انفلات المواقع الإلكترونية من قبضة الحكومات العربية

بقلم: هالة المصراتي
وداعا للقيود

لا يخفى على أحد أن جل الحكومات العربية لازالت تناقض نفسها فيما يخص حق المواطن العربي في حرية التعبير وأنها دائما تحاول تضييق الخناق عليه لتلجم صوته متى كان هذا الصوت ينتقد هذه الحكومة أو يعارض توجهاتها، فكيف لنا أن نستوعب وجود حرية لاختيار الحكومات التي تمثلنا وغيابها في حالة انتقادنا لهم؟ ناهيك عن عدم وجود صحافة حرة نزيهة لا تتدخل الحكومات في تسييسها أو في إخضاعها لرقابتها وأحيانا احتكارها.
وخلال العقود الماضية نجحت الحكومات العربية في السيطرة على الإعلام العربي وتم توظيف هذا الإعلام لخدمة مصالح الدولة بمؤسساتها وأشخاصها رغم أننا لو تتبعنا بعض من نماذج القوانين العربية المتعلقة بالمطبوعات والصحف وحقوق الملكية الفكرية نجد أن هذه القوانين لو طبقت بحذافيرها في المجتمعات العربية لساهمت هذه الصحف في الرقي والنهوض بالمجتمعات العربية لنزاهتها.
الصحافة هي أقدر الوسائل الإعلامية على مناقشة الآراء العامة في المجتمع وكشف مواطن الفساد واستئصالها عن طريق إيصال صوت الشعب وبالتالي يمكن أن نقول أن الصحافة إذا كانت حرة شكلت أداة ضغط جماهيري على الحكومات، المواطن العادي الكادح قد يدرك مغبته ولكن حتماً لن يملك القدرة على بلورة أفكاره وتمريرها وإيصالها إلى الجهات المسئولة وهنا يبرز دور الصحفي وإرادته وقدرته على التعبير ولكن ماذا لو أن هذه الحرية تم إخضاعها لسلسلة من الشروط والضغوط التي من شأنها أن تضعف الكلمة وتقتل صوت الحق وتخنق روح الإبداع فلا عجب من أن جل الصحف العربية باتت بأخبارها ونشراتها ومقالاتها باهتة ولا تكتبنا أو تحاكي واقعنا.
ونظراً لأهمية حرية الصحافة نجد أن الإنجليز لديهم قول مأثور مضمونه "الأفضل أن نحرم من المسؤولية الوزارية ومن الحرية الشخصية ومن حق التصويت على أن نحرم من حق الصحافة". فالصحافة وحدها عاجلاً أو آجلاً قادرة على أن تعيد جميع الحريات وفي هذا الصدد يقول مصطفي أمين " ما أصعب الكتابة وفي يدك سلاسل غير منظورة.
مع التقدم التكنولوجي وتأثيره على كافة المجالات وظهور ثورة المعلومات والإنترنت، هذه الثورة أوجدت لنا إعلام إلكتروني مختلف في أنماطه عن الإعلام التقليدي ولا يمكن بأي حال من الأحوال إخضاع هذا الإعلام للسيطرة فالمبدأ العام أن الإنترنت حرة. مميزات الإعلام الإلكتروني • انتشاره الواسع بين الناس دون استثناء.
• يتميز بكونه أعلام عاجل أن لم يكن آني ويختصر الزمن ولا يعترف بحدود المكان.
• أنه أعلام حر تتعدد وتختلف فيه وجهات النظر وغير خاضع لقيود أو رقابة عليا.
• سهولة إرسال وتلقي المعلومات والاتصال من مختلف أنحاء العالم.
• التفاعلية ما بين وسيلة الإعلام سواء (صحيفة – موقع – مدونة – جريدة – بوابة.. إلخ) والجهور.
• أرشفة وتوثيق الأحداث الأخبار والمقالات القديمة وسهولة استخراجها والبحث عنها نظراً لتوفرها من خلال الشبكة.
• التعددية وعدم احتكار الإعلام لحزب أو طائفة أو أقلية بعينها فالإعلام الإلكتروني متاح فيه تمرير كافة وجهات النظر دون رقابة أو قيود أمنية من أي جهة
• الإعلام الإلكتروني يخدم المعارضة وهيئات المجتمع المدني وخاصة المنظمات والجمعيات المعنية بحقوق الإنسان.
• الأعلام الإلكترونية أسهم في خلق بيئة إعلامية مستقلة أساسها تحرر العقل والروح ويحق للإنسان أن يعبر أرائه الذاتية دونما قيود و لا يخضع لتوجهات معينة أو ينتظر تمويل معين من جهة ما فهو في الغالب إعلام غير مكلف.
• يمكن تسخير الإعلام الإلكتروني كوسيلة ترويج تجارية وتحقق منافع اقتصادية وهي في الغالب غير مكلفة مقارنة بوسائل الإعلام الأخرى.
• سرعة الحصول على المعلومات من مصادرها وغالباً ما يتم ذلك عن طريق الاشتراك في خدمة الرسائل العاجلة وبالتالي يساهم هذا الإعلام في تحرر المواطنين من التبعية الإعلامية في الوسائل التقليدية فلم يعد المواطن يلاحق الحدث ويبحث عنه بل أصبح يصله أنياً أينما كان. مواجهة ما بين الإعلام الإلكتروني والحكومات العربية
لو تمعنا في المميزات التي توضح لنا أهمية الإعلام الإلكتروني لوجدنا أنها قد تشكل جزء كبير من مساوئه التي غالباً ما تكون مؤثرة وفعالة وأحيانا مزعزعة للأمن والاستقرار في المجتمع خاصة مع ظهور العديد من المواقع الإلكترونية وتعدد توجهاتها والتي غالباً ما تتعارض مع توجهات الحكومات العربية المختلفة ناهيك عن الفوضى العارمة التي تسبب فيها الإعلام الإلكتروني نظراً لعدم وجود إي وقواعد ثابتة يمكن أن تنظم أو تخضع هذا الإعلام للسيطرة.
• مع هذا حاولت معظم الدول العربية عدة محاولات بائسة من أجل السيطرة على الإعلام ولكي تنجح قامت بانتهاج عدة مسالك منها :
• أن تكون الشركات والمؤسسات التي من شأنها أن تزود المشتركين بخدمات الإنترنت شركات احتكارية تسيطر عليها الدولة.
• عززت الدول رقابتها ومحاولتها لحجب العديد من المواقع التي من شأنها أن تهز صورة الحكومات أو تقلل الثقة بهم.
• محاولة تخريب هذه المواقع باختراقها وتدمير محتواها.
• سعت لأن تسد الفراغ التشريعي فيما يخص جرائم النشر الإلكتروني.
• القبض واعتقال ومحاكمة العديد من الكتاب الذين يكتبون على الشبكة كتابات مسيئة أو معارضة أو مناهضة أو محرضة ضد الدولة.
• تنفيذ سياستي الاحتواء والحوار في محاولة لتخفيف من حدة ولهجة بعض المواقع إزاء بعض الأنظمة والحكومات.
ومع كل ما سلف مما أوردناه لم تنجح الدولة العربية في أن تسيطر على الإعلام الإلكتروني وأن تمنع الكتاب من الكتابة بل كلما حاولت إلجام صوت تفجر ألف صوت آخر ومع انتشار ظاهرة الأسماء المستعارة أصبح من الصعب جداً تحديد هوية الكاتب أو الوصول له كذلك لم تستطع منع المواطنين من الولوج لهذه المواقع فرغم حجب بعض المواقع إلا أن هناك طرق عدة يمكن من خلالها رفع الحظر عن هذه المواقع ومتابعتها بل كلما تم حجب موقع زادت شعبية هذا الموقع وأصبح لديه قراء ومناصرين ومتابعين وزادت شعبيته فكل ما هو مرفوض مرغوب.
ولن ننسى أن نشير إلى دور وسائل الإعلام المختلفة التي من شأنها تسليط الضوء على القضايا المتعلقة بالكُتاب والصحفيين وحرياتهم كذلك جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات المعنية والمهتمة بحقوق الصحفيين وتدافع عن حرياتهم وتحمها من سلطات حكوماتهم وتخاطبهم بصوت عالي لتخفيف قمعهم إزاء الأقلام الحرة بيد أن وعلى ما يبدوا نتيجة للقمع الذي مارسته الدول على الصحفيين نجد أن جلهم وجدوا في الإنترنت براح وفضاء حر لا يمكن فيه قمع الكلمة أو مصادرتها ولكن الذي حدث أنه اختلطت المعايير وتعددت وسائل التعبير وأطلق العنان للحرف فلم يعد هناك كابح يكبح صوت الإنسان في هذا الفضاء أو يرده.
وأمام هذه الحرية المطلقة وموجة الفوضى العارمة التي اجتاحت هذا الفضاء الأثيري الذي يصعب جداً السيطرة عليه وجدت الحكومات العربية أنها في مأزق كبير فهي من ناحية وجب عليها أن توقف هذه الموجة وتتصدى لها ومن ناحية أخرى تدرك أن السيطرة غير ممكنة وأن كل محاولاتها قد تؤذي في الغالب إلى نتائج عكسية تخالف كل توقعاتها. ورقة مقدمة من هالة المصراتي في اليوم الثاني للمؤتمر العربي الأول حول الإعلام الإلكتروني الموافق 4-11-2007 م في المائدة المستديرة