معضلة أسمها الانسحاب الأميركي من العراق ... التداعيات والاحتمالات!

بقلم: سمير عبيد

نعلم أنه موضوع شائك ومعقد جدا، لأن قول الحق والحقيقة فيه وحوله يقودك إلى مربع التخوين و الشتيمة من قبل الذين أصيبوا بالعشو السياسي، ومعهم الذين تحركهم العواطف وعن بعد، وبالتالي فأن هؤلاء من الصعب فهمهم، خصوصا وأن معظمهم لا يمتلكون البرامج ولا حتى القاعدة في العراق، فهم توزعوا بين الذين يريدون الانتقام، وبين الذين يحلمون بأحلام تفوق أحلام الذين هم الآن في السلطة، أما القسم المتبقي من هؤلاء فيعتقدون أن الحكم ما هو إلا إصدار أوامر وتنفيذ،وبالتالي فهو سهل جدا، لذا فأن هؤلاء معطلين (بفتح الطاء) ومعطلين (بكسر الطاء) وأن النقاش معهم يعتبر مضيّعة للوقت.

فالأمر المهم والذي تتفق عليه الأغلبية المطلقة للشعب العراقي هو إنهاء الاحتلال.

ولكن الاختلاف في الطريقة التي سينتهي بها الاحتلال البغيض، خصوصا بعد أن تمادى هذا المحتل ومن معه في عملية التخريب والتعقيد السياسي والمجتمعي والديموغرافي والديني والوطني والاقتصادي والأمني في العراق هذا من جانب.

ومن الجانب الآخر لقد عمل المحتل جاهدا لردم وتدمير جميع المرجعيات تقريبا (الدينية والقبلية والثقافية والسياسية والنقابية) ومن خلال الإفساد، والتلويح بالمناصب والمغانم والأموال والسلطات، وكذلك من خلال الحصار والترهيب، وبالتالي حدثت الضوضاء في العراق، فانعدمت الثقة بين الأعلى والأدنى، وبين الرمز والتابع، فتعطل العمل الجماعي نتيجة غياب نوعية القادة لأن قضية بروز القائد أصبحت عملية صعبة ومحفوفة بالمخاطر من قبل المحتل، وكذلك من قبل الذين ركبوا بعربة المحتل وأصبحوا بلا رحمة وبلا وطنية وبلا إنسانية في أغلب الأحيان، وكذلك من قبل المواطن نفسه، والذي فقد الثقة بالجميع تقريبا، وبالتالي تعقدت عملية إقناع المواطن وكسبه إلى جانب القائد.

لهذا لم تبق مرجعيّة يُعوّل عليها الشرفاء والمستضعفون والمصابون بداء عدم الثقة إلا المقاومة، ففي السابق كان عدم الكشف عن قادة وخطوط المقاومة ضرب من العمل السياسي الممتاز، ولكن الآن أصبح الأمر مختلفا، وبالتالي فكل يوم نسمع بقائد مقاوم يُلّمَع لبعض الوقت ثم يختفي، وحال بروز الآخر تقرأ في اليوم التالي بيانات تؤكد أنه لا يمثل إلا نفسه وهكذا، والقضية واضحة وهي إستراتيجية تحطيم المرجعية المتبقية في ذهن المواطن العراقي وهي ( المقاومة)، ولهذا صنعوا مقاومات على قياسات أميركية وغربية وعربية ولأهداف كثيرة، أهمها خلط الأوراق والرؤى على المقاوم الحقيقي، ومن ثم تحطيم الصورة الأسطورة التي ترسخت في ذهن المواطن العراقي والعربي وشعوب العالم عن المقاوم العراقي، خصوصا عندما يقدمون نوعيات متذبذبة على أنها تمثل المقاومة العراقية، ونتيجة ذلك كثرت العناوين والأسماء والاتجاهات والبيانات والبرامج لجهة واحدة هي مقاومة المحتل.

فنحن لا يعنينا من يقاوم لكي يتسلّط من أجل أن ينتقم، ولا يعنينا من يقاوم لأجل أهداف غير وطنية وغير نبيلة، ولا يعنينا من يقاتل كي يجعل العراق مركزا لأحلامه الطوباوية سواء كانت دينية أو سياسية، فنحن الذي يعنينا ونحن معه هو المقاوم الذي يدافع عن العراق من أجل إنقاذ العراق وشعبه، وفي داخل نفسه ليس مجرما ولا يؤمن بالقتل وتصدير الأفكار، ومن ثم لا يؤمن بالانتقام بل يؤمن بالنصر كي يؤسس عراقا عصريا ولجميع العراقيين، وحال نصره يمد يده لجميع الأطياف والفئات العراقية، ولا يقصي طرفا من الأطراف العراقية الوطنية،ومن ثم يمد يده للجيران ولدول العالم، وحتى إلى الولايات المتحدة من أجل بناء الإنسان العراقي ثم العراق، لأننا نصر ونؤكد بأن بناء البشر يجب أن يكون قبل بناء الحجر، فما فائدة أعادة تأـسيس وزارة ما وعلى أحدث التقنيات، وهناك الموظفون والعاملون الذين لديهم آلاف المشاكل والعقد والأمراض النفسية والعضوية والاجتماعية والذهن المحدود، فأن ما حصل ومنذ التاسع من نيسان / أبريل 2003 ولحد الآن ليس بسيطا إطلاقا، خصوصا وأن الحكومات التي جاءت والتي كانت جميعها لا تمتلك برامجا بخصوص المواطن، بل أن قسما منها جاءت ببرامج تدميرية للإنسان العراقي وبإصرار واندفاع مع صرف الملايين على هذا التوجه النشاز، والذي لا يختلف عن أفعال الإرهابيين الذين يفجرون المدارس والطرقات ليبتروا أطراف طفل، ويقطعوا ساق شاب فهؤلاء من الإرهابيين والمجرمين، ولكنهم لا يختلفون عن الذين يشوهون بأفكار وأدمغة الناس ليصيبوها بالتعطيل والعوق والإيقاف عن التفكير والانقياد إلى الخزعبلات والأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم جاءوا برسالة من السماء.

لهذا علينا ... الدخول بصلب الموضوع:
من هي الجهات المستفيدة من وجود واستمرار الاحتلال؟
الجواب:
أولا:
الأطراف التي هي في الحكم، ومنذ تأسيس مجلس الحكم سيء الصيت ولحد الآن، والذين هم من الائتلاف الطائفي الذي يوالي إيران مع التحالف الكردي وما تبقى إما تابع أو صامت أو إكمال للعدد.
ثانيا:
وإشارة إلى أولا.. فأن بقاء الاحتلال يفيد دولا وفي مقدمتها الكويت وإيران..أي يفيدها سياسيا واقتصاديا وإرضاء لأحقاد يقودها الثأر من العراق والعراقيين.

ثالثا:
وجود الاحتلال واستمراره يعود بالفائدة على فرق المرتزقة لتبقى على العقود والصفقات، وعلى خلايا وشبكات القاعدة، والإرهابيين، والمافيا، وتجار المخدرات والجنس، وعلى الشركات التي أخذت دورها نتيجة تخريب الخدمات في العراق وفي مقدمتها شركات الهاتف المحمول، والشركات التجارية( الاستيراد والتصدير) وغيرها.

رابعا:
استمرار الاحتلال يفيد دولا مرشحة من قبل الإدارة الأميركية على أنها شريرة، وأخرى مارقة وبعدها هناك دولا غير مرضى عنها أميركيا وغربيا، فأن هذه الدول سعيدة ببقاء الاحتلال في العراق كي لا تتوجه أميركا نحوها.

خامسا:
استمرار الاحتلال يفيد إسرائيل التي جنت ثمار احتلال العراق إستراتيجيا وسياسيا وتجاريا واقتصاديا وإستخباريا وأمنيا ومن دون أن تخسر قطرة دم واحدة.

سادسا:
استمرار الاحتلال في العراق يصب في خدمة شركات السلاح الأميركية والغربية كي تبقى على وتيرة إنتاجها من أجل تغذية الاحتلال، وتغذية ما يطليه الجيش الأميركي والعراقي والجيوش العربية التي تعتمد على واشنطن.

وهناك جهات أخرى..

ولكن ما هي الجهات التي تضررت من الاحتلال وستتضرر من استمراره:

أولا:
هو الشعب العراقي الذي أصبح تحت رحمة السياسيين الفاشلين والساديين، وتحت رحمة الحرس الثوري الإيراني و تنظيم القاعدة.

ثانيا:
هو الشعب الأميركي الذي يدفع الضرائب، ويدفع بحياة أبنائه في العراق.

ثالثا:
سمعة الولايات المتحدة الأميركية عالميا ومن الناحية السياسية والقانونية والعسكرية والاقتصادية والتي تنذر بكوارث مقبلة.

رابعا:
الجهات الوطنية والعلمانية والليبرالية والإسلامية المعتدلة في العراق، والتي أصبح لا مكان لها وسط سلطة الملالي والعمائم والشراويل، فالائتلاف الشيعي الطائفي له أحلام معقدة ومتشابكة وليس لها علاقة بالعراق ومستقبل العراقيين، بل يخدم مصالح إيرانية وفئوية وبويتية، ومن هناك التحالف الكردي فهو يعمل لصالح الحزبين الكرديين وللوصول إلى أهداف خاصة غير مشمول بها العرب والتركمان والعقلاء الأكراد في العراق.

خامسا:
لقد تضرر الطفل الذي أصبح بلا تعليم وبالطرقات، والشاب الذي أصبح عاطلا عن العمل ويجبر أن يكون في المليشيات أو في الخلايا السرية أو في الشرطة بلا ولاء واقتناع، والمرأة التي تخلفت تحت الحجاب المبالغ به وضمن مراسيم خانقة وقاتله لشخصيتها وأنوثتها وكيانها ومستقبلها .

سادسا:
لقد تضرر المجتمع العراقي الذي انتشرت فيه المتعة الجنسية المستوردة بتمهيد من بعض رجال الدين المرتبطين بمشاريع خارجية، وانتشرت فيه المخدرات واللواط والسحاق والتطرف والغلو والكذب والنصب والاحتيال والخطف وطلب الفدية، وأمور كثيرة وأهمها انتشار الجريمة المنظمة.

أما قضية الانسحاب:

فنحن نعتقد أن الانسحاب الفوري من العراق يعتبر كارثة وخيانة للعراقيين جميعا لأنه سيكون من حصة إيران، وحينها سيكون حلبة صراع عربية وإقليمية، وسيكون مصيره بالضبط كشاة جريحة وسط أسود وضباع جائعة (فتخيّل المنظر)، لهذا لن يلحق ولن يتمكن الراعي من حماية الشاة بل ربما يُفترس مع الشاة، وهنا تخيلنا أن الراعي الحر والمخلص والمتألم هو (المقاومة العراقية) وأن الشاة هي (العراق) وأن الضباع والأسود هي دول مجاورة وإقليمية وغربية وحتى معها قوى وأحزاب وجماعات محلية .. (فتخيل المنظر) .
لهذا علينا أن نكون واقعيين جدا، ولا تأخذنا العاطفة أو يأخذنا الزهو لأننا انتصرنا هنا أو هنا ضد المحتل، فالمقاومة هي الطرف القوي معنويا ووطنيا وقيّميا، ولكنها الطرف الضعيف من ناحية القوة بالسلاح والاستخبارات والتكنولوجيا والاتصالات والنقل والتنقل لأن الدول التي ستتدخل في العراق تمتلك مقومات دول في صراع قوي وسيكون الضحية العراق والعراقيين.

لهذا على العراقيين الوطنيين جميعا وبجميع انتماءاتهم وفئاتهم ومعهم المقاومة أن يقوموا بالتنسيق والعمل بالاتجاه التالي:

أولا:
الضغط على العالم وعلى الإدارة الأميركية ودول الإتحاد الأوربي أن تدعم الأمم المتحدة بأن تأخذ زمام الأمور في العراق، ومعها الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي والإتحاد الأوربي، وقبل أن يُبت بالانسحاب كي يتم الحفاظ على العراق والعراقيين.

ثانيا:
الضغط على الدول العربية الكبرى وعلى الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي من أجل وضع خطة إنقاذ للعراق والعراقيين، ولا يجوز ترك العراق فريسة لإيران والقاعدة وللتنظيمات الانفصالية.

ثالثا:
الكتابة إلى الإتحاد الأوربي وبشكل مستمر، والى جميع المنظمات العالمية من أجل الضغط على الولايات المتحدة من أجل الانسحاب بعد تسليم العراق إلى الأمم المتحدة مقابل تعهد المقاومة والفصائل الوطنية أن تساعد الأمم المتحدة ومن معها في سبيل إستباب الوضع في العراق.

رابعا:
محاولة إقناع الأمم المتحدة والمنظمات العالمية حول موضوع أعادة الإنتخابت العراقية التي تزورت وتسيد من تسيّد، فأن الرقابة الصارمة على الانتخابات في حالة أعادتها سوف تفرز طيفا سياسيا حقيقيا للعراق، وحينها سيرتاح الشعب العراقي والمنطقة وأميركا والأمم المتحدة، وحينها سينتهي النشاز السياسي ومن ثم سينتهي الشغب السياسي والمشاغبين السياسيين الذين خطفوا العراق والعراقيين وبدعم من الاحتلال.

لهذا ننصح بعدم التجبّر والغلو والسكوت على الهروب الأميركي، لأن وراءه مأساة حقيقية وكارثة، لهذا العمل على عدم السماح بالهروب الأميركي بل العمل والضغط باتجاه الانسحاب الأميركي مقابل أعطاء العراق إلى طرف دولي مهم وهو الأمم المتحدة كي تتعامل مع المقاومة وجميع الأطراف من أجل منع حصول الكارثة في العراق، ومنع استفحال الذين يمتلكون الملايين والمليشيات والخلايا السرية، والعلاقات مع دول إقليمية وعربية.

نعم .. لترحل أميركا من العراق وسريعا.. ولكن هناك التزام سياسي وأخلاقي أن لا تترك العراقيين فريسة للمجهول!.... وعلى من يستلم الأمور في العراق أن يساهم مع العراقيين بالحفاظ على المصالح الأميركية والغربية كي نضمن مساعدة الجميع من أجل بناء العراق، وبعيدا عن الخراب و النشاز السياسي الذي جاء منذ التاسع من نيسان 2003 وليومنا هذا.

باختصار شديد:
الانسحاب الأميركي ( الهروب) يعني ولادة صومال في العراق... لهذا لا تسمحوا لأميركا بالهروب بل بالانسحاب المُعلن وبالتنسيق مع الأمم المتحدة.. وهناك فرقا شاسعا !. سمير عبيد

كاتب ومحلل سياسي
مركز الشرق للبحوث والدراسات