رئاسيات لبنانية على ايقاع 'الروليت الروسية'!

بقلم : فيصل جلول

لم يستأثر استحقاق انتخابي في العالم بهذا القدر من التصريحات والمناورات السياسية والعسكرية والزيارات الاقليمية والدولية كالاستحقاق الرئاسي اللبناني. لقد حضر في مؤتمر اسطنبول لدول الجوار العراقي عبر لقاء فرنسي ـ سوري وعبر مؤتمر لوزراء خارجية الاردن ومصر والامارات والسعودية والولايات المتحدة والجامعة العربية. وحضر في جولة خادم الحرمين الشريفين الاخيرة من بريطانيا حتى الفاتيكان. وفي بعثة رئاسية فرنسية رفيعة المستوى ارسلها نيقولا ساركوزي الى دمشق للقاء الرئيس بشار الاسد للمرة الأولى منذ العام 2004. وفي الجولات التي يقوم بها المبعوثون الايرانيون وفي الحوار الثنائي بين النائبين سعد الحريري وميشال عون في باريس وعبر بيان مشترك للترويكا الاوروبية وضمن وساطة سويسرية وأخرى ألمانية ومن خلال جولة جديدة لمبعوث الجامعة العربية ناهيك عن تصريحات تصدر بين الحين والاخر عن الاتحاد الاوروبي والكرملين والبيت الابيض و10 داوننغ ستريت وصولا الى .... الصين. وتكاد الدول الكبيرة التي لم نسمع لها رأيا حتى الان في الاستحقاق الرئاسي اللبناني تنحصر في الهند وباكستان واندونيسيا... هذا عن الرأي والتصريحات والمواقف السياسية واللقاءات الدبلوماسية.
ذلك أن الاستحقاق الرئاسي اللبناني استأثر ويستأثر أيضا بمناورات حربية تدور على هامشه أو تنسب اليه عبر الحديث المتزايد عن انشاء قاعدة عسكرية روسية في ميناء اللاذقية السوري تقابلها شائعات وتسريبات صحافية عن انشاء قاعدة عسكرية امريكية في بلدة القليعات اللبنانية وأخيرا وربما ليس آخرا نظمت المقاومة اللبنانية مناورات بالاف المقاتلين على طول الحدود الجنوبية اللبنانية ردا على مناورات عسكرية إسرائيلية في الجليل الاعلى قدر عدد المشاركين بأكثر من خمسين الف عسكري تقول المقاومة ان القسم الاكبر منهم مازال في مواقعه.
ينعكس حجم كل هذه المناورات واللقاءات والمواقف الخارجية في السجال الانتخابي اللبناني اليومي بين المعارضة والموالاة مباشرة أو عبر وسائل الاعلام الى حد أن الرأي العام اللبناني صار بوسعه قياس مدى صعود أو هبوط أسهم هذا الطرف أو ذاك في "بورصة" القوى الخارجية لذا صار من غير المستبعد أن تسمع بقالا لبنانيا يستخلص اثار لقاء هذا الزعيم المحلي أو ذاك مع رئيس دولة عظمى على مصير دكانه أو أن يرسم سائق سيارة أجرة ملامح الرئيس اللبناني المقبل في ضوء تصريحات خارجية وصلته عبر موجات الاثير.
هذا الانشغال العالمي بالاستحقاق الرئاسي اللبناني يصب الماء في طاحونة بعض الايديولوجيين اللبنانيين الذين يزعمون أن "العبقرية اللبنانية" هي التي تضع هذا البلد الصغير في مقدمة المسرح الدولي بحيث تستأثر استحقاقته السياسية بعناية أصحاب القرار والسيادة وهي التي تتسبب بهذه "الزحمة" الدولية حوله ما يذكر بمطلع الاغنية الشعبية الشهيرة " لبنان شو لبنان. هاالكم أرزة العاجقين الكون". واذا كان لبنان يتسبب فعلا بـ "عجقة" او "زحمة" اقليمية ودولية خلال استحقاقاته الرئاسية فمرد ذلك ليس إلى "عبقرية" ابنائه وانما لوقوعه على خطوط الصراع بين الغرب والشرق في القرنين الثامن والتاسع عشر ولوقوعه على حدود الكيان الصهيوني في القرن العشرين ما أدى ويؤدي إلى انقسام سكانه بين مؤيد ومناهض للاطراف الخارجية المتصارعة من حوله. ولو قدر لباحث محايد في التاريخ المعاصر أن يقارن بين أحداث العام 1860 الأهلية في جبل لبنان وبين ما يدور هذه الايام في بيروت لتبين له بوضوح أن جولات القناصل والسفراء الاجانب على منازل الطوائف والساسة اللبنانيين تشبه اليوم إلى حد التطابق "الفالس" الدبلوماسي الاجنبي على بيوت الزعماء اللبنانيين "العظام" والذي تنقله المحطات الفضائية اللبنانية والعربية بشفافية مدهشة مع فارق في تموضع الطوائف والتيارات السياسية اللبنانية بين الامس واليوم.
ومع ذلك لا يعدم اللبنانيون "عبقرية" ما في المخارج اللغوية لرئاسياتهم. فعندما اتفقت مصر الناصرية مع الولايات المتحدة الامريكية على الرئيس الراحل فؤاد شهاب في سياق هدنة اقليمية بين الطرفين قال اللبنانيون ان شهاب يوفق بينهم وانه يكرس صيغة "لا غالب ولا مغلوب" التي اعتمدوها كمخرج من حرب العام 1958 الاهلية. وعندما اختارت إسرائيل والولايات المتحدة الرئيس بشير الجميل ومن ثم اخيه الرئيس أمين الجميل في ظل الاحتلال الاسرائيلي للبنان قيل أنه رئيس "الامر الواقع". وعندما اختار السوريون الياس الهراوي رئيسا للجمهورية عشية حرب الخليج الاولى قيل انه رئيس "عروبة لبنان وسلمه الاهلي" واليوم يفرط اللبنانيون لغويا في الحديث عن رئيس توافقي تراه المعارضة اقرب الى استراتيجيتها وتراه الموالاة من صفوفها وللرائي من الجهتين عين على الصراع مع إسرائيل والحرب في العراق والموقف في سوريا ولكل من الطرفين "ملائكة" خارجية تحثه على الصمود بانتظار حرب او تطورات خارجية مقبلة تجعله سيد الموقف في "بلاد الارز" .
أكبر الظن أن الاستحقاق الرئاسي اللبناني لن يتم على قاعدة التوافق خلال ما تبقى من الشهر الحالي لان واشنطن لا تريد التوافق وتصر على رئيس من "فريق 14 آذار" يحاكي استراتيجية الرئيس بوش الذي اكد انه سيقاتل "الارهابيين على ارضهم" كي لا يأتوا إلى ارضه وهو يعتبر المقاومة اللبنانية إرهابية. ولان المقاومة تصر على رئيس لا يطعنها في جبهتها الداخلية حين تخوض مجابهة على الحدود مع العدو الصهيوني الذي يعتبر أن الحرب لم تنته مع حزب الله وان جولتها القادمة قريبة.
كان يمكن للبنان أن يختار رئيسا توافقيا لو أن القوى الوصية على اللبنانيين تعيش حالا توافقية ولو أن إسرائيل تخوض مباحثات سلام مع العرب ولا تتهيأ لاستعادة ما تسميه ب" القدرة الرادعة" وعندما يتعذر التوافق لا يبقى امام اللبنانيين إلا الحرب الاهلية وهي مستبعدة في المدى المنظور او تجميد الصراع على ميزان القوى الداخلي الراهن بانتظار تطورات خارجية لصالح هذا الطرف أو ذاك. لكن من يحترم "التجميد" ومن يحول دون اغتيالات جديدة واضطراب امني هنا وهناك على ايقاع شبيه بلعبة " الروليت الروسية".؟ هنا تنعدم " العبقرية اللبنانية " اللغوية وتقف مكتوفة الايدي.
فيصل جلول