إشارات إلى 'اختراق كبير'!

بقلم: جواد البشيتي

هذه المرَّة، شيء ما ذو أهمية قد تحقَّق على يديِّ رايس في اجتماعها مع اولمرت، ثمَّ مع عباس، ولكنَّه، على ما اتَّفقوا كما يبدو، سيظل إلى حين في طيِّ الكتمان "الرسمي"، مخافة أنْ يُفْسَد هذا "الإنجاز"، أو "الاختراق"، الذي قد يكون، في حقيقته، بأهمية ما يتمخَّض عنه جَبَل التفاوض السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين عادةً.. ولِجَعْلِهِ يبدو، عند كَشْفِه، إنجازاً لطرفي التفاوض في المقام الأوَّل، فإنَّ من قواعد اللعبة التفاوضية المعمول بها دائما أن تُضَخَّم أهمية المفاوضات الثنائية المباشِرة، ويُقلَّل من شأن عمل "الوسطاء" ولو كانت منهم الوسيطة رايس، رئيسة "مؤتمر أنابوليس".

"التفاؤل"، الذي يَشُقُّ علينا الآن تمييز المصطنع منه من الطبيعي والواقعي، عُبَّر عنها بكلمات لَمْ نَسْمَعها منذ وقت طويل، فعباس، الذي بدا متشائماً، كثيراً أو قليلاً، من قبل، تحدَّث، في مؤتمر صحافي مشترَك مع رايس، عن إحراز "تَقَدُّم" في اتِّجاه إطلاق مفاوضات "جادة" مع إسرائيل، بَعْد "المؤتمر"، توصُّلاً إلى "اتِّفاق يعالج قضايا الحل النهائي" بين الطرفين، مُعْتَبِراً أنَّ ما أُنْجِز (الآن) يَجْعَل "مؤتمر أنابوليس" مناسَبة "جدِّية" لإطلاق عملية سلام "ذات مغزى"، تقود إلى تنفيذ حلِّ الدولتين. وأعلن اتِّفاقه مع اولمرت على وجود "فرصة حقيقية" للتوصُّل، بدءاً من الآن، إلى "سلام تاريخي". ووصف محادثاته مع رايس بـ "اللقاء المهم"، الذي "توصَّلْنا فيه إلى نتائج، نعتبرها مهمة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط".

قَبْل هذا "اللقاء المهم" كان عباس يشعر بالإحباط، ولا يرى جدوى من استمرار المفاوضات، مُعَبِّراً عن ذلك بقوله "ثمَّة أمور مشجِّعة وإيجابية تحقَّقت اليوم، ولولاها لَمَا كان ثمَّة من مبَرِّر لاستمرار المفاوضات".

أمَّا رايس فَحَمَلَها هذا "الإنجاز" الذي تحقَّق على القول إنَّ "مؤتمر أنابوليس" يُمْكِن أن يكون "نقطة انطلاق حقيقية لمفاوضات مستمرة، تقود إلى تنفيذ حلِّ الدولتين؛ وإنَّها المرَّة الأولى منذ سبع سنوات نرى أنَّنا في مسار تفاوضي جاد، يَهْدِف إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فهذا الوقت تاريخي، وهذه الفرصة حقيقية؛ والهدف، على ما آمل، يُمْكِن أن يتحقَّق في ما تبقَّى من ولاية الرئيس بوش".

بعضٌ من هذا "الإنجاز" هو، على ما أوضح وكَشَف صائب عريقات، الاتِّفاق على تأليف "لجنة ثلاثية (من السلطة وإسرائيل والولايات المتحدة)"، والتزام الولايات المتحدة أن تكون هي "الحَكَم" بين الطرفين. ويبدو من أقوال عريقات أنَّ رايس سوف "تُقْنِع" اولمرت بأن تعود إسرائيل إلى خطوط 28 أيلول 2000 قَبْل "مؤتمر أنابوليس". ويبدو أنَّ "الجدول الزمني" للمفاوضات التي ستبدأ بعد "المؤتمر"، والذي كان الطرف الفلسطيني مُصِرَّاً عليه، سيُسْتعاض عنه بما يشبه بيان رسمي يَصْدُر عن إدارة الرئيس بوش، وتقول فيه أنَّ الرئيس بوش عازِمٌ على أنْ يرى حل الدولتين وقد أصبح حقيقة واقعة، في معنى ما، قبل مغادرته البيت الأبيض.

ما نتوقَّعه هو أنَّ رايس قد تمكَّنت من تسوية بعض القضايا الخلافية بين الطرفين المتفاوضين (سِرَّاً) على "وثيقة تفاهم". و"التسوية" التي جاءت بها رايس قد تسمح للطرفين المتفاوضين بالتوصُّل إلى صياغة جديدة لبعضٍ من المبادئ الأساسية لحلِّ مشكلات اللاجئين، والقدس الشرقية، والحدود.

وفي شأن "كيفية حل مشكلة اللاجئين"، سُرِّبت معلومات إلى بعض وسائل الإعلام، مؤدَّاها أنَّ "العودة الجماعية" للاجئين الفلسطينيين لن تكون ممكنة وشرعية إلا إذا كانت إلى أراضي الدولة الفلسطينية، فإذا رغِبَ "لاجئون" عن أن تكون عودتهم إلى إقليم الدولة الفلسطينية فإنَّ "المجتمع الدولي" يُعالِج أمرهم في "طريقة دولية متَّفَق عليها"، وقوامها توطينهم ودمجهم في "دول مختلفة"، من بينها إسرائيل.

وفي شأن "كيفية حل مشكلة القدس الشرقية"، يُمْكِن أن يكون قوام الاتِّفاق في هذا الصدد هو ضمِّ "الأجزاء العربية" من القدس الشرقية إلى سيادة الدولة الفلسطينية، و"الأجزاء اليهودية" إلى سيادة إسرائيل.

أمَّا في شأن "الحدود" فيُمْكِن أن يكون اتِّفاقٌ على أن تكون الحدود بين الدولتين هي "خطِّ الرابع من حزيران 1967 مُعَدَّلاً تعديلاً طفيفاً وبما يتَّفِق مع مبدأ التبادل المتماثِل كمَّاً ونوعاً للأراضي".

ورُبَّما يَصْلُح الكلام الذي ورد على لسان خالد مشعل في شأن "التفويض التفاوضي" الممنوح لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس دليلاً على أنَّ شيئاً على جانب كبير من الأهمية قد تحَّقق في الزيارة الأخيرة لرايس، فمشعل، وللمرَّة الأولى، تحدَّث، ضِمْناً، عن عدم وجود تفويض لأيِّ قيادي أو مسؤول فلسطيني بالتفاوض في الوقت الحاضر (السيئ فلسطينياً) مع إسرائيل، عِلْماً أنَّ "حماس"، وفي وثائق رسمية فلسطينية عدة، اُنْجِزت قبل استيلائها على قطاع غزة في منتصف حزيران الماضي، قد أقرَّت بحق رئيس السلطة الفلسطينية (ومنظمة التحرير الفلسطينية) في أن يفاوِض إسرائيل، توصُّلاً إلى اتِّفاق على حل النزاع، على أن يُسْتَفْتى الشعب الفلسطيني في أمْر هذا الاتِّفاق قبل، ومن أجل، أن يصبح نهائيا ورسميا؛ وقد أكَّد عباس، غير مرَّة، التزامه هذا "الشرط"، الذي هو "مَوْقِفاً والتزاماً له" قبل أن يكون "شرطاً" لـ "حماس"، أو غيرها من المنظَّمات الفلسطينية.

لقد قُلْنا، غير مرَّة، إنَّ جوهر وأساس الحل (المُمْكِن واقعياً الآن) لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، والذي، على صعوبته، يُمْكِن ويجب التوصُّل إليه عبر التفاوض السياسي، أنْ تُمَكَّن الدولة الفلسطينية المقبلة من أن تكون، من الوجهة العملية والواقعية، وليس من الوجهة النظرية فحسب، دولة للشعب الفلسطيني بأسره، وأن يبدأ "الحل النهائي" لهذه المشكلة بتعاون "السلطة"، أو "الدولة"، مع "المجتمع الدولي" والدول العربية التي يقيم فيها لاجئون فلسطينيون، ومع إسرائيل، على النقل الفوري للمخيَّمات الفلسطينية في الخارج إلى أراضي الضفة الغربية، فـ "جغرافية" المشكلة، أي مشكلة اللاجئين، يجب أن تتغيَّر أوَّلاً، فَلِمَ لا "تُنْقَل" المشكلة (مع المخيَّمات الخارجية وقاطنيها) إلى إقليم الدولة الفلسطينية، قبل، ومن أجل، أن تُحَل، أو أن يبدأ حلها النهائي، فإنَّه لإنجاز فلسطيني تاريخي وعظيم أن يُعْمَل، دولياً وعربياً وإقليمياً، على تَمْكين الدولة الفلسطينية من نقل المخيَّمات الفلسطينية في الخارج، مع أهلها، إلى أراضيها، فـ "اللجوء" في داخل "الوطن" هو أفضل بكثير من "اللجوء" في خارجه.

ومع تغيير "الموقع الجغرافي" لظاهرة "اللجوء"، يُصبح مَمْكِناً أكثر من ذي قبل إنجاز حلٍّ نهائي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فقبول حلِّ نهائي للمشكلة القومية للشعب الفلسطيني، قوامه الجغرافي "فلسطين الصغرى" يجب ألاَّ يفضي إلى "تصغير" الشعب الفلسطيني ديمغرافياً.

وأحسب أنَّ السلطة الفلسطينية ينبغي لها أن تفاوِض إسرائيل (وغيرها) توصُّلاً إلى "مقايضة تاريخية مختلفة"، فتنازُل الفلسطينيين عن حقِّهم في "العودة الجماعية الشاملة" للاجئين الفلسطينيين إلى حيث كانوا قبل تهجيرهم وتشريدهم يجب أن يُقابَل بالتزام دولي وعربي وإقليمي أن يُعْمَل، اقتصاديا وفي مجالات أُخْرى، على تمكين الدولة الفلسطينية المقبلة، أو "فلسطين الصغرى (جغرافياً)"، من أن تكون فِعْلاً وواقعاً دولة للشعب الفلسطيني بأسره، فَتَكْبُر ديمغرافيا "فلسطين الصغرى (جغرافياً)".

جواد البشيتي