أين الطريق إلى منزلي؟

قصة قصيرة بقلم: ساسي حمام
لن أستطيع الرجوع

احتلت القوارير الخضراء الفارغة الفضاء حولنا واعتلى بعضها الطاولات أمامنا وتخففت الصحون ممّا كان يثقلها من مآكل متنوعة وتناثرت بعض فضلات الخبز واللحم والبيض والعظام هنا وهناك، فرغت الكؤوس إلا من بعض ثمالات شبع أصحابها وتصاعدت في القاعة أعمدة الدخان والتفت حول المصباح المتدلّي من السقف غلالة رمادية فخفت ضوؤه وظهر بعيداً .. بعيداً .. وتدلت الرؤوس على الصدور وترنحت على الأكتاف أو استقرت على الطاولات.‏
تفطن أحدهم إلى ساعته فرفع يده، نظر في الساعة ملياً. أخفض رأسه حتى كاد يدخل الساعة في عينيه. لم يستطع أن يميّز شيئاً. قال بصوت متمطط:‏
ـ لقد شربنا كثيراً. لقد تأخرنا كثيراً هذه الليلة‍‍!‏
سأله الجالس بجانبه:‏
ـ كما الساعة الآن؟‏
ـ لا أدري. ولكنني أعرف أننا تأخرنا كثيراً عن موعد رجوعنا المعتاد. سادت الفوضى من جديد. جرى كل واحد وراء بعض الذكريات التي طالها الزمن فبهتت وفقدت طعمها ونكهتها وطرافتها يرويها لنفسه. يتكلمون في نفس الوقت. كانت الأصوات مبحوحة منطلقة من فجاج سحيقة. غليظة صادرة من وهاد عميقة.‏
انقطع أحدهم عن الكلام وتحامل على نفسه ووقف صائحاً في الآخرين:‏
ـ هيا لقد تأخرنا كثيراً. لنرجع إلى منازلنا.‏
وقف الآخرون واتجهوا نحو باب الغرفة إلا واحد رمى رأسه على الطاولة ووضع وجهه بين يديه وأجهش بالبكاء. تراجعوا .. تحلقوا حوله ... وضع أحدهم يده على كتفه بلطف وسأله:‏
ـ ما بك؟ ما سبب بكائك؟‏
ـ أنتم سترجعون إلى منازلكم. وأنا ماذا سأفعل؟‏
ـ سترجع مثلنا إلى منزلك!‏
ـ لا أستطيع لقد نسيت أين تركت السيارة.‏
ـ تتركها في مكانها وترجع راجلاً وغداً عندما تتذكر أين وضعتها تأخذها.‏
ـ قلت لك لا أستطيع. يجب علي أن أتذكر مكانها.‏
شرع كل واحد يذكر مكاناً يعرفه يمكن أن يضع فيه صاحبهم سيارته وهو ما انفك يردّد .. لا أعرف .. لا أعرف .. لا ... لم أسلك هذا الطريق.‏
نفذ صبر أحدهم فصاح في وجهه:‏
ـ أكل هذا من أجل خردة لا تساوي شيئاً.‏
قال آخر:‏
ـ لا تخف عليها لن يأخذها أحد ولن يتجرأ أحد على سرقتها لو مكثت هناك مئات السنين. فمن يطمع في مثل هذه السيارة ... إنها مصيبة ستحلّ على كل من يسرقها.‏
ـ أعرف ذلك وأكثر ولكنني لن أستطيع الرجوع إلى منزلي إلا إذا ركبتها.‏
إنها هي التي ستقودني إليه ... أعرفتم الآن لماذا لا أستطيع الرجوع إلى منزلي راجلاً؟‏ ساسي حمام ـ تونس