المتغير الإقليمي وبوادر فشل مؤتمر السلام

بقلم: د. علاء الدين شماع

تكاد أن تتساوى فرص قيام حرب جديدة في الشرق الأوسط من عدمها، فبعد اشتداد القول بها والتلويح بقيامها طيلة الصيف الماضي يبدو أن تأجيلاً طرأ بسبب من مستجدات سياسية فرضت نفسها على دعاتها، ورايس عندما تصرح: لسنا في وارد شن حرب ولسنا مصممين عليها، تبطن أمرين اثنين،الأول إعطاء الفرصة لمؤتمر سلام أنابوليس في قولبت مفردات لا بد من توافرها لشن أية حرب مزمعة، والثاني وهذا حسب ما رشح اختيار تأجيل قرار شنها إلى مطلع ربيع 2008 بسبب قدوم الشتاء،و في هذا إبقاء السيف مسلطاً قدر الإمكان على رقاب المارقين في نظرها بغية ابتزازهم سياسياً.
ولا ينقص الإدارة الأميركية الأسباب ولا تعوزها المبررات في شن حرب كبرى على المحورين الإيراني والسوري معاً أو صغرى على أحدهما وبالتالي استفراد الآخر لاحقاً، وان كان من خلال صياغة ادعاءات تبنى على الكذب في الترويج للحروب ، كما حدث ورأينا في الحرب على العراق.
غير أن الزمن وهو يفلت من بين أصابع رايس يمثل عامل ضغط نفسي بالنسبة لها وللإدارة الأميركية كلها على حد سواء، ذلك أن الأمر هذه المرة مختلف ويلزمه إعداد متأن يساوي حجم ومقدار ما ظهرت عليه إيران في قوتها العسكرية مؤخراً، وتأكيدات ميركل وساركوزي مضافة إليها تأكيدات بوش بأنه من غير الممكن قبول إيران نووية قد لا تساوي شيئاً، أمام تصور ما يمكن أن يحدث بعد الضربة الأولى لإيران، بمعنى أن الخيار العسكري الذي ُأعدت له سيناريوهات مختلفة وحضر له بشكل جيد، يلزمه من يتحمل تبعاته وأهمها الأخلاقي منها وما يمكن أن تحدثه من تداعيات لاحقة على الساحة الدولية، من هنا تظهر أهمية إنجاح مؤتمر أنابوليس وإن كان شكلاً ودون أي مضمون،وأهمية قدوم العرب إليه من الضرورة بمكان لتحميلهم جزءا من مسؤولية هذه التداعيات وقبولهم لها من فم صامت كونهم أول وأهم المتأثرين من أية حرب تشن على إيران ومن كل النواحي، اقتصادياً وبيئياً وبشرياً حتى.
إن ما طرأ من مستجدات على الساحة الدولية فرضت على السياسة الأميركية تناقض الفعل والقول حتى بات ملمحاً سياسياً أميركيا مميزا ًهذه الأيام وهو ما ينم عن ضعف في اتخاذ القرارات الحاسمة وليس مؤتمر السلام المبطن بدعاوى الحرب خير ما يعكس هذا وحسب، بل في حاجتها لحشد التأييد من أجل قيام أية حرب تنوي شنها،و أسباب عدة أيضاً فرضت عليها هذا التردد، وهي تقف عاجزة حيالها.
من بين أهم هذه الأسباب صراع حليفيها الاستراتيجيين المفتوح على كل الاحتمالات وإمكانية قيام حرب بينهما، وأقصد تركيا وكردستان العراق، والذي دخل عاملاً مؤثراً في إفشال الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة،و لم تستفد منه في حقيقة الأمر غير إيران في إدخاله ورقة رابحة في جعبة تكتيكاتها التي أخذت تزخر بما يقوي مناعتها مع مرور كل يوم، فأمام كل فشل أميركي في المنطقة يقابله نجاح تجيره إيران لحسابها،حيث أن رفض إيران لأي تدخل تركي في شمال العراق قرنته بتسهيل دخول أعداد كبيرة من كوادر وزعامات حزب العمال الكردستاني إلى أراضيها من أجل امتصاص الفورة التركية وتأجيل أمر استثمارهم وقت تشاء مصلحتها ذلك، وهو ما يؤكد القول الذي ذاع أن تركيا في حال شنها حرب الآن لن ترى غير الأشباح.
أضف إلى ذلك عودة روسيا القوية إلى الساحة الدولية وهي تسعى إلى تأكيد إرادتها بالمشاركة في صنع القرار العالمي، في استدعاء علني منها لعودة أجواء الحرب الباردة، وهذا ما ظهر من زيارة بوتين إلى طهران، وإعلان روسيا نيتها إتمام عقود بناء مفاعل بوشهر الإيراني، وكلها عوامل فرضت نفسها في قيام تحالفات مرة على محور دول بحر قزوين وأخرى على محور شمال شرق آسيا بما عرف بمحادثات شنغهاي، والهدف منها تأمين استثمار النفط وطرق إمداده المهمة للصين. وضرورة بقائها خارج السيطرة الأميركية وبعيدة عنها.
يضاف إلى ذلك ما يمثله تناقض العجائب في عالم السياسة الإسرائيلية وانعكاس ذلك في إفشال مؤتمر السلام المزمع، وهو حضور اليمين الإسرائيلي هذه المرة بوزنه الفاعل داخل الكنيست في التلويح بالانسحاب من الائتلاف الحكومي إن أقدمت الحكومة الإسرائيلية على أية تنازلات في مفاوضات السلام الجارية بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني والقول بانسحابات على الأرض وإخلاء مستوطنات، هذا الحضور القوي الذي تمثل في اتخاذ خطوات استباقية عن طريق وزير البنى التحتية في الإسراع بمشاريع الاستيطان واستملاك مزيد من الأراضي حول القدس وما تفرضه من عقبات وعراقيل الأمر الواقع. إن الضوء الأخضر الأميركي الذي منع سقوط حكومة أولمرت بعد حرب تموز2006 لا يزال مانعاً أساس إلى الآن من سقوط أضعف وزارة عرفتها إسرائيل على الإطلاق، غير أن لليمين الإسرائيلي حساباته الخاصة وهو المتمثل بحزبين كبيرين داخل الحكومة الائتلافية هما شاس لليهود المتدينين الشرقيين بواقع 12 مقعداً وحزب إسرائيل بيتنا 11 مقعداً وما يشكله من تهديد له ثقله في إسقاط حكومة أولمرت إن جاوزت خطوطها الحمراء .حيث أنه ولا شك أن موقفهم هذا يؤمن لهذه الحكومة في المقابل هامشاً للمناورة في جهودها التفاوضية.
إن تصريح السيد عباس أن السلطة الفلسطينية أنجزت 90% من تعهداتها والتزاماتها بموجب خارطة الطريق وأن الوقت قد حان للتفاوض على المسائل الجوهرية، ومقدار ما يجابه به من عراقيل من قبل حكومة أولمرت له ما يبرره وفق التوازنات السياسية في الداخل الإسرائيلي. إن مطالبتهم إياه بمنع الإرهاب بنسبة 100% وسحب السلاح الفلسطيني المقاوم ترده إلى بنود الاتفاق الأولى من أوسلو وليس إلى ما يطمح إليه من تفاهمات وجداول زمنية ملزمة للإسرائيلي من خلال المفاوضات الحالية. حتى سمعنا اليوم بشرط جديد يمثل قنبلة موقوتة في نسف حظوظ ما سيتمخض عنه المؤتمر من مقررات ذات جدوى وهو ما سيطالب به أولمرت السلطة الفلسطينية من الاعتراف بدولة إسرائيل دولة لليهود، وما يمكن أن يمهد إليه في حال حدوثه من إلغاء لحق العودة.
يضاف إلى كل ما سبق ذكره في تريث الإدارة الأميركية وتأجيل قرارها في شن حرب ما، انتظار تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتقييم النهائي لحقيقة الملف النووي الإيراني وجهودها الحثيثة المبذولة في التأثير على مصداقية صوغ هذا التقرير لم تعد خافية على أحد.
في المقابل وعلى الجانب الآخر تبدو الاستعدادات على أهبتها وليس من قبيل المصادفة أن تأتي مناورات حزب الله بعد يوم واحد من تصريحات رايس في اجتماع عقد على هامش مؤتمر استانبول لدول الجوار العراقي،خصص للحديث عن الشأن اللبناني،و تأكيدها فيه أن الانتخابات الرئاسة اللبنانية ستتم وان كانت بالنصف زائداً واحداً. وهذا قبل التوكيل الأميركي لفرنسا بخصوص هذا الملف.
وآخر هذه المؤشرات في الاستعداد كانت البارحة وعلى لسان السيد حسن نصر الله من أن لا أحد يستطيع نزع سلاح حزب الله وهو يؤكد أن أية مواجهة أخرى مع العدو ستغير وجه المنطقة. على أنه لا تدخل هذه التصريحات النارية في باب التوريط لحلفائه السوريين والإيرانيين وبشكل ما لحركة حماس في غزة، وهذا ما ستفهمه الأطراف المقابلة حتماً، إن لم تعكس تنسيقاً مسبقاً بين كل الحلفاء، وهو ما يحسم أمراً طالما تردد... هل ستدخل كل هذه الأطراف مجتمعة الحرب في حال استهداف أحدها ؟! والجواب توفره المتابعة المتأنية للحدث، ذلك أن أية حرب محتملة ستستهدف الأنظمة في إيران وسوريا ورأس المقاومة وهذا ما لا يمكن أن تقبله هذه الأطراف حتماً وتحسب حسابه جيداً.
يكاد مؤتمر أنابوليس بعد أن حمل طابع الورطة للإدارة الأميركية حتى الآن، يكاد أن يتحول إلى مؤتمر الغلطة الكبرى لهذه الإدارة وهي تغفل مؤشر المتغيرات النوعية الجمة التي طرأت على بيئة المنطقة واتجاهاتها وتحالفاتها في خلق موازين قوى جديدة، ثم كيف لمؤتمر سلام أن يعقد وتغيب عنه سوريا ونصف الحقيقية الفلسطينية؟!.. وهما أصحاب المصلحة الأبرز من سلام يرد الحقوق ويعطيه صفة الاستمرارية، و يمنح المنطقة الاستقرار. د. علاء الدين شماع