الرَّسّامة

قصة: علي القاسمي
ها أنت تقفين باسمة

ها أنتِ تقفين باسمة متألِّقة وسطَ قاعة العرض، ساعةَ افتتاح معرضكِ، تُحيط بك لوحاتك الزيتيّة كما تحفّ النجوم اللامعة بالبدر المنير في ليلة ربيعيّة صافية الأديم عليلة النسيم.
يدخل المدعوّون من عِلية القوم والمثقَّفين إلى المكان، يقفون عندك محيّين مهنئين، ثم يطوفون حول لوحاتك واحدة واحدة، محدّقين فيها متأملين، يقتربون منها ويبتعدون، وهم ينظرون وينظرون، ثم يعودون إليك، ليغدقوا كلمات الثناء والإطراء عليك، كما تُنثَر الورود على عروس حسناء في ليلة زفافها، فترتسم ابتسامة حييّة على عينيكِ وشفتيك.
ها أنتِ تنتصبين راضية مشرقة المُحَيّا في قلب دائرة الضوء. يسلِّط مندوب التلفزة أضواء الكاميرا عليك فيغتنم مندوبو الصحافة الفرصة ليجتمعوا حولكِ لالتقاط عشرات الصور لكِ. ويطوّقكِ مراسلو الصحافة والإذاعة والتلفزة كما تطوّق حباتُ عِقد لؤلؤ ثمين جِيدَ غانية هيفاء، ويمطرونكِ بأسئلتهم واستفساراتهم، فتجيبين وأنتِ تمحّصين كلَّ كلمة تتفوهين بها، وابتسامة محببة تغفو على خديك:
ـ نعم، أُفضّل تصوير الناس على مجرد نقل المناظر الطبيعيّة؛ لأنّ الطبيعة لا وجود لها بدون أناس يسكنون فيها، ويحيون عليها، يزيدونها جمالاً ويمنحونها لوناً ومعنى.
ـ موضوعي الرئيس المرأة؛ لأنّني أعرفها جيّداً، وأعيش معاناتها، وأحسّ مشاعرها، فيسهل عليّ تصويرها.
ـ ظهورُ المرأة المكثّف في لوحاتي تعويض عن اختبائها حبيسةً خلف جدران المنزل.
ـ معظم ألواني قاتمة في انتظار خروج المرأة إلى ضوء الشمس، ومشاركتها في الحياة العامّة، وآنذاك ستغدو ألواني زاهية، كألوان أزاهير الربيع على ثوب غجرية.
ـ لا أتقيَّد بمدرسة فنيّة معيّنة؛ وأستثمر الأسلوب الذي يساعدني على التعبير عن انفعالاتي الداخليّة وإبلاغها إلى المشاهد.
ـ جميع موضوعاتي مستقاة من قضايا وطني؛ لأنّني أؤمن بأنّ الفنّ لا يستطيع أن يقف على هامش الحياة ويكتفي بمحاكاة الطبيعة، وإنّما عليه أن يقود معركة البناء والنماء لما يتوافر عليه الفنان من نظر ثاقب ورأي راجح.
وتتفحّصين وجوه مستمعيك من الصحفيّين والفضوليّين لتري وقْع كلماتك عليهم، وتشعرين بالارتياح حين تلمحين علامات الإعجاب تتطاير من صفحات وجوههم، كما يتطاير رذاذ الماء من صفحة بركة راكدة بعد أن ألقى فيها طفل عابث بحجر كبير.
اليوم تثأرين لنفسكِ من كلّ سنوات الجدب التي أرهقتك وامتصّت نضارة وجهك. اليوم تنتقمين من جميع ليالي الحرمان التي عذّبتك واغتالت ضحكتك وشبابك.
في تلك الليالي الكالحة، كان الخوف يسهّدك والظنون تؤرّقك حتّى الفجر. وكنت ترتدين الشوق، وتتدثّرين بالحنين، وتتقلبين على فراش الوحدة كما تتقلّى دجاجة على نار مستعرة. وتنهضين لأداء صلاة الصبح تتضرعين إلى الرؤوف اللطيف.
وعندما كان يغمض لك جَفْن قبيل بزوغ الشمس، كنتِ تتوسّدين القلق وتفترشين الهمّ وتعانقين الفِكَر، فيضطرب غفْوكِ بكوابيس السجن والمنفى والموت، فما تلبثين أن تفيقي مذعورة، وتتلمّسي زوجك بجانبك في الفراش فلا تجدين إلا الفراغ. وتعودين إلى الوعي بالواقع الأليم: إنّه لم يعد معكِ.
وتطرق الشرطة بابكِ بعنف كلّ يوم، تسأل، وتفتّش، وتبحث عنه حتى في خزائن الملابس وصناديق الأثاث، ويبعثر أفرادها كلَّ شيء في المنزل، ثم يصفِقون الباب وراءهم ليتركوكِ تغالبين الدمع في مآقيكِ، وتهدّئين من روع طفليك، وتتساءلين: أحقّاً، كما يقول الرفاق، أفلتَ زوجي؟ تُرى هل وصل إلى مكان آمن؟ وأين هو الآن؟ ومتى يعود؟ ويفترس الانتظار الطويل فؤادَكِ كما يفترس نسر جارح عصفوراً كسيرَ الجناح. وتظلّين تنتظرين طيف رسالة يحملها أحدهم من المنفى، شهراً بعد شهر، وتردّدين: متى يعود؟ متى يعود؟ فيجيبك صدى صوته:
عدّي السنينَ إذا رحلتُ لعودتي ** ودعي الشهورَ فإنّهنّ قصارُ
ويتجنّب منزلَك الأجانبُ والأقارب، فلا يطرق أحد بابكِ خشية التهمة والاستجواب والملاحقة، وتنضب مدّخراتك بعد وقت يسير، وتأخذين ببيع مصوغاتك القليلة لإطعام طفليك ومواجهة نفقات دراستهما. وتذوقين مرارة العوز والفاقة بعد أن تجرّعتِ كأس الهمِّ والحرمان.
كان يقول لكِِ لا بد من التضحية في سبيل تحرير الوطن من الاستعمار. كان هو المناضل المكافح المستعدّ للتضحية بحرّيّته من أجل حريّة الوطن، ولكنّكِ اليوم أنتِ التي تضحّين براحة البال والهناء وحتّى بأبسط مقوِّمات البقاء.
وتزحف سنوات الحرمان والجدب والعذاب عليكِ بطيئة طويلة، كما تزحف أفعى سامّة على جسد فتاة مستلقية تحت مَنسِم الهلع. وترحل تلك الأعوام حاملة معها نضارة وجهكِ وعزّ شبابكِ. ثم يضطرّ المُستعمِر إلى مغادرة البلاد.
ومع تباشير الاستقلال يعود زوجكِ من منفاه ليُصبح وزيراً في أوّل حكومة وطنيّة، ويظلّ يتقلّب في المناصب السامية، وتواصل وسائل الإعلام نشر تصريحاته السياسيّة ومقالاته الفكريّة وأنباء أنشطته المختلفة مصحوبة بصوره الباسمة.
ويقطف أنواع التكريم وأصناف التبجيل، حتّى يغدو اسمه والشهرة توأمين أُرضِعا بلبان واحد. أمّا أنتِ فكان يُـشار إليك، عندما تستقبلين ضيوفه وزملاءه أو ترافقينه في مهمّاته ورحلاته، بعبارات مثل "عقيلة معالي الوزير" و"حرم سعادة السفير" و"زوجة سيادة المستشار" و"حليلة الكاتب المجاهد".
وبعد مدة يرجع ولداك من دراستهما في جامعات الغرب يحملان أرقى الشهادات، وتقيمين الاحتفالات بتخرُّجهما من الجامعة، وتوجَّه التهاني إلى الدكتور والمهندس. أمّا أنتِ فيُشار إليكِ بعبارات مثل: "أُمّ الدكتور"، و"والدة المهندس". ثم يتزوّج ابناكِ، فيغادران المنزل، وتبقين أنتِ - كما كنتِ- مجرّد ربّة بيت تُعدّ الطعام لبعلها وتنظِّم الولائم التي يأمر بإقامتها، وتسهر على راحته وتلبية طلباته.
وتسأمين الظلّ وتتوقين إلى وهج الشمس. ويضطرب في أعماقك طُوفان من الانفعالات والأحاسيس، ويعتمل في داخلك سيل من المشاعر والأفكار. وتبحثين عن قناة لجريان ذلك الطُّوفان وانسياب هذا السيل.
وتفكِّرين بالكتابة وسيلة، بيد أنّك تخافين أصوات اللغة وألفاظها، فهي تُفصِح بأكثر مما تسمحين به، وتصرّح بأعلى مما ترغبين فيه.
ويقع اختياركِ على الرسم، إذ يمكنكِ أن تخفّفي من ألوانه ونصوعها، وتقلّلي من خطوطه وحدودها، وتنالي من صُدق المنظور حتّى يبدو كأنّه بمنأىً عن الواقع. وهكذا تستطيعين أن تعبّـري عن مشاعركِ بلا تصريح، وتُعربي عن خلجاتكِ دون صراخ، وتلمحّين إلى إحباطاتكِ من غير ما كلام.
كان لا بُدّ لكِِ من أن تتعلَّمي أصول الرسم وقواعده. وقالوا لك: كيف تستطيعين تعلّم ما يتعلّمه الصغار وأنتِ ودّعت سنوات الصغر منذ وقت طويل.
ولكنّكِ كنتِ في صَمم عمّا يقولون. وأبحرتِ في رحلة معاناة جديدة؛ لم تثبّط عزمك الرياح، ولم تنَل من مثابرتك الأمواج. وأمضيتِ الساعات الطويلة تمزجين لوناً بلون بحثاً عن لون جديد، كما يُمضي الكاتبُ الليل كلَّه في الغوص في أحشاء اللغة وهو يفتِّش عن حرف شارد أو لفظ تائه ليضمّه إلى لفظ آخر في تعبير مبتكر.
وأوصدتِ باب غرفتك عليك، شهراً بعد شهر، تعدّين لوحاتكِ لوحةً لوحةً بأناة وصبر.
والآن، ها أنت تقفين باسمة متألِّقة في وسط قاعةِ العرض، وجميعهم يشير إليكِ أنتِ، ويسمّيكِ باسمكِ أنتِ، ويتحدّث عن أعمالكِ أنتِ. د. علي القاسمي