بعضٌ مما سنراه ونسمعه غداً!

بقلم: جواد البشيتي

غداً، نرى، في داخل القاعة في أنابوليس، رئيس الدولة المضيفة، صاحبة الدعوة، الرئيس بوش، ورئيس الوزراء الإسرائيلي؛ أمَّا من الرؤساء العرب فلن نرى غير رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وقد جاء إلى هنا، حيث "التمنِّي" هو خطاب الحضور العربي، طالباً دولة لشعبه، يريد لها أن تصبح حقيقة واقعة (في أساسها على الأقل) قبل أربعة أشهر من مغادرة بوش البيت الأبيض إلى الأبد.
ولسوف نرى غالبية الدول العربية حاضرة، ممثَّلةً في معظمها على مستوى وزاري؛ ولا شكَّ في أنَّ السعودية، الممثَّلة بوزير خارجيتها، ستكون نجم الحضور العربي، من غير أن نقلِّل من أهمية الحضور السوري وإن كان على مستوى نائب وزير الخارجية، ولا من أهمية مشاركة جامعة الدول العربية من خلال الأمين العام للجامعة عمرو موسى، الذي أكَّد أنَّ المشاركين العرب لن يَقْدِموا على أي شيء يمكن أن يُفْهَم ويُفسَّر على أنَّه تخلٍّ، أو بداية تخلٍّ، عن مبدأ "التطبيع العربي"، وهو أن لا تطبيع في علاقة الدول العربية بإسرائيل إلاَّ "بعد" إنهاء احتلالها للأراضي العربية، فإذا كان لا بدَّ من شيء من التطبيع الآن، وفي أنابوليس، فليَكُن "تطبيعا شخصيا وبروتوكوليا"، لا يتعدَّى في معناه جلوس العرب في قاعة واحدة مع إسرائيل، يرونها وتراهم، يسمعونها وتسمعهم؛ ولكن من غير اجتماعات جانبية، أو محادثات مباشرة، أو مصافحة، أو ما يشبهها؛ ولا بأس من شيء من العبوس في بعض الوجوه العربية، فالحاجز النفسي أقوى من أن يُزال في أنابوليس.
هذا هو أنابوليس، أو بعضٌ من أهمِّه، كما سنراه غداً بالعَيْن؛ ولكنَّ الأُذْن هي غداً أهم بكثير من العَيْن، فلنستمع جيِّداً إلى ما سيقوله الخطباء الكبار.
لنستمع جيِّدا إلى المضيف، أي بوش ورايس، لعلَّه يجرؤ على أن يقول إنَّ "دولة فلسطين" ستقوم قبل مغادرته البيت الأبيض، وإنَّ مفاوضات الحل النهائي التي ستبدأ بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد "المؤتمر" يجب أن تنتهي في عهده وقبل بدء معركة انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة. لنستمع إليه لعلَّه يؤكِّد أو ينفي وجود علاقة سببية بين الحل النهائي للنزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل وبين "رسالة الضمانات" التي سلَّمها إلى شارون من قبل.
ولنستمع إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي لعلَّه يجرؤ على أن يستفزَّ مشاعر الحاضرين العرب مُعْلِناً على مسامعهم وفي وجودهم أن لا حلَّ ولا سلام قبل الاعتراف (الفلسطيني ثمَّ العربي) بإسرائيل "دولة يهودية"، أو "دولة للشعب اليهودي"، أو لعلَّه يجرؤ على أن يقف، في خطابه، موقفاً إيجابياً حقَّاً من "مبادرة السلام العربية".
ولنستمع إلى ممثِّل سورية لعلَّه يؤكِّد لنا أنَّ مفاوضات السلام مع إسرائيل ستبدأ بُعَيْد "المؤتمر"، أو في كانون الثاني المقبل، وأنَّ بدأها إنَّما هو "استئناف لها من حيث توقَّفت سنة 200".
ولنستمع إلى من يؤكِّد، عن العرب، أن لا تفريط عربيا في شروط "مبادرة السلام العربية" للسلام مع إسرائيل، كأنْ يقول على مسمع من الوفد الإسرائيلي وفي وجوده إنَّ رفع الاحتلال الإسرائيلي عن القدس الشرقية، وإنهاء السيادة الإسرائيلية عليها، هما شرط عربي للسلام مع إسرائيل بوصفها "دولة ليست بيهودية"، فإسرائيل بوصفها "دولة يهودية" إنَّما هي إسرائيل كما وردت في "قرار التقسيم".
إنَّ أسوأ نتيجة لـ "المؤتمر"، بالنسبة إلى الفلسطينيين والعرب، هي أن يُتَّفق، في نهايته، على إطلاق مفاوضات سلام "خادِعة" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبين السوريين والإسرائيليين، وأن تؤلَّف "لجنة عربية للمتابعة"، أي لمتابعة تلك المفاوضات، فيتمخَّض أنابوليس ليس عن سلام وإنَّما عن حرب جديدة للولايات المتحدة (وإسرائيل) تتمخَّض عن استكمال للانهيار في القوى التفاوضية لدى الفلسطينيين والعرب، وكأنَّ "الفرصة الأخيرة للسلام" لا تُغْتَنم على خير وجه إلا ببدء "مفاوضات سلام" تشق الطريق إلى حرب جديدة، يَخْرُج منها "المفاوِض الإسرائيلي" أكثر قوَّة، وأكثر تشدُّداً، بالتالي، في رفضه لما بقي لدى الفلسطينيين والعرب من شروط للسلام؛ أمَّا "المفاوِض العربي" فيكرِّر قوله البليغ "إنَّه مستمرٌ إلى الأبد في سعيه إلى اختبار النيَّات الإسرائيلية، وإلى قطع الشكِّ باليقين"، وكأنَّ النهار يحتاج إلى دليل! جواد البشيتي