وحدة العراق وتماسكه مصلحة تركية!

بقلم: جمال محمد تقي

"من لا خير له في اهله لا خير له في جاره"
القول اعلاه يوصف حالة اللا خير التي تميز المسلك غير السوي للقيادات الكردية في شمال العراق ومنذ زمن ليس بالقريب، وللأسف لم تستفد هذه القيادات من التجارب المريرة والمكررة على طول وعرض التاريخ الحديث، والتي تعلم حتى من به لوثة، من ان مصير شعب الوطن الواحد هو واحد في السراء والضراء، وان من يريد العدل لنفسه عليه ان يعدل مع الاخرين، وان الاستقواء بالاجنبي، والعمل لحسابه على حساب الاوطان وشعوبها هو جريمة لا تغتفر مهما كانت المبررات والذرائع، فاذا وجدت غايات شريفة فانها لا تتحقق الا بوسائل شريفة !
وان اكبر المتضررين من نهجهم الانعزالي الاهوج هذا هم ابناء الكرد الابرياء، فطريق انتهاز الفرص الطارئة ليس هو الطريق التاريخي لصناعة دول وامم، ان للضرورات الموضوعية احكامها والتي لا تغيرها الرغبات الارادوية او النزعات الفردية او العشائرية او العقائد السياسية، رومانسية كانت ام ثورية ام ارهابية. وهذه الاحكام تؤكد ان المسار الوحيد القابل للتواصل التاريخي سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا والذي يؤمن مصائر الاجيال القادمة بالتكامل مع سمات العصر الحالي هي أمم الاسواق المفتوحة، والمنضبطة لصالح اقتصادها السياسي الوطني، والتي تؤطرها اوطان اوسع من جحور العروق والطوائف والعشائر او المعاشر، حيث تذوب بها جميعا مكونة ارضية مؤهلة للتمدن والحداثة وتكون مستعدة للتمازج الاكبر، وهنا فان الاوطان القائمة هي حاضنة طبيعية لهذه الانطلاقة، واذا اخذنا الوطن العراقي نموذجا فانه سيكون مثاليا في الانطلاقة هذه، فهو مكون تاريخي طبيعي يتمتع بكل صفات التكامل الجغرافي والاقتصادي والبيئي والثقافي والسياسي!
ان استثنائية خارج نطاق الضرورة التاريخية، التي لاتحددها الا جغرافية الوطن واقتصاده وطرق معاشه وثقافته، لا تفرض حتميات، فالاستثناء طارئ، وعابر سبيل، كحالة فقاعية لا تفقس غيرنهايتها في الظاهرة التي سببتها، واذا جاز لنا الاستثناء فاننا نعتبر ان الاستثناء الوحيد القابل للتراكم في الحالة الكردية من جراء تكرار الدور المجتر لارادة ورغبة واطماع القيادات العشائرية المضللة لابناء الشمال من الاكراد هو استثناء تضخم الفوائد والعوائد النازلة الى جيوبهم جراء ادوارهم المأجورة والمسلطة بالقوة والافساد على المنطقة الشمالية وما حولها، ان مغامراتهم والتي تصل ببعض مناحيها درجة المقامرة لا تكلفهم في حالة الخسارة غيربعض ما حصدوه من مكاسب ثم شد الرحال الى حيث مهاجر الحسابات المنهوبة على امل العودة مجددا للاستثمار في مراعي النشئة، هذا هو ديدنهم حين ينتهي موسم الحالة حيث تفقس الفقاعة، ويسقط مفعول الاستثناء من التاريخ !

ليس لهؤلاء خير في قومهم ـ الاكراد ـ ولا خير لهم في بلادهم العراق وشعبها، بل لهم شرورا يتلمسها القريب والبعيد من ابناء جلدتهم ومن ابناء عموم اهل العراق من تأمر وعمالة وارتزاق وتجحش، فاذا استثنينا افعالهم السابقة وجرائمهم ضد ابناء عشائر السورجية والهيركية والزيبارية، واذا استثنينا تصفياتهم الجسدية للمناوئين لهم من اسلاميين ويساريين ووطنيين، ودورهم القذر اثناء الحرب العراقية الايرانية حيث كانوا هم وراء ماحصل من خسائر فادحة بارواح المدنيين في قضاء حلبجة الحدودي حينما كانوا عونا للجيش الايراني وقوات حرس الثورة، لقد قدموا لهما العون، بل قاتلوا معهم لدخول المنطقة، وعندما جاءت القوات العراقية، عملت على التصدي لهم ومنعهم من احتلال المدينة، وطلبت من السكان المدنيين اخلاء مساكنهم الى منطقة آمنة ومحروسة من قبل الجيش العراقي لكن انصار جلال الطالباني تحديدا عرقلوا الاخلاء وكذبوا البيانات العراقية التي كانت تلقى من الجو، لتحذير الاهالي من قرب المواجهات مع الجيش الايراني وما يمكن ان تؤديه تلك المواجهات من اضرار خاصة وان رغبة المتهورين من حكام ايران بنصر سريع يجعلهم يتجاوزون كل حدود ومحرمات ومنها استخدام العوامل الكيمياوية، وفعلا حصلت المواجهات وفر انصار الطالباني الى الجبال بعد ان عرقلوا حركة الاهالي الذين راحوا يتجاوبون مع نداءات الجيش العراقي، وبعد تقهقر القوات الايرانية وومن معها من انصار فيلق بدر وبيشمرقة الطالباني، جرى الانتقام من القطعات العراقية بقصفها كيميائيا وايضا تم تبادل القصف العشوائي الذي ادى الى سقوط عدد كبير من القتلى بين المدنيين في المدينة ذاتها، ولم يكتف جلاوزة الطالباني بما فعلوه بل تسللوا الى المدينة المنكوبة ليسرقوا ما سهل حمله وغلى ثمنه من بيوتها المهجورة!
اما ما حصل من اقتتال على الثروة والسلطة والنفوذ في المحافظات الشمالية الثلاثة السليمانية واربيل ودهوك بعد ان وسعت امريكا الطريق لعبثهم من خلال اطلاق ايديهم فيها مستغلة الظروف الصعبة التي عاشتها الدولة العراقية وقتها، فحدث عنه ولا حرج حيث ذهب وقتها الالاف من المدنيين الاكراد ضحايا ابرياء لمعمعانات الاقتتال الميليشياوي بين بيشمرقة الطالباني والبارزاني، وبعد ان عقدوا هدنة يتناصفون فيها النفوذ فيما بينهم على مناطق سوران وبادينان وبدفع مخابراتي امريكي اسرائيلي لاجل تهيئة الظروف اللوجستية الملائمة ميدانيا لغزو العراق الذي ازف موعده، حدث اقتتال شرس بين جماعة البارزاني وجماعة حزب العمال الكردستاني التركي، تملقا لتركيا ومحاولة لطمأنتها، وايضا كتعبير عن نفور البارزاني وجماعته من اي منافسة كردية تركية لتطلعاتهم التي لايربطها رابط بأي مصلحة وطنية او قومية، واستعداده للتحالف مع الشيطان للقضاء عليها اذا كان وجودها لا يخدم اغراضه الشخصية في بسط النفوذ والسلطة !
والان وبعد الاحتلال الامريكي للعراق وتصفية دولته تطاول البارزاني باوهامه التي رسمت له سرابا مكللا بغار الدولة غير المعلنة والمحمية امريكيا والمتحوطة لنفسها باوراق ضغط على دول جوار العراق وخاصة تركيا وسوريا، فعاد حبل الوصل مع اعداء الامس "جماعة اوجلان" واخذ يهدد ويتوعد من يقف بطريقه، وفعل ذات الشيء مع سوريا حيث مد خيوط عابرة للحدود مع جماعات كردية مناوئة للنظام في سوريا وهرب لها السلاح والتمويل لاثارة القلاقل فيها، وهذا ما حدث بالفعل ـ اضطرابات القامشلي ـ ولم تكن الايادي الاسرائيلية الخفية بالبعيدة عن هذا كله ! من هم الابعدون والاقربون من العراق ؟ : اعداء العراق وشعبه هم المحتلون الامريكان وحلفاؤهم، واسرائيل ونهجها التخريبي التوسعي، ومن يسعى الى تمزيق العراق عنصريا وطائفيا خدمة لمصالحه الضيقة !
اما الاقربون فهم كل شعوب المنطقة التي ثارت ثائرتها ضد احتلال العراق وتخريبه، وكل شعوب العالم المتضامنه مع نضال المقاومة العراقية الباسلة التي تسعى لدحر الاحتلال ومشاريعه التقسيمية ومن والاه من المرتزقة، الاقربون حكومات الدول الجارة التي رفضت عبور القوات الغازية من اراضيها واعلنت مواقفها قولا وفعلا بالضد من الحرب على العراق وغزوه، وتحديدا سوريا وتركيا، اضافة الى اغلب دول العالم غير الاسيرة للقرار الامريكي!
ليس لوجود اقطاعيي شمال العراق غير الضرر على وحدة العراق وشعبه، ومن المسلم به ان وجودهم ضرر على وحدة ابناء عشائرهم في الشمال ابتداء!
عليه فان هذا الضرر سينعكس على الدار والجار، وحتى لا يصيبنا وجيراننا مكروه علينا معالجة الاسباب قبل النتائج، والاسباب في الحالة العراقية هي احتلال العراق وضعف دولته المركزية وسيطرة الانفصاليين العنصريين والطائفيين على السلطة فيه، تحت راية هي الفتنة بعينها راية الفدرالية .
لا تكون صادقا ومتسقا مع ذاتك وانت تدين دولة جارة لانها تشعر بالخطر من مسلسل تمزيق العراق فتتحرك غير عابهة بالمحتلين واعوانهم، نعم الوطنية تستدعي ادانة اي مساس بسيادة الوطن ولكن الوطن منزوع السيادة، فالاولى استرجاع السيادة ثم العمل للدفاع عنها وليس العكس !
لتخرج كل القوات الاجنبية من العراق، ليكف الجميع عن التدخل بشؤون العراق لندافع جميعا عن حرية العراق ومنعته، لنتصدى للتدخل الامريكي والايراني واخيرا التركي بشؤون العراق ومقدراته ومصيره وليس العكس!
نعم وحدة العراق وتماسكه مصلحة تركية!


جمال محمد تقي