غليون: العرب يعانون أزمة الحداثة الرثة

دمشق - من حسن سلمان (مقابلة)
غليون: نظرية المؤامرة ليست كلها خطأ

ثمة هواجس كثيرة تشغل بال المفكر والباحث السوري الدكتور برهان غليون المقيم في باريس منذ ثلاثة عقود، فإضافة إلى محاولاته الحثيثة لنقد الواقع العربي من خلال عدد من المؤلفات والأبحاث، يثير غليون عددا من السجالات حول مختلف القضايا التي يطرحها من خلال حواراته ولقاءاته مع بعض وسائل الإعلام العربية والغربية.
ويعمل غليون مديرا لمركز دراسات الشرق المعاصر وأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون، ومن ابرز مؤلفاته "المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات" (1978) و"بيان من أجل الديموقراطية" (1979) و"ثقافة العولمة وعولمة الثقافة" (2000) إضافة إلى "العرب وتحولات العالم" (2003).

* قراءة في الواقع العربي بعد هزيمة حزيران - أعتقد أن ما نعيشه يتجاوز مسألة هزيمة حزيران بكثير. إنه أزمة تاريخية شاملة لم تكن الهزيمة العسكرية إلا أحد مظاهرها العابرة وهي ما أطلقت عليه اسم أزمة الحداثة الرثة، أو الانتقال الرث إلى حداثة غير فاعلة وغير ناجعة معا. فنحن ببساطة مجتمعات تأخرت في استيعاب التجديدات والإبداعات والتنظيمات التي كونت المجتمعات الحديثة. ولذلك كنا ولا نزال بحاجة إلى بذل مجهود أكبر وأسرع من الدول المتقدمة حتى نستطيع أن نساير العصر ونسير بموازاة الآخرين الذين سبقونا.
مشكلتنا أننا فعلنا العكس ولا نزال. قمنا بفورة شعبية اعتبرناها ثورة جذرية ستدخلنا في عالم الحداثة من بابه الواسع، فلم نوفق بها. وزاد تخبطنا وتكالب القوى الكبرى علينا، فأصابنا شعور بأننا مهما فعلنا لن نستطيع أن نتدارك التأخر الذي حصل لنا، فاخترنا طريق التغطية على تأخرنا، سواء بالتدجيل والدعاية وادعاء الانجاز الشكلي من دون تحقيق أي إنجاز في الواقع، أو بالهرب من الحاضر لإخفاء خجلنا من ضعفنا وعجزنا وراء إنجازات الماضي وتمجيدها، أو أخيرا بتحويل تأخرنا إلى قيمة خاصة بنا وعنصر من عناصر هويتنا، بل بتحويل تقدم الآخرين إلى عيوب ومثالب.
فبدل أن نسعى للتقدم بشكل أسرع حتى نتمكن من الالتحاق بركب الحضارة، انكفأنا على ذاتنا، وشغلنا أنفسنا بهواجسنا وأسرفنا في تغذية أوهامنا ورعايتها، تحت شعار الحفاظ على هويتنا أو العمل على استعادتها وهي التي لم نضيعها لحظة، وليس هناك أي سبب كي نضيعها.
ولأن مواردنا ما فتئت تقل مع قعودنا عن العمل وهمود همتنا، حكمنا على أنفسنا بالاقتتال والنزاع في ما بيننا على تقاسم ثروة مادية ومعنوية متناقصة ومتراجعة باستمرار، في مواجهة حاجات متنامية، تحت تأثير تمثلنا أنماط الاستهلاك الخارجية وتزايد عدد السكان بمعدلات تتجاوز كل معدلات زيادة السكان العالمية، حتى لو أنها بدأت تتراجع بصورة جدية.
هذا هو جوهر المشكلة الحقيقي التي نعاني منها، وما تبقى تبريرات واختراعات وهمية وخيالية للدفاع عن النفس تجاه الشعور بالنقص والخجل والإخفاق والتأخر غير المستدرك واليأس.
* نظرية المؤامرة الغربية ضد العرب - ليس هناك شك في أن الدول الكبرى خلال الحقبة الاستعمارية وبعدها نجحت في خداع النخب العربية والتلاعب بها لتطبيق مخططات لا تخدم مصالح الشعوب العربية. وذكرى اتفاقيات سايكس بيكو التي تقاسمت فيها الدول الاستعمارية الكبرى من وراء ظهر الأطراف العربية، المملكة الموحدة التي وعدت بها الشريف حسين قبل أن تولد، هي أكبر مثال على ذلك.
غير أن التشبث بمفهوم التآمر لا يساعد كثيرا على فهم التاريخ الحقيقي لأنه يحرف النظر عن دراسة الاستراتيجيات الإمبريالية دراسة عقلانية من جهة، ويمنعنا من نقد استراتيجياتنا الخاصة التي كان من المفروض أن تقوم على فهم أفضل للاستراتيجيات والمخططات المعادية، وتقترح ردودا مناسبة عليها من جهة ثانية.
والاستسلام لفكرة المؤامرة التي نحن ضحاياها تدفعنا إلى أن نضع أنفسنا، بوعي أو من دون وعي، في الموضع ذاته الذي تريد لنا استراتيجيات السيطرة الدولية أن نكون فيه، أي في موقع الطرف الضعيف والعاجز الذي يشكل موضوعا لتلاعب الآخرين، لا فاعلا واعيا ومالكا للإرادة السياسية وللرؤية التاريخية التي تمكنه من تحديد أهداف تاريخية والسعي إلى تحقيقها، والتغلب بإرادته على العقبات التي يواجهها، سواء أكانت داخلية أو خارجية.
مفهوم المؤامرة ليس كله خطأ، فنحن ضحايا مخططات استعمارية حقيقية لكن مشكلته هو أنه يجعل منا ضحايا أبدية ويحرمنا من التفكير بإمكانية العمل كي لا نكون ضحايا والسعي إلى تطوير وسائل التحكم بواقعنا وبناء استراتيجيات فاعلة وعقلانية لتحقيق أهدافنا الوطنية والاجتماعية.
إن مشكلته باختصار أنه يمنعنا من رؤية مسؤولياتنا الذاتية ويسهل علينا الهرب منها وإلقاء المسؤولية على طرف من المفترض أنه عدو لنا، لا يمكن أن نتوقع منه شيئا آخر سوى التخطيط للايقاع بنا لوضع يده على مواردنا والتحكم بمصيرنا.
وليس هناك سبب آخر للتمسك أصلا بمفهوم المؤامرة بدل الانتقال نحو تحليل الاستراتيجيات المعادية والارتقاء بوعينا النظري لشرط ممارستنا التاريخية وتوفير وسائل العمل الناجع لنا، سوى العجز عن فهم واقعنا وتحسين شروط ممارستنا الناجم هو نفسه عن تخبطنا وضياعنا وشعورنا بانعدام أفق التقدم والتغيير في واقعنا.
ولا يهدف نقد مفهوم المؤامرة إلى شيء آخر سوى فتح عيوننا على أن حقل العلاقات الدولية قائم أساسا على الصراع والحرب، وعلينا وحدنا يتوقف أمر توفير شروط دفاعنا عن استقلالنا وحماية مواردنا.
في هذه الحالة لن يكون موقفنا الشكوى من الاعتداء علينا ولكن السؤال عماذا فعلنا كي نمنع هذا الاعتداء ونحمي أنفسنا ونتحول إلى طرف مرهوب الجانب على ساحة العلاقات الدولية بدل أن نكون فريسة سهلة تتنازعها الوحوش الدولية الكاسرة.
وعندئذ سيكون الجواب سهلا: نحن نتنازع في ما بيننا، داخل القطر الواحد وبين الأقطار العربية أكثر مما نتضامن لدفع الأذى الشامل عنا. ونستهتر بالقانون في صراعاتنا الداخلية تماما كما تستهتر القوى الكبرى بالقانون في صراعها معنا. وسوف نستنتج من ذلك، أننا المسؤولين الوحيدين عما يحصل لنا، أي أننا المتآمرين الحقيقيين على أنفسنا بدل أن نكون الضحية.
وعلينا وحدنا يتوقف مصيرنا و خروجنا من محنتنا. ويحل بدل الشكوى والتذمر والنحيب على ما ضاع منا العمل الجدي والعقلاني لتغيير واقعنا.

* تجديد الفكر القومي - لا أعتقد أننا نشهد صعودا للحركات القومية ولا تجديدا فعليا وذا مغزى للفكرة القومية. بالعكس ما حصل في العقدين الماضيين هو صعود الفكرة الإسلامية وإلحاقها المشاعر والأفكار والحساسيات والتيارات القومية بها وضمها إليها. لكن ليست الممانعات الإسلامية القومية التي نعيشها إلا معارك النفس الأخير في عملية تراجع تاريخية مستمرة لفكرة قومية تحتاج إلى مراجعة جذرية.
فلا يمكن للإرهاب الذي انتشر منذ عقدين على يد بعض الجماعات المتطرفة الإسلامية أن يشكل مشروعا سياسيا بالمعنى الذي ذكرت. وبالمثل ليس بإمكان الحرب الطائفية ولا النظم الطائفية أيضا أن تتحول إلى مشروع سياسي.
ولا تملك القومية حظا أفضل في توفير مثل هذا المشروع. فهي لم تعد تحرك شعورا ولا تجمع شعبا بعد أن حولتها النظم الأقلوية إلى شعار إيديولوجي لتبرير سلطة جائرة تفتقر لكل مقومات الشرعية والنجاعة.
أما الفكر الإسلامي الذي أصبح موردا للعديد من نظريات الصراع على السلطة والحكم فقد دخل هو نفسه في مازق بعد أن تحول في العديد من المواقع إلى مذاهب متنابذة، وارتبط ذكره في أوساط الرأي العام بتجارب النظم التي ادعت الى الاستناد إلى الإسلام، أو بحركات الإرهاب والعداء المستحكم والشامل للحداثة باسم العداء للغرب وكل ما يرتبط به من قيم العقل والحرية الفردية والحداثة.
هذا الفراغ الفكري السياسي هو الذي يفسر بقاء النظم المفتقرة لأي مبدأ أو قانون سوى حفظ مصالح القائمين عليها وتعظيمها. وهو الذي يشكل التربة الأخصب لنمو الفساد وتفاقمه.
بالمقابل لا تزال الفكرة الديمقراطية هشة جدا في حياتنا وثقافتنا السياسية بالرغم من أنها الفكرة الوحيدة التي تبدو مؤهلة للنمو والصعود في العقود القادمة.

* حول المجتمع المدني

- لا ينبغي ان نستغرب اختلاف الناس في تعريف المفهوم نفسه أو تحديد مضمونه ولا في ألا تكون للمفاهيم، بالرغم مما يبدو عليها أحيانا من أهمية مركزية في بلورة فكر أو سياسة ما، من غموض وتشويش.
هذا تعبير عن حياتها وكثرة استدعاءاتها من قبل الفاعلين الاجتماعيين واختلاف مطالب هؤلاء ومصالحهم.
باختصار، إن اختلاف التعريفات وأحيانا تضاربها هو انعكاس للنزاع حول استملاك المفهوم من قبل الفاعلين المختلفين، سواء أكان ذلك بسبب تنوع مشاربهم واختلاف منظومات قيمهم وثقافتهم أو بسبب تباين المصالح والغايات مما لا يخلو منه أي مجتمع إنساني.
حسب المصطلح القديم، يغطي المجتمع المدني تلك النشاطات التي تميز حياة الفرد الخاصة في مقابل النشاطات والأطر التي تتعامل معه بوصفه جزءا من كل عام، أي الدولة.
ولذلك تحدث هيغل عن المجتمع المدني من حيث هو تجسيد للنشاطات الاقتصادية والعائلية وغيرها التي تعبر عن مجال بحث الناس كأفراد ومجموعات عن مصالحهم الخاصة، وهذه هي غاية المجتمع المدني ومنطقه في مقابل ما يميز عمل الدولة من تجسيد لمصلحة عامة أو عليا تتجاوز الفرد ومجموعات المصالح الخاصة ولا تتداخل معها.
ولذلك وضع هيجل بالفعل المجتمع المدني كمفهوم للخاص في مقابل الدولة كمفهوم للعام والعمومي في إطار التطور السياسي والمدني الحديث. وطور غرامشي تحت تأثير الماركسية هذه النظرة بالعلاقة مع مفاهيم الثقافة والهيمنة الخاصة به ولم يستبعد العائلة ولا الكنيسة أيضا من المجتمع المدني، وهي ليست مؤسسة حديثة ولا تقوم على القيم المستمدة من الحداثة.

في هذا المنظور لا تشكل الروابط والتشكيلات العشائرية والعائلية والطائفية كما كانت قائمة في الماضي جزءا من المجتمع المدني ولا يمكن إدراجها تحت مفهومه، لأن وجود هذا المجتمع نفسه هو ثمرة لنشوء النظام الحديث أو الدولة الحديثة، وما نجم عنهما من انفصال فعلي وحاسم بين مجال الخاص ومجال العام، وهو ما لم يكن قائما في النظم المجتمعية التقليدية، ولذلك كانت هذه الروابط والتنظيمات تشكل في الماضي جزءا من الدولة التقليدية وبطانة لها، وما كان من الممكن دوام هذه الدولة السلطانية من دونها.

لكنني أعتقد أن من الضروري التمييز بين هذه الروابط كما كانت قائمة في الماضي والدور الذي كانت تلعبه، وبين ما تمثله وما تقوم به من دور في مجتمعاتنا الراهنة. فهي لم تعد اليوم جزءا من نظام مجتمعي عام، تحدد فيه وظائفه وبنياته، وإنما أصبحت تندرج في نظام مجتمعي او نظام دولة حديثة عموما، مما غير كثيرا من بنيتها وطبيعة عملها ووظائفها.
بل يمكن القول إن ما نشهده الآن في هذا السياق هو إعادة تشكيل هذه الروابط وأنماط التنظيم الأهلي القديمة على ضوء الحداثة الزاحفة تكيفا أو رفضا. وفي الحالتين فهي تلعب أدوارا لا علاقة لها بالأدوار القديمة التي كانت تلعبها في النظام الاجتماعي.
ويقوم الفاعلون الاجتماعيون الحديثون، من نخب متنافسة حديثة وفئات اجتماعية وجماعات قومية أيضا بتوظيفها لتأدية خدمات تدخل في نطاق الصراعات الاجتماعية والقومية والثقافية التي تميز نشوء الدولة الحديثة وترافق توطينها في البلدان الناشئة.

ومع ذلك لا يعني وضع هذه الروابط ضمن مقولات المجتمع المدني أن علينا أن نكرسها أو نعتبرها أمرا طبيعيا، بالعكس إن هدفه هو إظهار الطبيعة الانتقالية والمتعثرة معا لمسار الحداثة الذي تعرفه مجتمعاتنا، وللتوليفات المعقدة التي ترافق هذا التعثر.
فهي تشكيلات هجينة ومؤقتة تعكس الأزمة التي تعيشها هذه المجتمعات والتناقضات والتوترات العميقة التي تخترقها على صعيد الدولة والمجتمع المدني من جهة، وداخل كل منهما أيضا.
لكن هذا هو مجتمعنا المدني اليوم، وتشوش نظمه ومؤسساته وبنياته هو مصدر من مصادر التخبط الفكري والسياسي والاجتماعي الذي نعيشه: على حافة الحداثة من جهة وفي مستنقع التقليد أو خرابه من جهة أخرى.

* ثقافة العولمة وعولمة الثقافة

- العولمة مفهوم نظري أطلقناه على الديناميكية القوية التي نشأت عن تطور الثورة التقنية العلمية وطفرة وسائل الاتصال والتي تدفع أكثر فأكثر إلى تقريب المسافة بين المجتمعات وتقصير الزمن اللازم لانتقال المعلومات والأفكار والتقنيات.
وهي ديناميكية دامجة وموحدة لتاريخ العالم، وفي الوقت نفسه مولدة لأنماط جديدة من التمايز والسيطرة والتفاوت في توزيع الموارد بين الجماعات داخل المجتمعات نفسها وعلى مستوى المعمورة.
وبقدر ارتباطها بالثورة التقنية والعلمية الراهنة تؤكد العولمة وتضمن سيطرة من يقود هذه الثورة على المصائر العالمية. ومن هنا تفترض العولمة وجود أطراف معولمة فاعلة وأطراف معولَمة (بفتح اللام) هي اليوم نحن، وينجم عنها استراتيجيات متباينة.
وهناك قوى دولية تدفع في اتجاه العولمة، وهناك حركات مناهضة العولمة التي تعكس خوف الأطراف التي تخشى منها على استقرارها أو ترفض الخضوع لقوانينها أو تتضرر مصالحها منها.
للعولمة إذن قاعدة موضوعية هي الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات التي عملت على دمج العالم وتكثيف التواصل بين أطرافه.
وللعولمة استراتيجيات (ذاتية) أي مرتبطة بالأهداف الخاصة للأطراف المتصارعة، تمثل الكيفية التي تسخر فيها هذه الأطراف من القوى الدولية والاجتماعية والشركات الكبرى، أي الفاعلون الدوليون، الثورة التقنية لصالح زيادة منافعها وسيطرتها.
فقوى الرأسمالية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات تريد أن تستفيد من هذا التواصل والاتصال المكثفين من أجل خلق سوق عالمية واسعة مفتوحة لتبادل السلع والبضائع وبالتالي تطوير المبادلات التجارية وزيادة القدرة على الإنتاج وتراكم رأس المال والأرباح.
وهو ما نسميه العولمة النيوليبرالية. وبالمقابل هناك إمكانية للاستفادة من حركة الاندماج الموسع لزيادة فرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية في العالم أجمع، وهو ما يحتاج إلى سياسات لا تستسلم لمنطق الربح والسوق ولكنها تضع ضوابط له بحيث لا يتحول تكوين السوق العالمية إلى وسيلة لإعادة تركيز الاستثمارات والثروات لصالح بعض البلدان وبعض الشرائح الاجتماعية على حساب البلدان والشرائح الأخرى.
فالعولمة الديمقراطية تريد أن تستفيد من علاقات الاندماج لتؤكد وحدة المصير العالمي وبالتالي ضرورة الاستثمار أيضا في التكافل والتضامن الدوليين. وهذه مسألة تتعلق أيضا بالاختيارات العقائدية والأخلاقية.
بالنسبة للثقافة، تحمل العولمة في طياتها من دون شك حركة توحيد لمستوى ما من مستويات وعي العالم ومعايشته أو العيش فيه، وبالتالي توحيدا معينا لأنماط التفكير والاستهلاك والعيش.
لكن في ما وراء هذا التوحيد الشكلي والسطحي لأنماط الوعي والمعيشة العالمية يؤثر تفاقم العولمة من التفاوت في إنتاج المعرفة العلمية والعميقة واستثمارها بين المجتمعات وداخل المجتمع الواحد أيضا. فهي تضعف الثقافات الضعيفة أكثر وتهمشها وتخلق بالتالي هرمية ثقافية تعزز موقع الثقافات الكبرى السائدة والغربية منها بشكل خاص، كما تحد -بالرغم من المظاهر الكاذبة- من إمكانيات الحوار والتواصل بين الثقافات المحلية والعالمية.
وفي المجتمعات العربية حملت العولمة آليات قطيعة أكبر بين الثقافة الاستهلاكية السائدة بما فيها الثقافة الدينية الاستهلاكية، والثقافة العربية والإسلامية الكلاسيكية الأصيلة التي بقيت تغذي لقرون طويلة النزعة الإنسانية في الحياة العربية، وهي تعمل على التجريد الجماعي من الثقافة الحديثة والتقليدية، لتحل محلها طبعة استهلاكية رخيصة غير قادرة على بناء مثال أخلاقي أي على تأسيس جماعة أو بناء هوية أو تحقيق التفاعل والتواصل بين الأفراد والمجتمعات البشرية.
وفي نظري لا يمكن لأزمة الهوية العميقة التي أدت إليها هذه التحولات الانتقالية أن تجد نهايتها من دون النجاح في الربط من جديد مع الثقافة الحقيقية، أي المبدعة والمنتجة، الإسلامية والحديثة معا.
وهذا ما يستدعي حتما إعادة بناء الثقافة العربية نفسها، أي مراجعة السياسات الثقافية الرسمية المحلية والعالمية وتطوير استراتيجيات جديدة لبناء الوعي والضمير الإنساني من قبل المثقفين وصانعي الثقافة أيضا.
وبالمثل، لا يمكن التغلب على المشكلات والتحديات التي تطرحها العولمة على المجتمعات العربية برفضها أو الهرب منها أو إدانتها وإنما بخلق الشروط الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تسمح بالسيطرة على آلياتها والاستفادة منها لإعادة بناء هذه المجتمعات نفسها.
وفي هذه الحالة يمكن للعولمة التي أصبحت بالنسبة لنا مصدر كوارث وحولت منطقتنا إلى مسرح للنزاعات الدولية والمحلية، أن تتحول إلى فرص للتقدم والخروج من الهامشية والجمود الذي خيم على مجتمعاتنا خلال أكثر من أربعة عقود.
الأمر يتوقف على مبادرتنا وقدرتنا على التحكم بقراراتنا والسير قدما نحو تجميع جهود البلدان العربية وإطلاق طاقات شعوبها وتحرير إنسانها من الوصايات المتعددة السياسية والفكرية والروحية معا.