قاص عُماني يعزف على وتر شاعرية اللغة

بقلم: شوقى بدر يوسف
مغامرة سردية

في نصوص القاص العماني محمد القرمطي الإبداعية ثمة مغامرة خاصة يلعب فيها الكاتب على وتر اللغة بدلاتها ومدلولاتها، وثمة تجريب تتشكل منه نصوصه القصصية على نحو تجعل القارئ عنصرا مشاركا ومهما في العملية الإبداعية.
ولاشك أن شاعرية اللغة عند القرمطي وبنيتها التأويلية التوليدية هي جزء من النسق العام للصياغة القصصية عنده، وهو يستخدمها في محاولة لكشف الأبعاد الدرامية المتأصلة في عمق الحدث الذي يبدو في بعض الأحيان هلاميا لا يمكن الإمساك به؟
لذا فإن اللغة عند القرمطي تبدو وكأنها تعبير مجازي عن مشاركة الذات الراوية في العزف على أوتار عدة، لنغمة واحدة، هي التجريب، والغوص في كل نص في مغامرة سردية إبداعية الهدف منها تجسيد عالم قصصي شبه كافكاوي له خصوصيته، وإن كانت هذه الخصوصية لم تشكل علامة مميزة وفارقة للقصة العمانية حتى الآن، باعتبار أن النص القصصي المراوغ عند كاتب مثل محمد القرمطي يعوزه أيضا قدر من الواقعية المستمدة من بيئته المحلية التى يعايشها ليل نهار، حتى يستطيع أن يعبر بهذا الأسلوب عن جوهر رؤيته وتجربته عن واقع ما يعايشه فى بيئته المحلية.
هذا بالإضافة إلى ما يجب أن يضمنه لنصوصه من تهويمات ومواقف إنسانية غامضة مضببة تحتاج إلى بعض التفسير والتوضيح من خلال عناصر الحكي المختلفة، ولغة محمد القرمطي على الرغم من أنها محملة بالكثير من الدلالات والتأويلات إلا إنها بمغالاتها في الشاعرية، والغموض والاعتماد على الغرائبي في التصوير تقربنا من مقولة جوزيف كونراد الذي يتهم اللغة بتزوير التجربة الإنسانية وتحريفها في بعض الأحيان خاصة عندما تكون اللغة في وضع يصعب معه النفاذ إلى الجوهر الحقيقي للأشياء، إلا من خلال الإتكاء الدائم والمستمر على إضاءة الحدث وفعله القصصي من خلال مزيد من الحكي، وهو ما ينقص الإبداع القصصي عند القرمطى في بعض نصوصه.
كما أن التعبير عن الذات والواقع واللغة ذاتها أصبح سمة أساسية في أعماله السردية، وهو ما بدا واضحا منذ ظهور أولى مجموعاته القصصية "ساعة الرحيل الملتهبة" 1988، وهي نصوص ينطبق عليها ما قاله دريدا "إن الكتابة ذات الطبيعة الافتتاحية لا تعرف سبيلا محددا لاتجاهاتها، مثلما لا توجد أي معرفة تقوى على كبحها عن الانزلاق باتجاه ما تؤسسه من معنى، وهذا هو مستقبلها."
ففي قصة "عزاء اللقاء الأول" (مجلة "القصة" القاهرية، ع /مارس 1997) تبدو أنسنة الأشياء، وهذا الانزياح المسيطر على مجريات النص، واستحضار غير المألوف لتجسيد واقع هو في نفس الوقت غير مألوف بالمرة، فالماء والقهوة والسيجارة يتحدثان ويشيان بخواطر الذات وتداعيات النفس في هذا اللقاء الذي يجمع الراوي بأنثاه المحبطة.
"كنت أبحث عن مأوى للصمت في نفسي التي أرعتبها الشوارع البليدة والمقاعد المقلوبة والستائر المغلقة، في تلك الساعة كنت أحدق في الإشياء التي أمامي والتي عبرت وكانها تتآمر لاغتيالى، وسمعت همس التآمر أو كدت."
هكذا تبدو اللغة في هذا الجزء من هذا المتن القصصي، فهي أوسع من أن يحاصرها الواقع، وهي أيضا تتمرد عليه بكل ما أوتيت من مفردات تحمل معها ذات الكاتب ورؤيته الراغبة في الولوج إلى عالم جماليات نصية، والكاتب فيها يحاول إن يبرز قناع النفس تجاه تآمرات الحياة، كما يحاول أيضا من خلالها أن يبرز التأويلات المحملة على مفردات النص والدلالات التي يحملها المعنى المراد التعبير عنه من خلال لغة عبثية ودلالات تستدعي أحيانا ما وراء الواقع ليعبر عن الواقع النفسي والواقعي في نفس الوقت.
ولعل هذه الأمر ينطبق أيضا على قصة "تضاريس جسد يتهاوى" (نزوى، ع 24، أكتوبر/تشرين الأول 2000) حيث تواجهنا مكونات سردية يحملها نسيج النص بصورته الرامزة الذي جاء عليها. والبنية السردية في خطاب هذه القصة تعتمد على مخطابة "المزون" المكان والجسد والفضاء من خلال الزمن النفسي للراوي الذي يرى نفسه محاطا بدهشة كبرى فجرها واقع معقد مليئ بهواجس الذات، ومشوب بعناصر أخرى "غير معقولة" تجسدها عملية القراءة التأويلية للنص والتي تحمل من الدلالات ما تعبر عنه عبر ما وراء الواقع نفسه "أيتها المزون .. قيل إنك ولدت بلا شرايين، وأن المطر يهطل من ساحات جبينك الغر. لكن ما أن تقطع شرايين يديك المتخيلة حتى تسيل جيوش المقهورين في التبدد والتلعثم، هذا هو دمك المقهور يبحث عن أودية رحبة، يتخثر عند كهوف أحلامك، عبر مساحة القهر التي لا تنتهي، تنمو وتنتشي، تترعرع في الأزمنة الضوئية منها والظلامية."
الصور المشهدية التي يحاول الكاتب تجسيد دلالاتها من خلال تطويع المشهد لغويا وتعميقه إلى أقصى حد ممكن من الصور والتخييل الدائم المستمر والذي يسفر في النهاية عن لوحة لغوية مؤطرة بديكور نفسي، وخواء يملء المكان والزمان بوقائع يستمدها الكاتب من توالد الصور والمشاهد عبر الخيال، وكما يقول بور ريكور "إذا صح أن الخيال فهو لا يكتمل إلا بالحياة، وأن الحياة لا تفهم إلا من خلال القصص التي نرويها عنها، إذن فالحياة 'المبتلاة بالعناء' بمعنى الكلمة التي استعرناها من سقراط هى حياة تروى."
ولعل قصة "العاصفة" (نزوى، ع 10، أبريل/نيسان 1997) ينطبق عليها هذه المقولة أيضا من ناحية استشراف النص عن طريق البحث عن الخلاص والخروج من وحشة الصحراء إلى أنس الوجود وزحمة الحياة، والإحساس بالذات من خلال الآخر المألوف وليس الآخر الضد، وهى مغامرة إبداعية أخرى للقاص محمد القرمطي يبدو فيها واضحا هذا التيه الذي لازم شخصية الراوي أثناء سيره وسط العاصفة الهوجاء، ووسط خواء طاغٍ، وصحراء يعرف أن المجهول والموت مختبئان في كل مكان فيها، وقد داهمه فيها شعور بالاستسلام لخواطره المميتة والمسيطرة على واقعه الآني وسط هذا المكان المزدحم بالوحشة والرياح الطاغية والذي جعلته يفقد توازنه النفسي والمعرفي بواقع الطريق، حتى عندما قابله هذا الأرنب البري تبادلا الأماكن والشخصيات:
"لو شاء القدر أن نلتقي فى المدينة لكنت أنت الضال ولست أنا، سأتبناك ساعتها دمية لأطفال الفقراء واداما خياليا بعدما يسأم منك الأطفال."
إن التداعيات التي خلفتها العاصفة جعلت الراوي يعيش الوهم والتخيل في مسيرته نحو الفتاة الغريبة الغاوية ابنة شيخ الريح اللذين وفدا إلى المنطقة بحثا عن الاستقرار والغواية والحب، وأصبحا علامة هامة من علامات ذلك المكان.
ولعل هذه القصة تخلق زمنا خاصا يعايشه الكاتب كما يجد القارئ نفسه فيه يعيش حكايات متقاطعة غير مترابطة ولكنها مركبة بطريقة معقدة لتجعله يعيش نفس المناخ الذي توخاه الكاتب حينما أراد نسج هذه التقنية والمغامرة في إبداعاته القصصية الغرائبية.
وفي قصة "هواجس" ( نزوى ع 9، يناير/كانون الثاني 1997) أيضا تواجهنا صور تعبيرية لها إطار غرائبي يجسد وقائع الحياة من أطرافها التخييلية حيث الممكنات كلها تطل من خلال هذه الهواجس التي أطلقها الراوي في تيه المدينة ومساكنها المهجورة وسراديبها المظلمة.
القصة مقسمة إلى تقسيمات عدة: الوحدة، الغرفة، اليقظة، أحلام، صديقي المجنون، أمنيات، الفتاة، غرفة البخار، وهي عنوانين تحمل هواجس نزوات غرائزية يجسد كل عنوان معنى لمضمون قصة مستقلة لكنها تجتمع في النهاية حول مفهوم الهواجس التي تنتاب رؤى الكاتب لحيل من هذا النص وبنيته اللغوية إلى علامات وشفرات دالة تبغي فرصة واسعة للاتكاء على الدلالة الرمزية التي تتوزع الرؤى بين هذه العناوين بحيث يصبح كل عنوان رؤية تنبع من هاجس ذاتي.
إن المغامرة الإبداعية لقصص محمد القرمطي تنبع من رؤى مخيلة تنشد الخلاص وتوزع ذاتها عبر هواجس وانزياحات، ربما هي تبعد النص عن المعنى المراد التعبير عنه، ولكنها في النهاية تتجمع لتفرد نفسها في نصوص يحاول محمد القرمطي أن يقول من خلالها شيئا ما يحيل الحياة فيها إلى شفرات وألغاز معبرة ومؤولة وذات دلالة خاصة.
وفي هذا المقطع الذي اجتزأه الدكتور أحمد درويش من قصة "بغية الرائي" وضمنه كتابه في الأدب العماني الحديث تبرز مغامرة النص القصصي في دلالة اللغة ذاتها، فهي الشخصية المحورية التي يدور حولها النص شكلا ومضمونا "الآن لم يبق أمامي سوى مساحة كبيرة من الفضاء الأسود، وأصبحت لا أحس إلا بالمقعد الذي أجلس عليه، أما ما سواه فقد تلاشى في زحمة الظلام.
لم أعد أعرف الاتجاهات التي ترسم حدود الغرفة ولولا المقعد الذي يسند على الاتجاه الغربي موليا قبلته للشرق لقلت إنني جرم معلق في السماء يدور حول نفسه."
إنه نفس التيه الذي صوره القرمطي في قصة "العاصفة" تيه الظلام المخيم على الذات والمكان وربما الزمان أيضا، لذا نرى أن هذا التداخل في قصص القرمطي بين التداعيات التي يجسدها والتماهي المتناثر في نصوصه القصصية، يخلق نوعا من الحركة في فضاءات نصية يتحرك داخلها الكاتب والقارئ معا ليكونا في النهاية منظومة التلقي والتأويل.
وفي قصة "فانتازيا" (نزوى ع 11، يوليو/تموز 1997) يتنقل الكاتب عبر مشاهد وصور ذات دلالات تأويلية يسقطها على الواقع ليستخرج منه بعض ما يدور في الحياة من زيف وقبح وقسوة.
القصة مقسمة إلى تقسيمات تصل إلى سبعة عشر قسما، كل قسم يحمل معه خبرة زمنية ملغزة لا يمكن إدراكها إدراكا حسيا رغم تغلغلها في جميع مستويات الحياة، بينما يتميز المكان بالوجود، يتصف الزمان عندها بالزوال والصيرورة.
إنها رؤى حياتية تستقطب الوجود من حيث لا وجود فيها، وتجسد الحياة من حيث لا حياة حولها "فتاة تمد يد الأحسان لدرويش رفض الأحسان إلا من شئ واحد، أن يلثمها من الخلف في زحمة الحشد المتخدر، ردت عليه: جُد علينا ببركاتك يا سيدنا الشيخ حتى لو كان من هناك."
وفي قصص محمد القرمطي قد يضيق الكاتب من مجاله الحيوي، مجال الخلق القصصي حين يعرِّف مصادر قصصه بأنها مصادر واقعية بحتة، وما يحتاج إلى توضيح هنا وتدقيق هو مسافة الواقع التي يتحرك خلالها الكاتب، وأي شئ في هذا الواقع سيتحول إلى قصص، أواقع المصادفة العمياء، أم اللحظات العابرة والتفاصيل اليومية التي تشير إلى الحاضر الآني، أم الذاكرة الجمعية للناس التى تختلط فيها تناقضات الماضي بأحساسيس الحاضر، أم النهر الذي يجري نحو المستقبل؟ وكيف سينتقل كل ذلك إلى محيط القصة، هل يكون الكاتب مع التيار أم ضد التيار في مغامرة إبداعية تجسد عالمه الخاص، وينحت فيها من صخرة اللغة الكثير من اللحظات الإبداعية السردية. شوقي بدر يوسف ـ الإسكندرية