، فالمتحكم الأول كان هو المقرر السياسي والحسابات السياسية مع الخصوم السياسيين التي راح ضحيتها طلبة العلم من خريجي الجامعات المغربية.

كما شهدت السنوات الممتدة ما بين 1997-2000 على أكبر ارتباك عرفه التسيير الإداري لقطاع التعليم. فقد تخرج معلمون من حملة الشهادات الثانوية الجديدة (البكالوريا) مباشرة في السلم التاسع بينما زملاؤهم من حملة الشهادات الثانوية القديمة لا زالوا رغم أقدمية عشرين عاما في المنصب في السلم الثامن وهو نفس السلم الذي يرقد فيه أيضا المعلمون من حملة الشهادات الجامعية (ليسانس) الذين قضوا خمس سنوات على الأقل في المنصب وما يماثلها من السنين في الجامعة، ومع دلك فقد صاروا أضحوكة في المؤسسات التي يشتغلون فيها مع "الخريجين الجدد"، حملة الشهادات الثانوية والمرتبين في سلالم أعلى. مما جعل المعلمين المجازين خلال 1997-2000 يبدون تافهين وغير مهمين وضعاف التكوين كما تقدمهم أرقام الاستدلال وتصنيف السلالم.

ملف التعليم في ضوء ثقافة "الإنصاف والمصالحة"

إن ترقية موظفي قطاع التعليم لوحدهم إلى السلم الحادي عشر في زمن فلسفة "الإنصاف والمصالحة" لها أكثر من دلالة ما دامت لم تشمل باقي القطاعات الخدماتية والإنتاجية العمومية حتى يمكن الحديث عن تنمية أو إقلاع تنموي.
إن فتح باب الترقية إلى السلم الحادي عشر في وجه المعلمين يبقى شكلا من أشكال التعويض "المالي" للموظفين في هذا القطاع في العهد القديم الذي يسميه الضحايا الآخرون بـ"سنوات الرصاص".
لكن الانحراف الذي حدث في إعادة الاعتبار هذه للمعلمين المغاربة قسّم هذا التعويض إلى قسمين: تعويض يشمل عموم المعلمين المترقين بالأقدمية وهي عملية تخضع لبطء لا مثيل له، وتعويض خاص بالفئات "الخاصة" من أشباه النقابيين من أبناء الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة "المُنجَّحين" في مباريات مهنية لا علاقة لها بالتباري ولا بالمهنية إلا بالاسم.

إذا كان الأمر يتعلق بـ"تكريم" المعلم لدفع عربة التنمية الى الأمام، فالأجدى أن يكرم جميع المعلمين بجميع سلالمهم دون استثناء ودفعة واحدة.
وإذا كان الأمر يتعلق بـ"إنصاف" المعلم و"مصالحته" مع الإدارة السياسية، فالأجدى أن ينصف جميع المعلمين بجميع درجاتهم دون استثناء ودفعة واحدة. أما أن يروج لشعارات التكريم والإنصاف ولا يكرم ولا ينصف إلا أبناء أحزاب الحكومات من المعلمين فهذا ما سيكون للتاريخ الرأي الفصل فيه.

الحاجة إلى "ثقافة" إنصاف ومصالحة ممتدة في الزمن

بين قدماء المحاربين وجيش التحرير(الجيل الأول من القوى السياسية في العهد الجديد الأول) وتجمع قدماء المعارضين اليساريين ضحايا سنوات الرصاص (الجيل الثاني من القوى السياسية في العهد الجديد الثاني)، ثمة أكثر من نقطة تشابه.

فمن مقاومة الاحتلال الاسباني الفرنسي إلى الحصول على الاستقلال، انبثقت هيئة مهمتها تعويض قدماء المقاومة وجيش التحرير ماليا وتوظيف ذويهم في الإدارات المغربية حتى ذوي صفير إنذار تقرير صندوق النقد الدولى عام 1996.
وعلى إيقاع شبيه في العهد الجديد الثاني، انبثقت "هيئة الإنصاف والمصالحة" ومهمتها التعويض المالي لقدماء المناضلين اليساريين وبعض الإسلاميين من معتقلين ومنفيين إبان الأربعين سنة التالية لاستقلال المغرب.

ومن أهم التجليات الاخرى:

- التعويض المالي عن الفعل النضالي.

- إقامة جولات عبر ربوع الوطن لإحصاء الضحايا وتقديمهم للعامة من المواطنين كـ"خيرة أبناء الوطن".

- العفو عن الخونة في النسخة الأولى من العهد الجديد الأول يقابلها إلغاء أسماء الجلادين في النسخة الثانية من العهد الجديد الثاني.

هذا التقابل ما بين الجيل الأول من المقاومين المُعَوََضِين مع جلاء المستعمر وبداية الاستقلال والعهد الجديد الأول، وبين الجيل الثاني من المناضلين المُعَوََضِين بعد جلاء سنوات الرصاص وبداية العهد الجديد الثاني، يظهر أن إجراءات التعويض المالي والإداري تستند على استمالة القوى السياسية للمشاركة في الحكومة أو التسيير الإداري أكثر من استنادها الى أي دافع أخلاقي أو حقوقي ولعل أهم تجل لذلك هو "الحصر الزمني" فبينما حصرت أنشطة المقاومة وجيش التحرير ما بين 1912 و1955، تم حصر الضحايا في عهد هيئة الإنصاف والمصالحة ما بين 1961 و1999.

ولأن ثقافة التعويض المالي لضحايا الماضي بأسمائه وأشكاله المتعددة كانت السمة المهيمنة عند تكريم المقاومين المسلحين في المرة الأولى وعند تكريم المناضلين السياسيين في المرة الأخيرة، فإن المطلب يبقى دائما هو الحاجة إلى "ثقافة" بديلة، إلى "ثقافة" ممتدة في الزمن للإنصاف والمصالحة تضمن الحق في العيش الكريم والعمل الكريم والفرص المتكافئة وليس إلى "هيئات مرحلية" تتجدد كل أربعين عاما لتعويض قدماء الفاعلين من مقاومة مسلحة أو معارضة سياسية، "ماليا".

ملف التعليم وملفات الإنصاف والمصالحة

ليس المطلوب التعامل مع ملف التعليم كملف لتعويض المعلمين ضحايا سنوات الرصاص ومن خلالهم تعويض الحزبيين/النقابيين، إنما المطلوب هو إعطاء ملف التعليم حجمه الحقيقي كدعامة أساسية للتنمية الاجتماعية الشاملة والإقلاع الحضاري الحقيقي.

إن ترقية "النقايبية" (ممن يسمون في المغرب تجاوزا بالنقابيين) و"الحزايبية"(ممن يسمون في المغرب تجاوزا بالسياسيين) ماليا ومهنيا من "بيت مال المواطنين" بموجب مباريات مهنية مطعون في مصداقيتها مند انطلاقها أسبوعين قبل تأسيس هيئة الانصاف والمصالحة، لَهِيَ وصمة عار على جبين العمل النقابي والسياسي والإداري.

كما أن تصحيح الخطأ بالخطأ من خلال تخريجة "المغادرة الطوعية" التي هدفت لتعويض الأطر الإدارية القديمة بأطر سياسية موالية للون الحاكم قد يلزم حركة التاريخ مدارها شاهدة بذلك على بداية تكون الجيل الجديد من الموظفين الأشباح الدين سَيَسِمُونَ المرحلة القادمة بثقلهم المغناطيسي في انتظار تقرير قادم لصندوق نقد قادم لـ"سكتة قلبية قادمة" بعد أربعين عاما قادمة.

لقد كان الهاجس الذي سكن "حكومات التناوب" هو هاجس "احتلال المواقع أولا" حسب الأهمية داخل الخريطة السياسية وحسب الموقع داخل الحزب فكان "الاستوزار" من نصيب "الأمين العام" للحزب ورئاسة المكاتب الإدارية في القطاعات الوزارية لأطر الحزب العليا عبر إخراج النخب القديمة في تلك الإدارات التي كانت تدين بالولاء للهيئات والرموز السياسية القديمة من خلال تخريجة "المغادرة الطوعية" (وهي شكل من أشكال التقاعد النسبي بإغراء مالي إضافي كبير جدا يستهدف بالدرجة الأولى الأطر العليا).
فإذا كانت "حكومة التناوب" جاءت لتغيير الأسماء السياسية المتعاقبة على الحكم منذ الستينيات من القرن الماضي، فإن المغادرة الطوعية جاءت لتجديد أسماء الأطر في المواقع العليا.

أما بالنسبة لـ"صغار المناضلين" في الأحزاب المشاركة في حكومة التناوب والنقابات المتحالفة معها، فقد بدأت ترقيتهم ماديا من خلال "التنجيح" في مباريات مهنية سنوية، ولعل أبرز قطاع عكس أزمة "الصيد في الماء العكر" هذه هو قطاع التعليم.
وقد كانت "الفضيحة" التي عرتها بيانات أكتوبر السنوية التي تناوبت على نشرها كبريات الجرائد اليومية "المستقلة" خلال سنوات الولاية الثانية لحكومة التناوب خير شاهد إثبات للتاريخ على هذا الاختيار الفريد في مكافأة المناضلين حسب مستوياتهم "العلمية" ومراتبهم "النضالية" وصناعة "نوافذ" تطل منها على مرافق تسيير الأمور وضمان مرور سالم للخطاب الجديد.

إذن لفهم دوافع الحرارة في الحناجر لدى البقية الباقية ممن لا زالوا يخرجون للشوارع في أسبوع الانتخابات دعما لشعارات حكومة التناوب يمكن حصرها في ثلاث: "الاستوزار" للكبار، "المغادرة الطوعية" للمتوسطين، و"التنجيح" في المباراة المهنية السنوية للأقزام.

تواريخ الإعلان عن نتائج التنجيح في المباراة

لقد كانت تواريخ الإعلان عن النتائج وأشكال عرض النتائج والارتباك الواضح المصاحب لكل مباراة مثيرا للشك والريبة في القصد والوسيلة والخطاب والمخاطب.
ففي لوائح الترقية بالأقدمية والترقية بالاختيار، ثمة ارتباك الواضح في ظهور الأقدمين على اللائحتين معا وفي نفس السنة، وهناك الحضور الهام والمتكرر للمترقين بالأقدمية "بعد ثمانية أشهر" من "تنجيحهم" في المباراة ، مما يكشف عن الكوتا الخفية المخصصة داخل المباراة للأقدمين كما تم تفصيل ذلك في بيان أكتوبر السنوي الأول لسنة 2004.

لكن الارتباك الأكبر تظهره تواريخ إعلان نتائج ما يسمى تجاوزا بـ"المباراة المهنية". فقد جاء إعلان نتائج أول مباراة ديسمبر 2003 في شهر سبتمبر 2004 ، قبل المباراة الموالية بأربعة أسابيع تحفظا من ردود الفعل التي قد تكون غاضبة من "شكل التنجيح" الذي تم اللجوء إليه "بدل تصحيح أوراق الامتحانات المهنية".

وجاء إعلان نتائج مباراة نوفمبر 2004 في شهر أغسطس من السنة الموالية 2005، في عز الصيف، لأن النتائج كانت "عِقَابية" وكان من الضروري تجنب الصدام مع "المُعَاقَبِين" بتمرير النتائج في أوقات الاستجمام والعطل السنوية للموظفين، احتذاء بالتجربة العريقة المكتسبة في تمرير الزيادة في الأسعار في التواريخ الآمنة كأيام الأعياد وفي شهر رمضان.

وجاء إعلان نتائج مباراة نوفمبر 2005 في شهر فبراير 2006، شهران بعد جمع أوراق الامتحان على خلفية أصداء بيانات أكتوبر السنوية المتخصصة في قراءة نتائج الامتحانات المهنية في ظل العبث الذي طالها بفعل عبث القوى السياسية الجديدة الصاعدة لمراكز القرار.

وجاء إعلان نتائج مباراة نوفمبر 2006 في شهر أكتوبر2007 بعد انتخابات سبتمبر التشريعية. ودلالات اختيار التوقيت واضحة: استقلالية النتائج عن أوراق الامتحان وارتباطها بالولاء السياسي وبأجندة اللون الحاكم.

إن غياب تاريخ محدد للإعلان عن نتائج المباراة والركوب على موجة الفعل والخوف من ردة الفعل المتولدة عن إعلان النتائج لدليل واضح على غياب الشفافية والمهنية والمصداقية.

التلاعب بالمباريات المهنية وتحريك الظواهر/الأدوات المساعدة: ظاهرة الغش مِشْجَباً

ظاهرة الغش لدى أوساط رجال التربية والتكوين تشكل امتدادا طبيعيا لشيوع ظاهرة الغش لدى التلاميذ والطلبة في المدارس والإعداديات والثانويات والجامعات ولكن أن يصبح الغش "سياسة ثابتة في تدبير المباريات والامتحانات" تستهين بالمتبارين وتتجاهل تصحيح أوراق الامتحانات وتتلاعب بنسب النجاح وأعداد الناجحين وتحتقر الكفاءات المتبارية... هذا هو الجديد.

وسجل بيان أكتوبر السنوي الأول لسنة 2004:

تحديد الكتل الناجحة في الإمتحان يدفعنا لطرح السؤال الخطير التالي "أين المباراة،إذن، داخل هذه الكوتا؟".

إن المباراة أو التباري على منصب أو حصص من المناصب في قطاع أصبح يعرف بقطاع التربية و التكوين، يتطلب أولا التوفر على الحد الأدنى من الشروط:
أولها الكفاءة. فأين الكفاءة في مباراة 18 ديسمبر 2003؟ ولماذا كان الغش يحتمي بمظلة تمتد على حجرات في مراكز الامتحان الثلاث كما تشهد على ذلك بوضوح و جلاء أرقام طاولات الناجحين المتتابعة الواحدة تلو الأخرى، بينما الحجرات التى لم تقبل الغش كسبيل للنجاح بقيت خارج حصص الكوتا.

لقد كان الغش في مباراة ديسمبر وظيفيا مرتين: الأولى، لمساعدته في "خلط الأوراق" وإقصاء الكفاءة و التباري الشريف و ردم تساوي الفرص في النجاح. أما الوظيفة الثانية فتكمن في توزيع الحصص خارج أية عراقيل وفرض الأمر الواقع على المندهشين من النتائج المعلنة.

و لقد كانت هناك عوامل أخرى مساعدة: كتقديم أوراق الامتحانات "مكشوفة" للتصحيح وهو ما لا يحدث حتى في امتحانات القسم الابتدائي.

أين المباراة، إذاً؟

لقد كانت ظاهرة الغش موجودة سابقا لكن بيانات أكتوبر السنوية بارتكازها على رؤية ثابتة جعلت الموضوع يأخذ بعدا خطيرا لارتباطه بـ"اختيار رسمي" يحاول "مكافأة" الزبناء من ميزانية التربية والتكوين ومن المال العام.

خاتمة

حملة الشهادات المعطلون ينتظرون عشر سنوات وأحيانا خمسة عشر سنة وحين يُقْتَرَحُونَ لولوج عمل يصنفون في أسفل السلالم الدنيا وقد نيفوا على سن الأربعين من العمر، بينما "النقايبية" و"الحزايبية" يتسلقون السلالم الإدارية بأشنع الوسائل وأقبح الطرق وأكثرها مهانة وحقارة، ضد تكافئ الفرص وضد إرادة زملائهم ومن بيت المال العام.

لقد صار التعليم العمومي سوقا للاغتناء السريع للطابعين والناشرين الذين عبثوا تحت شعار "التعددية" بمقررات مدرسية بلا تعددية ولا جهوية ولا ديموقراطية ولا أي شيء.
كما صار التعليم العمومي سوقا لترقية "النقايبية" و"الحزايبية" وتهريبهم إداريا عبر تنجيحهم في مباريات تقدم للسذج من عوام الناس بأنها "مباريات مهنية" مفتوحة لعموم الشغيلة التي تتوفر فيها الشروط الإدارية المنصوص عليها.

مبدئيا، لا يعقل وجود معارض لمبادئ الحق في الحكم وتداول السلطة وتكريم المناضلين ضحايا التعذيب وإعادة الاعتبار لرجال التعليم حلفاء أحزاب معارضة الأمس، ولكن لا يعقل وجود مؤيد وهو في كامل أهليته راض على زرع بذور الفساد في الجسد التعليمي، وزرع بذور الانتهازية في الجسد التربوي وإفراغ العمل النقابي من ماهيته ووظيفيته.
لا يعقل وجود مؤيد وهو في كامل قواه العقلية راض على الطريقة التي يتم بها نفخ الروح في نقايبية وحزايبية موتى بهدف إنتاج "أرستقراطية عمالية" منهم، بهدف إنتاج أرستقراطية عمالية من "كَائنَاتٍ قَصَبِيَةٍ" يُنْفَخُ فيها لِتُسْمِعَ أصْوَاتَ غَيِْهَا.

محمد سعيد الريحاني
القصر الكبير/ المغرب