شاعرة تونسية تدعو إلى استغلال الأنثى

كتبت ـ مليكة العمراني
رهن العبارة

استضاف صالون الأربعاء الأدبيّ بالنّادي الثّقافيّ "الطّاهر الحدّاد" بتونس المدينة، الأربعاء 14 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، نجاة العدواني، شاعرة تونسية امتلكت أحقية حضورها وأسهمت في إثراء المشهد الثقافي على امتداد ربع قرن، تكتب القصيدة والمقال النقدي والقصة والأغنية، وكان لها حضور في عديد من المهرجانات الشعرية داخل تونس وخارجها.
في رصيدها: "في كل جرح زنبقة" تونس1982، "جذور لسمائي" بيروت1986، "هديل روح من فولاذ" تونس1994، ومجموعة قصصية بعنوان "مرايا لجثة واحدة" تونس1997 وآخر ما صدر لها شعرا "مرح أسود".
في البداية وتحت لافتة "امرأة رهن العبارة"، بادرها الشّاعر يوسف رزوقة، مدير الصّالون بأسئلة خاطفة ومركّزة استهلّها بسؤال: من أنت إلاّ قليلا؟ لتنخرط ضيفة اللّقاء في بوح بلا ضفاف حول مسيرتها الشّعريّة وأهمّ الأمكنة الّتي مرّت بها في ترحالها ثمّ تواترت الأسئلة والأجوبة بطريقة برقية كالتالي:
سئلت: العالم امرأة وإنّ مجرّد التّفكير في تجريدها من حقّها في أن تكون، جريمة في حقّها. فأجابت: وهو كذلك، لكن ليس أيّ امرأة.
سئلت: بأيّ شيء أنت شاعرة؟ أجابت: بهزائمي وتمزّقاتي.
سئلت: امرأتنا في الشريعة والمجتمع وفي الشّعر أيضا. هل من رسالة مشفّرة من وراء ما تكتبين؟ لماذا أنت شاعرة في "مدينة بلا قلب" كما يقول حجازي؟ أجابت: لأنني أحاول إعادة تكويني فقط.
سئلت: عشت التّرحال من حال إلى حال، ما المكان في بيت القصيد؟ أجابت: هو المسافة الفاصلة بيني وبين نفسي.
سئلت: امرأتنا العربيّة أمام مرآتها المشروخة كذات أمّارة بمناهضة الفحل المهيمن هروبا من واقعها إلى القناع، أيّة شيزوفرينيا هذه؟ أجابت: المرأة لمّا تواجه المرآة، تحاول كسرها، لأنها تخفي وجهها الآخر.
سئلت: وأنت تعبرين الشّوارع الخلفية للنت والفضائيات العربية والأجنبية على حدّ السّواء، كيف تقرئين تلك الرّسائل التي تقطر عذوبة وعذابا وحرمانا؟ أجابت: أحيانا عندما أقرأ أشياء بالمفهوم الذي تعنيه، أتمنى لو أنني لم أتعلم القراءة بعد.
سئلت: كشاعرة، هل لك رأي إزاء رجل من هذا الّزمان لا يني يردد علانيّة أنّ صوت المرأة عورة؟ أجابت: هو إذن كائن أعور.
سئلت: لو قيّض لك يوما أن تكوني رئيسة جمهوريّة "إشراقيا الكبرى"، ما هو أوّل قرار تتّخذينه؟ أجابت: أهدم الكون لأعيد بناءه وفق ما أرى.
سئلت: ماذا يعني لك أن تكوني هنا والآن شاعرة حرّة، سافرة، مبتسمة، ممتلئة بذاتك وبالمكان؟ أجابت: يعني أنني موجودة مع نفسي ومع الآخر.
في محطّة ثانية، قرأت الشاعرة من ديوانها الأخير "مرح أسود" قصائد "أضاعتني البلاد"، "دلو بلا ذاكرة"، و"شرفة على خرائب روحك" التي تقول فيها: حدق في عيني/ وتأمل خرائب روحك/ فأنا يوم تشقق رحم/ وابتلعتني صرخة ثكلى/ صماء جئت/ أتهجى خطئي.
بنصف عينها كانت ترمقني/ امرأة تتوارى في دخان القلب.
فيا أيها البعيد العالي/ بأصابعك سرح غيمة تلبدت/ فوق جبين الشمس / زفني في هودج الحب/ حمامة/ ودع عشقك في الريش/ يفرخ/ وبالهديل أهدهد/ أشجان شرفتك المغلقة/ على جراحك الباردة.
أعاصير شوق/ تهز بلور المسافات / وفي الحدود أختام تساقط/ بين أقدام لهفتي/ ثوبي النار/ تحتوي خطاياك/ يسحبك نحوي/ ناي عابدة/ في الريح أرحل أغنية جذلى/ تعانق سعف نخلة.
وتطير/ فأفتح الشرفة الليلة/ قبل شجيرات اللبلاب.
زمن يشرد قصائدنا/ فتضيق الأزقة/ والليالي تطول/ وأنسج من سنابل الوقت/ أغطية للقلب/ وأنت عن صوت بدوية/ ضاع في البيادر/ تبحث أنت.
في دمي حرقوا مدنا/ وبين شفتي خنقوا أغنية/ ترضع من ثدي حنيني/ أصوغ من عظام أجدادي/ قلادة لإنعاش ذاكرة الوطن المعطلة.
ألطم بما تبقى من أظافري/ ذكورة وقت يتخنث بالأكاذيب/ أهطل دمعا ممزوجا برائحة القبائل وحداء القوافل.
ولأنني ما تبقى من البدو/ أرحل نحو العدم.
مرح أسود
في سؤال من الحاضرين عن سرّ هذا المرح الأسود، قالت نجاة العدواني إنّ الحزن عندما يكون جميلا فإنه يفرز مرحا أسود، وأنا غالبا ما أجعل من حزني أشياء مفرحة.
وبخصوص حضورها في المشهد الشعريّ العربيّ، ترى أنها حققت المؤمّل منها كشاعرة لها صوتها الخاصّ في إشارة إلى نصوصها المسافرة عبر المكان، هذا الذي حين سئلت عن دلالته، أجابت بأنّ المكان بتلاوينه المختلفة، يعيدها إلى جذورها لتضيف بخصوص اللون الذي تحمله المرأة المبدعة بأنها في ديوانها "هديل روح من فولاذ" مثلا، حملت رؤية خاصة في كتابة القصيدة النسويّة، ليس بمفهوم الانتصار للمرأة على حساب نظيرها الرجل، وإنما بقصد التفرد الإبداعي الذي قد يتحقق لدى القلم النسويّ.
ودعت في سلسلة من المقالات النقدية إلى استغلال عالم الأنثى بتفاصيله وبعوالمه الخاصة والزاخرة، وهي الآن ترى أنّ المرأة حين تنطلق من كتابة ذاتها، تتميّز فعلا وهي ذات المرأة التي سبق لها أن حاكت الرجل فخابت.
لقد مرّت بأكثر من مكان: العراق، مصر، اليمن، قبرص، لبنان، قطر، تشيكيا، الأردن، سوريا، الجزائر، المغرب، السودان.
في اليمن، تقول العدواني، تردّدت على "نشوان"، معقل رامبو ذات عبور وهو أيضا ملتقى العشّاق وكتبت أشياء من وحي المكان.
في قبرص، احتككت بأسماء كبيرة: سعدي يوسف، خالدة سعيد، سليم بركات، وآخرين، وهي مرحلة خصبة بالنسبة إليّ تطوّرت فيها لأقفز من أرض القصيدة الثوريّة إلى بالكون القصيدة الطاغية شكلا بجماليتها. وفي كلّ محطة، كانت لي وقفة مع المكان في شتى تجلياته.
ويذكر أنّ نجاة العدواني بدأت مشوارها الشعري بكتابة القصيدة العمودية وبالشعر الغنائيّ، ولها في هذا السياق عديد القصائد المغناة، ومع تطوّر تجربتها الشعرية، اتجهت نحو القصيدة الملتزمة فأصدرت في هذا المجال ديوانها الأول "في كلّ جرح زنبقة"، ثمّ بحكم زواجها من شاعر سوريّ، أدمنت معه السفر لتنحو كتاباتها منحى آخر. مليكة العمراني ـ شاعرة ـ تونس