أبو مازن وليس عبد ربه

بقلم : خالد منصور

لقاء انابوليس يقترب أكثر فأكثر، ومفاجآت كثيرة بانتظارنا، ومن المؤكد أن الأخطر في المفاوضات ليس ما سيطرح هناك في اللقاء على الطاولة، بل هو ما يجري الآن في الغرف الضيقة في تل أبيب والقدس، لان لقاء انابوليس لن يكون أكثر من لقاء احتفالي..
ومع اقتراب اللقاء تزداد مخاوفنا باضطراد تعززها التصريحات الصادرة من جميع الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والأمريكية، والتي تشير كلها - إلى صفقة سقفها أدنى بكثير من سقف توقعاتنا، تتلوى فيها خطوطنا الحمر، وتهتز فيها ثوابتنا اهتزازا عنيفا من المحتمل أن يؤدي إلى تدحرج بعضها.
ومع شديد القلق والارتياب - الناجم عن إخفاء المفاوضين للمعلومات أحيانا، وتضليلهم لنا أحيانا أخر - هبت علينا رائحة عفنة نتنة، وكأنها رائحة آتية من جيفة ضبع، زكمت أنوفنا وأصابتنا بالدوار، وذلك بعد أن سربت صحيفة معاريف الإسرائيلية ما قالت عنه انه تفاصيل وثيقة التفاهم الجديدة، التي صدرت عقب مفاوضات سرية ماراطونية، شارك بها رجال مبادرة جنيف الفلسطينيين والإسرائيليين.. والذين تناولوا في مفاوضاتهم جميع جوانب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ووضعوا تصورات شبه مكتملة للحلول في أصعب القضايا التي دأب المتفاوضون على تأجيلها( اللاجئون والقدس والحدود والاستيطان ).
وإذا ما صحت رواية معاريف فان أولئك القادة الفلسطينيين المشاركين باللقاء قد قرروا نيابة عن الشعب الفلسطيني كله، شطب حق عودة اللاجئين وأعلنوا تنازل الشعب الفلسطيني كله - وفي مقدمته السبعة مليون لاجئ، والتوقف عن المطالبة بتطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 ، والذي ينص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها،.. كما ووضع المتفاوضون حلولا لقضية القدس تتنافى كليا والمطلب الفلسطيني بزوال الاحتلال عنها كليا، وقسموا المدينة إلى أحياء عربية وأخرى يهودية-- يتولى الجانب الفلسطيني إدارة الأحياء العربية-- والجانب الإسرائيلي إدارة الأحياء اليهودية-- أما السيادة فستبقى إسرائيلية محضة..
ومصيبة المصائب لا تكمن في توقيع تلك الشخصيات الفلسطينية المعروفة منذ سنين، بأنها سمسار وعراب للحلول الأمريكية، (وهو ما فعلته حقا ونفذته حرفيا، بعد أن أبلغت رايس الرئيس الفلسطيني محمود عباس في احد اجتماعاتها معه، بان على الفلسطينيين إسقاط حق العودة)، ولكن المصيبة الأكبر تكمن في صمت رئيس الطاقم الفلسطيني للمفاوضات، وكذلك في مشاركة بعض مستشاري رئيس الوزراء الفلسطيني في تلك المفاوضات ( وهذا حسب رواية معاريف ) وهي الرواية التي لا يمكن لنا أن نكذبها إلا بعد أن ينفضّ غبار لقاء انابوليس، ونتأكد من خلو وثائقه من رائحة تلك الحلول المنتنة، وكيف لنا أن نكذب ما ورد في معاريف، وقد جاهر سابقا أطراف مبادرة جنيف بمواقفهم، ولم ينبري لهم حينذاك رأس هرم السلطة ليخرسهم أو ليكذبهم، أو ليبعدهم عن مراكز صنع القرار.. بل والمقلق المستفزّ-- أن رأس السلطة الحالي قد قربهم أكثر فأكثر، واسند إليهم مهمات حساسة ومصيرية.
لقد كان قيام عبد ربه بدحض ما أوردته صحيفة معاريف أمرا متوقعا، وهو فعل لا يكفي أبدا لتهدئة مخاوف الشعب، وهذا راجع إلى أن تلك المخاوف تغذيها سيرة هذا الرجل ومواقفه المعلنة صراحة في وثيقة جنيف.. لكن ما يهدئ الشعب أكثر، هو إقدام الرئيس أبو مازن شخصيا على مصارحته وذلك بالتحدث إليه مباشرة، لتوضيح موقفه من كل الأمور والقضايا.
خالد منصور