الخطيب، من مدرسة المنصور الابتدائية إلى رئاسة جامعة المثنى

بقلم: صباح علي الشاهر

غريب أمر هذا الزمن، أحداث جرت قبل ما يقارب النصف قرن تخطر ببالك وكأنها جرت البارحة. صورة معلم الرياضة في مدرسة المنصور الابتدائية غازي الشيخ موسى الخطيب بسماحته وطيبته وابتسامته التي لم تفارق شفتيه، وتواضعه الجم، هذا التواضع الذي سيرافقه طيلة حياته حتى بعد أن أصبح عالماً مرموقاً يُشار له بالبنان. عجيب هذا الزمن السيّال المتموّج، يداهمك فجأة من حيث لا تحتسب بأدق التفاصيل.
كان الصديق غازي مولعاً وبشكل مبكر بالتعليم، كنا طلاباً في الثانوية وكان معلماً على سن ورمح، لكننا رغم الفارق كنا أصدقاء نلتقي ونتناقش في الثقافة والفكر. لم يكن يفصل ثانويتنا عن مدرسة المنصور حيث يعمل غازي سوى بضعة أمتار، كنا شلّة من المولعين بالفن والأدب، نحرر جريدة الحائط في الثانوية، ونعد للنشاط المسرحي، ونراسل بعض الصحف بخجل وحياء، ونتمشدق بالسياسة، وكان غازي المولع بالتعليم يحلم بإقامة صروح تعليمية في المدينة. كانت أحلامنا سهلة التحقيق، يمكن تحقيقها بجهد فردي أو جماعي بسيط، أما أحلام غازي فكانت شبه مستحيلة.
ربطت عائلتي وعائلة غازي صداقة متينة، كان المرحوم الشاعر الكبير عبدالحسين الشيخ موسى الخطيب (أبو علي)، شقيق غازي الأكبر، أقرب الأصدقاء للوالد. كان يتعهد العائلة أثناء سفر الوالد إلى البادية حيث كان يعمل، كان مصروفنا اليومي يأتينا من العم عبدالحسين، وكان معلمي وولي أمري طيلة سفر الوالد، مازلت حتى هذه اللحظة أحس بامتنان كبير لهذا الرجل الكبير الهمة، المثقف الواسع الإطلاع، والشاعر الذي لا يُجارى. منه تعلمت حب الكتاب، والولع بالأدب. كنت أقضي أغلب أوقات فراغي في دائرة الزراعة، التي كان الشاعر عبدالحسين مديرها، أنزوي في ركن باحة الدائرة وأنصرف لقراءة ما يقع تحت يدي، أتذكر أنه ذات يوم أكملت الكتاب الذي كان في يدي، ولم أعرف ماذا أفعل، أحس العم عبدالحسين بما أنا فيه فأعطاني مخطوطة لقراءتها، كانت المخطوطة عبارة عن كتاب كبير من تأليفه كان عنوانه على ما أتذكر "الرد على ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة"، كان الكتاب من الكتب التي لم أعتد عليها. عندما سألني ما رأيك به قلت بدون تفكير: مُتعب.
فيما بعد نُشر الكتاب وكان من المؤمل أن يتبعه الجزء الثاني، ولكن ثمة أمور كثيرة جرت، مُعقدة وعجيبة، غيّرت كل شيء، وغيرت العم أبو علي أيضاً، هذا الذي وضّف شعره ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز لنصرة الجمهورية والعمال والفلاحين. كان يوم فوز قصيدة العم عبدالحسين بجائزة أفضل قصيدة، على نطاق الجمهورية في برنامج المرحوم زاهد محمد الذي كان يُذاع من إذاعة الجمهورية العراقية يوماَ مشهوداً بالنسبة لي شخصياً، لقد أصبح من أحب وأقدر أبرز شاعر شعبي في الجمهورية. لم يكن العم عبدالحسين شاعراً شعبياً فقط، بل كان شاعر قريض من الطراز الفريد، ومؤلف واسع الإطلاع. فيما بعد إلتقيت بالعم عبدالحسين في بغداد وكان قد خرج من سجن نقرة السلمان تواً، وكنت أنشر كتابي الموسوم "الشعراء الصعاليك ثوار العصر الجاهلي" على حلقات في جريدة "كل شيء" الإسبوعية البغدادية، سرني أنه أطلع على الحلقات المنشورة، يومها أبدى ملاحظات هامة إستفدت منها كثيراً، وجعلتني أجري تغييرات هامة على الحلقات الباقية. ولا أدري لماذا سألته : ماذا جرى للجزء الثاني من كتابك عن إبن أبي الحديد، نظر لي مستغرباً سؤالي هذا، ثم قال: كان ذاك زمان ياولدي، ثمة ما هو أهم من تتبع سقطات أبن أبي الحديد الآن.
غازي الخطيب من أسرة توارث أبناؤها العلم والأدب، فالوالد خطيب والأخ شاعر ومثقف لا يجارى، وغازي عالم ومربي فاضل.
أتذكر بعد عودة الدكتور غازي من ألمانيا أننا كنا نلتقي في الحيدرخانة في دكان المرحوم فيصل عبد علي، كان فيصل الذي لم يحالفه الحظ في الدراسة يعمل مكوجياً، والغريب أن البرفيسور العالم كان يساعد فيصل في كوي الملابس عندما يذهب فيصل للغداء أو لأي شأن من شؤونه. لقد لازمه تواضعه الذي قلَّ نظيره حتى وقد أصبح كادراً متقدماً، سياسيأً وعلمياً. وأتذكر يوم ذهبنا لأستقبال زوجته الألمانية في مطار بغداد بالقرب من المحطة العالمية، كيف اتخذنا طريقنا من المطار إلى شقته من خلال لا الطريق الأقصر وإنما الطريق الأبعد ولكن الأجمل، نزولا عند نصيحة فيصل كي ترى الزوجة الألمانية جمال بغداد. شيئان إستلفتا إنتباهي وقتها، الأول تساؤل الصبي ابن الدكتور غازي وهو يضع أولى قدميه في أرض العراق عن الرمان، ولم يكن الموسم وقتها موسم رمان، والثاني كون بغداد لم تعجب الزوجة الألمانية، فيما بعد قررت الزوجة العودة إلى ألمانيا مع ولدها، فيما فضل الدكتور غازي البقاء في العراق، فهو أبن العراق ومنذور له. كان غازي من تلك القلة التي تحدت الصعاب، وقاومت إغراءات الهجرة، ليس في الستينات فقط، وإنما حتى بعد أن أصبحت الهجرة ظاهرة طبيعية في أواخر السبعينات، وكان لموقفه هذا تبعات كثيرة تحملها العالم الجليل بكل صلابة وإقتدار.
واليوم ها هو الدكتور غازي يحاول تحقيق ما حلم به بجعل جامعة المثنى التي يترأسها صرحاً علميّاً حقيقيّاً، ولكن هل يسمح له الرهط المتخلّف بتحقيق حلمه هذا؟
إنه يسعى لإفتتاح كلية الطب، وكلية الهندسة بعد أن وفر الكوادر العلمية الكفوءة، وما أكثرها في المحافظة وخارج المحافظة، وعلى إمتداد أرض الله الواسعة. إنه صراع نبيل بين النور والظلام، التطور والتخلف، الثقافة والجهل، فهل يبقى العالم الجليل لوحده في الميدان، أم أن على الأقلام الحرة في كل مكان، والإرادات النبيلة دعمه ودعم مسعاه النبيل.
دكتور غازي، سيتحقق حلمك النبيل بفضل الإرادة والإصرار، ودعم الأحرار والخيرين في كل مكان، فعندما نكون بين الموت والحياة لا يكون ثمة من خيار. صباح علي الشاهر