جرح مفتوح

قصة: حنان بيروتي
أتابعك وأنت تنمو

هل هو الألم الذي يعتصر قلبي اتجاهك؟ لكنه ليس ألماً عادياً يحتمله البشر ويذرفون الدموع التي تطفئ اللهيب واللوعة، ألمي عليك أخرس، ولا أستطيع البوح به لإنسان، لأجلك، لأنّه إن تجرأ على إعلان نفسه سيُتبع بألف طعنة لاحقة!
أنظر إليك بلهفة محبوسة، أسلّم عليك وأضمك للحظات, أتمنى ألا أترك جسدك الغض, وأنت تنظر إلي بسرعة وتتابع لعبك غير دارٍ بالنار التي تشبّ فيَّ وتأكلني على مهل! أنت لا تدري بأنّك قطعة لحم هي ما بقيت من ماضٍ أتمنى أن أمحوه من عمري أو أغيِّره, أخجل منك، أتمنى أن ينشق جسدي ليبتلع وجهي كي لا أراك أو أسمع سؤالك بعد أن تصبح شاباً وأنت تختزل شقاء عمري: كيف فعلت هذا يا أبي؟
آآه.. يا قطعة مني! يا كبدي الذي تمَّ انتزاعه .. كيف .. كيف أقول لك بأنّك أغلى ما عندي؟ بأنّك جنة فرحي التي صيرّتها بجهلي وتسرّعي جهنمي على الأرض.
أعرف بأنَّ كلمات الدّنيا لن تجعلك تغفر لي, وأنا من قال بأني سامحت نفسي؟
أي عذاب!! أن أراك تحمل اسماً غير اسمي، وأراك تعيش في كنف أسرة لا تنتمي إليها وأنت تجهل ذلك، كل من حولك يحملون هذا السر في داخلهم ويكبر فيهم معك وأنت! أكاد أتمزق رعباً من مجرد التفكير بتنامي إحساسك بأنَّ غربة غامضة تظلل إحساسك بمن حولك، أنَّ حضن هذه المرأة ليس حضن الأم الذي ترى العالم من خلاله!
لم تحملك في بطنها بفرح كما تراها الآن تتحسس بروز بطنها غير مصدقة الحلم الآتي بعد سنوات طويلة من الانتظار، وتستشعر حركاته بلذة الأمومة الدافقة، لست طفلها بل إنها حضنتك قبل سنوات عن تعطش وأمل بتعويض شيء فقدته وتفتقده ولم تعرفه قط, لكنها تتوق إليه بكل مشاعرها الأنثوية المتوثبة المتوهجة.
أتذكر.. وأنت ثمرة في غير موسمها لزواج عرفي أعمى بلا ضمير، مجرم يغتال في الخفاء أغلى أحبائه!
أتذكر مدى الخوف والمرارة الذي حملته بك أمك عندما أعلنتُُ النذالة وهجرتها لتصارع دوامات الفضيحة والناس والجنين الذي يتخبّط في أحشائها معلناً وجوده بإصرار، جبنت أن أعلن الزواج. ووقفت محايداً عاجزاً متكاسلاً أن أفعل أي شيء.
وهي وضعت حملها وهاجرت وأهلها محّملة بجراح ومثقلة بك وشم وجع وحرقة لا تزول!
أقول لك: الظروف أجبرتها.. ليس ثمة ما هو أقسى من ألسنة الناس ووخزاتهم لحظة تنغرس باللحم البشري! هكذا... يتوالد فيهم دافعٌ خفي مستفز متواثب بقوة غامضة... دافع لترك ما لديهم ومباشرة الطعن وتسليط الضوء على الجراح المفتوحة!
ويا ولدي!
لا أنسى يوم أسلمتك لعائلة صديقة لم تُرزق بأولاد، وشعرت براحة آنية وأنا أتتبع اللهفة المتواثبة من لمساتهم وعيونهم ودفء المهد الذي أعد خصيصاً لوليد لم يكن من دمهم! لكم حرصتُ على زيارتك كل يوم عطلة, أتابعك وأنت تنمو، أتأمّل ملامحك, ويتلبّسني الرعب بدل الفرح الذي لا أستحقه! وملامحك تتبلور لتصبح أقرب لملامح وجهي! وأكاد أبتلع نفسي ونظرتك تنصبُّ على وجهي خوفاً من أن تلاحظ وجه الشبه بيننا، وأغادر قبل أن تطعنني بكلماتك التي تتسلل ينابيع فرح تنضب سريعاً داخلي: "باي.. باي عمو!".
أهي الحيرة التي ترتسم على وجهك, وأنا أحضر لك الهدايا والحلويات؟! وأتأمل بذنب أظافرك إذا استطالت, وأحاول أن أخوض في تفاصيل صغيرة لك... كيف تنظِّف أسنانك....
معلماتك.. أصحابك ماذا تتمنى أن تصبح عندما تكبر... لكنَّك تتناول ما أحضرته لك وتجلس قرب "والدك!"

آآه يا ولدي! أراها الآن حاملاً بطفلها الأول بعد انتظار, وأنت تتقافز مثل فراشة محترقة، تظنه أخاً أو أختاً لك... لست تدري أنَّ والديك سيتعلقان بالقادم الجديد وسيستشعران الفرق! أنا لا ألومهما، لا يحق لي أن ألوم أحداً، لكنَّني أنقطع عليك... ستنشرخ روحك وأنت ترقب المعاملة وحرارة اللهفة والتمييز بينكما.
يا رحمة السماء!
تقطِّري علي. أغيثيني الآن، ويا قطعة مني ولا أستطيع أن أضمك! آه لو كنتُ أعرف مدى الألم واللوعة وحجم المعاناة التي سأتكبّدها عندما أنقدتُ للحظة تورطي المجنونة وتمردي الأرعن الذي أسبغ عمري كله بالشقاء. وأي شقاء!!؟
شقيّ بك أنا يا ولدي! وأنت! لك بي شقاء مؤجّل! لكنَّ شقاءك أشدّ مرارة وقسوة! لأني أعي المسببات والنتائج... أعي ما جنته يداي... أما أنت!
يا وجعي عليك، أتذكرك كل حين كأنّك تطاردني لحظة بلحظة حتى تتلقفني رحمة الموت! اللعنة! كيف استحلت عذابي وأنت أبهى فرحي!؟ كيف أهرب منك وأنا أهرب إليك ساعة تصهرني المرارة وتتملكني لحظات الندم المشرعة أبداً في وجهي؟!
أحضنك، أقرِّبك من قلبي، اليوم لا أستطيع أن أتمالك نفسي، دموعي تنبجس حارة محمّلة بوجع حاضر وآخر آت... وأنتَ تخلّص جسدك مني قبل أن تبتعد للوراء وتتأمل باستغراب هيئتي قبل أن تقول: تبكي؟! لأنّك نسيت الاشي الزاكي؟ معلش عمو... معلش بس المرة الجاي ما تنسى!! حنان بيروتي ـ الأردن