شارع المتنبي ينتظر بشوق عودة رواده

بغداد
أحد وجوه العراق الثقافية

بقي نبيل عبد الرحمن في مكتبته على امل عودة الحياة الى شارع المتنبي رغم اصابته بعدد من الشظايا اثر التفجير الذي دمر جزءا كبيرا من سوق الكتب الشهير في بغداد.
وقال عبد الرحمن الذي فقد شقيقه وابنه في تفجير انتحاري في شارع المتنبي في الخامس من آذار/مارس الماضي "آمل ان يعيدوا اعمار شارع المتنبي لانه وجه العراق التراثي والثقافي".
كما عبر عبد الرحمن الذي عمل لسنوات طويلة قاضيا قبل ان يتقاعد للعمل في مكتبته، عن امله في ان تحذو السلطات حذو "رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في اعمار وسط بيروت بعد الحرب الاهلية على ارقى مستوى مع الاحتفاظ بالطابع التراثي".
ويملك عبد الرحمن مكتبة تعد واحدة من الاقدم في الشارع.
وكان شارع المتنبي يعج بالمتسوقين ايام الجمعة خصوصا. لكن تردي الاوضاع الامنية وبعد فرض قوات الامن في منتصف حزيران/يونيو 2006 حظرا لتجول المركبات خلال اربعة ساعات من نهار الجمعة، ادى الى اغلاق معظم مكتباته وكساد تجارة الكتب.
واقامت امانة بغداد احتفالا في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر وضع فيه برهم صالح نائب رئيس الوزراء حجر الاساس لمشروع اعادة اعمار شارع المتنبي الذي قدرت كلفته بـ5.7 مليون دولار.
لكن عبد الرحمن رأى ان المشروع جاء "متأخرا جدا بعد ثمانية اشهر من تدمير الشارع" في التفجير الانتحاري الذي ادى الى مقتل اكثر من ثلاثين شخصا وجرح ستين آخرين والحاق اضرار مادية كبيرة في مكتبات الشارع.
واجرى عبد الرحمن عدة عمليات جراحية اثر اصابته في الانفجار وقتل شقيقه الذي كان داخل المكتبة التي تعرضت الى تدمير كامل كما قضى ابنه الذي كان يدير مكتبة مجاورة هي الوحيدة المتخصصة في بيع الكتب القانونية في العراق.
ومنذ وقوع الانفجار، توقفت تجارة الكتب والقرطاسية والمقاهي الادبية في الشارع الذي يطل على الجانب الشرقي من نهر دجلة في جانب الرصافة.
كما دفع الانفجار، رواد الشارع من المثقفين والقراء والفنانين للعزوف عن دخوله بعدما كانت مقاهيه ومكاتبه واحة يلتقون فيها.
وما زالت جدران المباني تحمل آثار الانفجار من ثقوب ودمار حل في الشارع المغلق امام المركبات منذ ذلك اليوم.
ولم يفتح الشاهبندر اشهر مقاهي شارع المتنبي الثقافية ابوابه حتى الآن بينما تجري اعمال ترميم هذا المقهى العريق والمحال المجاورة له على قدم وساق.
وفي الاطار ذاته، يعاني باعة الكتب في شارع المتنبي على الرغم من طموحهم المتواصل لتوسيع اعمالهم، من تقاطع وجهات النظر واختلاف رؤى تيارات دينية وسياسية في البلاد.
واكد عبد الرحمن الذي عدت دائرة الاثار في وزارة الثقافة مكتبته "النهضة" موقعا تراثيا لانها تأسست ابان العهد الملكي (1921-1958) "بعد ايقاظ الفتنة الطائفية بات من الصعب علينا عرض بعض الكتب لخوفنا الا ترضي هذا الطرف او ذاك".
وتابع الرجل الذي غزا الشيب شعره ولحيته، وهو جالس وسط مكتبته التي كلفته اعادة اعمارها عشرات الالاف من الدولارات، ان "المكتبة اشبه بالصيدلية التي تبيع الادوية بانواعها، ونريد ان نكون حياديين فنعرض الكتب بانواعها".
واعرب عن امله في تحسن الاوضاع. وقال ان "الاوضاع الامنية افضل الان".
ويشعر باعة الكتب في شارع المتنبي منذ اسابيع بخوف لكنه اقل من المدة التي اعقبت الاحتلال الاميركي لبلدهم في اذار/مارس 2003.
واكد عبد الرحمن الذي سبب له فقدان ابنه واخيه في التفجير داء السكري ان "كثيرين من بائعي الكتب السلفية تعرضوا لتصفيات جسدية في الاعوام الماضية كما تعرض صاحب مكتبة له علاقة بايران الى تفجير انتحاري بحزام ناسف".
من جهته، اكد مصطفى محمد (27 عاما) انه جاء لشارع المتنبي لشراء بطاقات دعوة الى حفل زواج. لكنه لم يقاوم رغبته في شراء كتاب لتعلم "اللغة الانكليزية في اسبوع".
وقال "قبل شهر كنت اخشى المجيء الى شارع المتنبي، لكن التحسن الامني البسيط شجعني على القدوم اليوم". وتابع ان "الارهاب اعمى، والدليل هو الانفجار الذي حدث هنا اذ ان المجرمين استهدفوا كل العراقيين سنة وشيعة واكرادا".
وامتنع صاحب مكتبة عريقة اخرى تضم كتبا ومخطوطات نفيسة في مختلف الاداب والفنون والعلوم، عن ذكر اسمه لان "الخوف قائم ومشروع بسبب عدم تحقق الامن بشكل كامل حتى الان".
وقال "العام الماضي جاء اشخاص يرتدون ملابس قوات الامن الحكومية نفسها ويستقلون سيارات قوات الامن ذات الدفع الرباعي ويستعملون اجهزة اللاسلكي واعتقلوا صاحب مكتبة القيروان. بعدها عثر على جثته مقتولا بالرصاص".
ويترقب عبد الرحمن انجاز اعمال الاعمار في الشارع لتعود حشود المثقفين والقراء لزيارة الشارع ومكتبته لكنه لا ينتظر بلهفة عودة الشتاء.
ويقول انه يعاني في الجو البارد من الم تسببه عشرات الشظايا المعدنية الصغيرة التي ما زالت في ذراعية ورجليه والتي قال عنها الاطباء في ثلاث دول "من العسير اخراجها".