'أرض الوالد' نافذة تضيئ الأدب الكوري

كتب ـ أحمد فضل شبلول
الواقعية السحرية الكورية

طالعتنا مجلة "كوريانا" للفنون والثقافة الكورية التي تصدرها مؤسسة كوريا بثماني لغات، في عددها الأخير (صيف 2007) بقصة طويلة للكاتب الكوري ليم تشول أوه بعنوان "أرض الوالد"، وقعت في عشر صفحات من قطع المجلة الكبير، وقام بترجمتها إلى العربية جانغ سي وون، بمصاحبة تشكيلية للفنان تشا جي أوك، وتقديم يحمل عنوان "قلم موجه ضد عنف الأيديولوجيا" لكيم هيونغ جونغ الناقد الأدبي والأستاذ بجامعة جوسون .
وتدور القصة في أجواء إنسانية شديدة الخصوصية والارتباط بالأرض الكورية بعد الحرب الأهلية بين الكوريتين (1950 ـ 1953) من خلال شاب مجند تكتشف فصيلته جثة رجل مقيد بأسلاك تليفون عسكري، أثناء حفر خندق للتمرين العسكري، بالقرب من إحدى القرى الريفية الفقيرة شبه المهجورة منذ الحرب، والمسماة "قرية النصر الجديد".
ومن خلال السرد والوصف والحوار يكتشف القارئ أن هذه الجثة، هي جثة والد المجند الشاب الذي فرَّ من منزله أثناء الحرب الكورية بعد اتهامه بجريمة الشيوعية، وكان الطالب أو المتعلم الوحيد في قريته. وكانت الأم تخفي ذلك على ابنها وتخبره أن أباه توفى وراء البحار.
لم تجئ معالجة القصة بمثل هذه البساطة فقد استخدم الكاتب تقنيات فنية حديثة ومتداخلة، تنوعت ما بين الحوار والوصف وتنوع الضمائر والشخصيات والرمز (الغراب على سبيل المثال) والمعادل الموضوعي (الطيور المهاجرة على سبيل المثال) والإيحاء القوي المؤثر والعودة إلى الوراء (فلاش باك)، والمخيال الذي يروح ويجئ أو يظهر ويختفي أمام عين الابن المجند، وبالتالي أمام عين القارئ.
وعلى الرغم من عدم معرفتنا الكثير عن الأدب الكوري الحديث إلا أن هذه القصة تكشف عن أدب إنساني رفيع، يساير التقنيات الحديثة في عالم القصة القصيرة والطويلة ينبع من بيئته ذات الخصوصية التي كشفت عنها أعمال قرأتها من قبل لأدباء كوريين وترجمت إلى العربية مثل الروايات الثلاث: "عشب عائم" لهان سو سان، و"صوت الرعد" لكيم جو يونغ، و"الأجيال الثلاثة" ليوم سانغ سوب.
ولعل مشروع الترجمة الجاري تنفيذه حاليا باتفاق بين المركز القومي للترجمة في مصر والمركز الكوري للثقافة العربية والإسلامية بانتشون الكورية، يمدنا بأعمال جديدة من الأدب الكوري المعاصر تكشف لنا أكثر عن إنسانية وعالمية هذا الأدب الذي كان غائبا عن عيوننا لسنوات طويلة.
على أننا نستطيع أن نزعم أن القصة الطويلة التي نحن بصددها الآن "أرض الوالد" تعد من عيون أدب الحرب، وعلى الرغم من أن الأجواء التي تدور فيها بعد انتهاء الحرب، إلا أن الخلفية التي تتحرك عليها هي الحرب الكورية التي أفرزت مقتل الوالد في ظروف وملابسات غريبة، لا تملك الأم إزاءها سوى الحلم بعودة الزوج الذي ترك لها ولابنها فراغا حياتيا كبيرا، رغم يقينها بأنه لن يعود.
وقد لعب المعادل الموضوعي ورمز الطائر الذي يهاجر إلى الجنوب في شدة البرد، ثم يعود إلى الشمال عندما تأخذ الحرارة في الارتفاع، دورا كبيرا في حياة الأم المنتظرة.
إن الطائر المهاجر الذي يرمز إلى شبح الزوج قد قدم ببراعة وفي أجواء نفسية مناسبة للقصة وأضفى بعدا جماليا عليها، بالإضافة إلى اللوحات أو المناظر الطبيعية الأخرى التي خففت كثيرا من حدة العسكرة (إن صح التعبير) التي بدأت بها القصة حيث الشاحنة العسكرية "التي تزحف ببطء كخنفساء أرضي مطرودة."
لقد استطاع ليم تشول أوه أن يقدم توازنات رائعة في قصته بين الأجواء العسكرية المتخلفة من الحرب وما خلفته من دمار وخراب وهجرة البشر، وأجواء الطبيعة وتنوعاتها التي تتصف بها المدن والقرى الكورية على مدار العام.
إن شخص القصة أو المجند الشاب يعيش الآن حالة السلم التي سيطرت على البلاد بعد فرار شبح الحرب، ولكنه لم يعرف أن القدر قد خبأ له تلك المرارة والأحزان المتخلفة من الأجواء التي كانت تسيطر على البلاد في زمن الحرب، باكتشاف جثة أبيه على هذا النحو المفاجئ أثناء حفر الخندق، وبالتالي تفعل الحرب فعلها الأقسى والمدمر للنفس البشرية بعد أن تضع أوزارها، وليس أثناء وقوعها فحسب.
وقد برع الكاتب في توظيف بعض الأفكار والمعتقدات الشعبية في قصته ومنها التطيُّر من رؤية الغربان، لأنها تقلع العيون من الجثمان وتأكلها، وضرورة دفن الجثة وإلا ستحل الكوارث "إذا لم نعتن بها كثيرا فقد نصاب بأي كارثة." فضلا عن ذلك التيار الكابوسي الذي يغلف أجواء القصة سواء كانت كوابيس الأم، أو كوابيس المرأة زوجة صاحب المحل بالقرية القريبة من المعسكر "قد رأيت أحد أجدادنا متوفيا في حلم الليلة الماضية."، فقد كان الحلم أكثر وضوحا من الواقع.
لم يقل الكاتب صراحة أن الجثة المكتشفة هي جثة والد المجند الشاب، ولكن لعب الإيحاء دوره البارز في ذلك، فعنوان القصة "أرض الوالد" أوحى بهذا الأمر، ومن ناحية أخرى الأوصاف التي نثرها الكاتب أو السارد على طول القصة جعلتنا، بعد فحص الأمر جيدا، على يقين تام بأن الجثة لم تكن سوى لهذا الوالد المتغيب عن منزله منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، هي عمر السارد حيث اختفى الوالد ولم يزل ابنه جنينا في بطن أمه "غادر المنزل في يوم كانت فيه الريح شديدة بعد أن ترك أمي حاملا، واتجه إلى الجنوب."، وهنا تقفز صورة الطائر (المعادل الموضوعي) الذي يهاجر إلى الجنوب عندما تشتد الريح، ولكنه في القصة طائر بلا عودة.
حتى عندما هتف السارد صراحة "إنه والدي" لم يكن ذلك في إطار اكتشاف الجثة داخل المكان المحفور، ولكن جاء ذلك من خلال عبارة شديدة التركيز والتكثيف يعمل فيها العقل غير الواعي أكثر من العقل الواعي، حيث خيالات الموهوم أو المصاب بالحمى، أو ما نسميه الهلوثة أو (الخطرفة) التي تجعل الميت يتحرك ويمشي وينتقل من مكان إلى مكان، ويقرفص وينحني مثل الجمبري ويصدر صوتا من شدة الألم، وكأنها الواقعية السحرية الكورية.
ولنا أن ندقق في هذه الجملة التي هي الجملة قبل الأخيرة في تلك القصة الطويلة، والتي تلخص لنا كثيرا من أسلوب الكاتب، وجودة الترجمة، وأجواء القصة التي تحمل نوعا من السحر والعذاب المضمر والتشاؤم والوحشة والشجن الإنساني النبيل:
"كان الكثير من الغربان يتحرك ببطء في كل أخدود من الحقول دون أن أشعر بها، وانتشر التشاؤم والوحشة، كالمرض المعدي في الثلوج الكثيفة التي تملأ كل أنحاء الأرض بسبب الغراب الأسود.
في لحظة سمعت حركة أحد يتقلب من اتجاه إلى اتجاه ثم وجدته مستلقيا مقرفصا محنيا مثل الجمبري تحت الأرض المغطاة بالثلوج الكثيفة. إنه والدي. كانت يداه وقدماه قد قيدتا بسلك حديدي، وأحيانا ينقلب ظهره إلى بطنه وهو يصدر صوتا من الألم بصورة منخفضة. قمت واقفا في وسط الحقول القاحلة بدون حركة مراقبا حركات أجنحة الغراب المثير للتشاؤم وتصرفاته لأوقات طويلة." أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية