الدور الأميركي: الحاضر الغائب في الأزمة الكردية

بقلم: نقولا ناصر

تكشف تطورات الأزمة الكردية التركية أن تحالف الكرد العراقيين مع الاحتلال الأميركي للعراق يقود تدريجيا إلى نتائج معاكسة للأهداف التي كانوا يتوخونها من هذا التحالف الذي يخير قادتهم الآن بين الموافقة على شق صفهم القومي بتقسيم واشنطن للتنظيمات الكردية القومية إلى "إرهابية" وغير إرهابية وبين الاختلاف معها على هذا التصنيف وبالتالي مواجهة المضاعفات الإقليمية والأميركية لرفض شق الصف الكردي بتصنيفات مماثلة.

وتحاول الإدارة الأميركية حاليا المناورة للحيلولة دون وقوع حرب بين حلفائها الكرد العراقيين والأتراك، حرب إن وقعت فإنها تهدد بفتح جبهة جديدة تزيد من المصاعب التي يواجهها مشروع الاحتلال الأميركي في العراق من جهة وتهدد من جهة أخرى ركنا أساسيا من أركان هذا المشروع في كردستان العراقية.

ولكي تحمي النموذج الناجح لتقسيم العراق على أسس عرقية وطائفية، المتمثل في "واحة الأمن والأمان" الكردية التي كانت واشنطن ترعاها منذ عام 1991 في كردستان العراقية، من اجتياح عسكري تركي يتهدده، وصلت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى أنقرة يوم الجمعة الماضي لتسوق حلا "دبلوماسيا" يقوم على تقسيم الأكراد إلى "إرهابيين" تقف واشنطن إلى جانب أنقرة ضدهم و"غير إرهابيين" تطلب واشنطن من أنقرة الوقوف إلى جانبها في دعمهم من أجل نزع فتيل حرب كردية – تركية بين حلفائها في شمال العراق، حل ينقذ كرد العراق من نتائج قرار وافق عليه البرلمان التركي بحسم عسكري ينهي مشكلة تحويل كردستان العراق إلى قاعدة لعمليات رجال العصابات الأكراد ضد تركيا.

لكن زيارة رايس لأنقرة ثم مشاركتها في اجتماع إسطنبول تسلطان الأضواء أولا على الدور الأميركي في تفجير الأزمة الكردية التركية الراهنة وثانيا على مدى الأهمية التي توليها واشنطن لنزع فتيل هذه الأزمة. واستنفرت واشنطن أمين عام الأمم المتحدة بان كي-مون ومسئول السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي خافير سولانا لحضور مؤتمر اسطنبول لدعم حلها "الدبلوماسي"، مما يشي بمدى الخطر الذي تستشعره واشنطن على مشروع احتلالها للعراق من احتمال اندلاع حرب كردية – تركية.

لقد أعلنت رايس في أنقرة أن حزب العمال الكردستاني التركي "بي كيه كيه" المصنف "منظمة إرهابية" في واشنطن هو "عدو مشترك" للولايات المتحدة وتركيا والعراق، والغريب أن جلال طالباني ومسعود بارزاني وغيرهم من قادة الكرد العراقيين، الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها احتجاجا على توجه مماثل لحكومة نوري المالكي في بغداد لأنه لم يستشرهم في هكذا توجه ولأنه بعث وزير داخليته إلى أنقرة ليوقع اتفاقا معها في هذا الإطار "من وراء ظهورهم"، لم يجدوا ما يقولونه اعتراضا على تصريحات رايس أو تأييدا لها.

قالت رايس إن "لدينا عدو مشترك ونحن بحاجة إلى مقاربة مشتركة" وأضافت: "لا ينبغي لأي كان أن يشك في التزام الولايات المتحدة بهذه القضية". غير أن ثقة الأتراك في أدنى درجاتها في جدية واشنطن. فقد أظهر استطلاع أخير للرأي أجرته مؤسسة "صندوق مارشال الألماني" بأن 11 في المائة فقط من الأتراك لهم وجهات نظر "إيجابية" في الولايات المتحدة، وكان أحد الأسباب الرئيسية التي أوردها الاستطلاع للعداء الواسع لأميركا في تركيا عدم استعداد واشنطن للضغط على "حليفها" مسعود البرزاني لكي يوقف الهجمات "الإرهابية" التي يشنها ال"بي كيه كيه" على تركيا انطلاقا من أراضي حكومة إقليم كردستان العراق.

ويتهم الأتراك واشنطن ب"الازدواجية" في موقفها من الإرهاب. إن تطورات الأزمة الكردية – التركية قد أوصلت انعدام الثقة التركية في "جدية صدق الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب" إلى "نقطة افتراق" كما قال كاتب تركي (شينك سيدار في الثاني من الشهر الجاري). ولا بد أن تكون ازدواجية واشنطن هذه على جدول أعمال اللقاء القريب في الخامس من تشرين الثاني / نوفمبر الجاري بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأميركي جورج دبليو. بوش، وكان أردوغان يوم الثلاثاء الماضي قد صرح بأن مستقبل العلاقات الثنائية سوف يتأثر سلبا أو إيجابا نتيجة لهذا اللقاء، وبالتأكيد أن قرار الاجتياح العسكري التركي لقواعد البي كيه كيه في شمال العراق سوف يتحدد أيضا نتيجة للقاء. إرهاب ترعاه أميركا في العراق وفي معمعة الحرب الكلامية الدائرة حاليا بين الأتراك والأكراد ووسط لعلعة الرصاصات الأولى في القتال بين الطرفين تكاد تضيع حقيقة أن الصاعق الذي فجر الأزمة الراهنة كان أميركيا ويغيب عن طرفي الأزمة أن العامل الأميركي، الذي يحرص على بقاء الأضواء بعيدة عنه، هو الغائب الحاضر في هذه الأزمة.

لقد اجتمعت دول الجوار العراقي في اسطنبول في الثاني من الشهر الجاري لتغرق في تفاصيل الأزمة الكردية التركية بينما كان ينبغي أن يكون على جدول أعمالها بند واحد فقط هو مسؤولية القوة الأميركية المحتلة للعراق عن الفوضى الإقليمية غير الخلاقة التي أعقبت احتلالها للجار العربي المسلم نتيجة لتحول الولايات المتحدة إلى أكبر دولة حاضنة للإرهاب داخل العراق في العالم.
هل هناك مبالغة؟

لنلجأ إذن إلى تفصيل موجز للمنظمات التي تمارس الإرهاب تحت مظلة الاحتلال الأميركي في العراق. فقد استدرجت واشنطن إلى داخل العراق منظمة القاعدة التي يصنفها القانون الأميركي نفسه بأنها إرهابية، كي تتخذ منها قميص عثمان يسوغ للإدارة الأميركية أمام شعبها المعارض للحرب على العراق استمرار إبقاء قواتها فيه من ناحية ولكي تشوه صورة المقاومة الوطنية العراقية بالخلط المدروس بينها وبين القاعدة من ناحية أخرى.
كما احتضنت واشنطن منظمات يصنفها القانون الأميركي أيضا بأنها إرهابية لكنها كانت موجودة قبل الاحتلال إما بحكم الأمر الواقع مثل حزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه) التركي أو بموافقة رسمية مثل منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، دون أن يفسر الاحتلال الأميركي للعراق لماذا يغمض عينيه عن تواجدهما في منطقة عملياته ولماذا لا يطبق القانون الأميركي بحقهما ولا يوجد أي تفسير لذلك سوى قرار براغماتي باستخدامهما لهذا الغرض أو ذاك ضد الجوار العراقي.
وحولت واشنطن احتلالها العسكري إلى حاضنة لمنظمات طائفية تكاثرت كالفطر في البيئة الأميركية المواتية لكي تمارس الإرهاب والتطهير المذهبي لكن بدل أن تدرجها الإدارة الأميركية في قائمتها للجماعات الإرهابية كافأت قياداتها السياسية بتسليمها مقاليد الحكم المحمي بقوات احتلالها في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية.
ثم أنشأت واشنطن منظمات إرهابية للعمل ضد إيران مستغلة العامل القومي داخل العراق لدى الأكراد والعرب على حد سواء ومستغلة أيضا العامل ذاته في أوساط العرب والأكراد الإيرانيين إضافة إلى ما لدى هؤلاء من تظلمات ومآخذ على النظام الإيراني، وهكذا لجأت واشنطن إلى خلط الأوراق في أوساطهم لتشوه كذلك نضالهم من أجل إزالة هذه التظلمات، فبات المراقب يسمع عن عمليات إرهابية داخل إيران تنسب إلى حركات وطنية أصيلة بين عرب إيران وأكرادها.
يقول ريس إيرليش الصحفي والمنتج الإذاعي المستقل ومؤلف كتاب سيصدر قريبا بعنوان "أجندة إيران: القصة الحقيقية لسياسة الولايات المتحدة وأزمة الشرق الأوسط" في تقرير له نشره في "موذر جونز" مؤخرا إن مصادر كردية وأميركية أكدت له أن الولايات المتحدة تدعم غارات يشنها "رجال عصابات ضد إيران، وتمدهم بالمال عبر منظمات داخل كردستان العراقية"، ويضيف، كما نقلت عنه "تيركيشويكلي. نيت" في 28 الشهر الماضي: "عندما كنت في شمال العراق تأكدت بأن ذلك النوع من النشاط مستمر من الأراضي العراقية الخاضعة للسيطرة الكردية".

وفي تعليق له على نفي حكومة إقليم كردستان العراق والحكومة الأميركية لوجود رجال عصابات كهؤلاء قال إيرليش إن مكالمتين بالهاتف النقال والذهاب بالسيارة إلى الجبال تكفي لدحض نفي علم الحكومتين بوجودهم. وتحقق إيرليش بنفسه من وجود معسكرات لل"بي كيه كيه" ول"حزب الحياة الحرة لكردستان" (بي جيه إيه كيه) التابع له للعمل في إيران.

وأضاف أن ال"بي كيه كيه" قبل حوالي سنتين انقسم إلى أربعة أحزاب يعمل كل منها في العراق وتركيا وإيران وسوريا لكن الأحزاب الأربعة هي في الأساس جزء من التنظيم الأم، لكن الولايات المتحدة لا تعترف بالفرع التركي بسبب علاقات واشنطن الإستراتيجية مع أنقرة، ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، غير أنها تدعم الفرع الإيراني لل"بي كيه كيه".

ولا بد أن تكون ازدواجية واشنطن هذه على جدول أعمال اللقاء القريب في الخامس من تشرين الثاني / نوفمبر الجاري بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأميركي جورج دبليو. بوش، وكان أردوغان يوم الثلاثاء الماضي قد صرح بأن العلاقات الثنائية سوف تتأثر سلبا أو إيجابا نتيجة لهذا اللقاء، وبالتأكيد أن قرار الاجتياح العسكري التركي لقواعد البي كيه كيه في شمال العراق سوف يتحدد أيضا نتيجة للقاء.
والجدير بالذكر أنه لم يكن في العراق من الإرهاب قبل الاحتلال عام 2003 إلا الإرهاب الأميركي وسوى عمليات متفرقة لا قيمة لها كانت تقوم بها فصائل "المعارضة" العراقية التي تمولها وتدربها السي آي إيه. صدمة لمعارضي الحرب الأميركان

إن عشرات الآلاف من الأميركيين الذين خرجوا إلى شوارع مدن سان فرنسيسكو ولوس انجيلوس ونيويورك وشيكاغو وبوسطن وفبلادلفيا وسياتل وعشرات أخرى من المدن الأميركية للتظاهر في الأسبوع الماضي ضد استمرار الحرب التي تشنها حكومتهم على العراق ولمنع وقوع الحرب التي تعد إدارتهم لها على إيران لا بد وأن يفاجئوا بحرب لم تكن في حسبانهم يتم الحشد لها حاليا بين حلفاء أميركا الأتراك والأكراد فوق الأرض العراقية نفسها التي تحتلها القوات الأميركية، نتيجة للمغامرات العسكرية والحسابات الخاطئة والسياسات الخرقاء لإدارة رئيسهم جورج دبليو. بوش التي تدفع شعوب الشرق الأوسط أولا ثم الشعب الأميركي ثمنها من دماء أبنائهم.

وربما سوف يصاب بعضهم بالصدمة لمدى اتساع العداء لبلادهم حتى لدى شعوب تربطها بها علاقات تاريخية وإستراتيجية عريقة وتاريخية، كما هو الحال في تركيا.

صحيح أن لحوالي ثلاثين مليون كردي موزعين على دول المنطقة -- التي انبثقت عن هزيمة الدولة الإسلامية العثمانية أمام الحلفاء الغربيين في الحرب العالمية الأولى -- مشاكلهم السياسية مع هذه الدول التي كانت تنفجر عنفا ودما بين وقت وآخر بسبب طموح الأكراد إلى إنشاء دولة قومية لهم لأول مرة في التاريخ وبسبب معارضة الدول التي يتوزعون مواطنين فبها لهذا الطموح.

لكن صحيح أيضا أن واشنطن -- التي تثقف مواطنيها لكي يفخروا ب"بوتقة الصهر" الأميركية التي تذيب الفوارق بين شتات القوميات والجنسيات والأعراق واللغات للمهاجرين إليها من أصقاع الكرة الأرضية الأربع – قد سعت عامدة متعمدة إلى تدمير المصهر العربي الإسلامي الذي كان يوحد العراقيين، الذين لم يهاجروا إلى العراق بل كانوا أهله الأصلاء طيلة آلاف من السنين، عربا وكردا، شيعة وسنة، مسيحيين ومسلمين، علمانيين ومتدينين، في سعيها لإسقاط النظام الوطني ذي الطموح القومي الذي كان يقوده الرئيس الراحل صدام حسين.

ولأن المصهر العربي الإسلامي الموحد للعراقيين كان الهوية الأعرق والأقدم من أي نظام سياسي أو حاكم في بغداد، لم يجد الغزو فالاحتلال الأميركي مناصا من تدمير الدولة العراقية وتفتيتها إلى دول، "فدرالية" أم غير فدرالية لا فرق، تمهيدا لتفتيت كل منها إلى أقليات قومية أو دينية أو طائفية تتنازع على النفوذ والثروات وتستقوي على بعضها البعض بطلب الدعم الأجنبي الطامع فيها جميعا، لأن هذه هي البيئة السياسية الوحيدة التي تتيح لأي قوة أجنبية غازية أو محتلة ممارسة سياسة "فرق تسد" لضمان استمرار وجودها، ولأن الوحدة الوطنية هي النقيض الأكيد لأي وجود كهذا.

ووجد الاحتلال الأميركي للعراق سابقة له في الاحتلال الإسرائيلي الذي يصف الشتات القومي والعرقي واللغوي للمستوطنين الغزاة بصفة "اليهودي" بهدف توحيد هذا الشتات -- تماما كما يحظر القانون الأميركي وصف أي متجنس من المهاجرين المستوطنين بغير كونه أميركيا للهدف ذاته -- بينما "يعدد" هوية الشعب الخاضع للاحتلال إلى "مسلم" و"مسيحي" و"درزي" و"بدوي" وإن كان في المصطلحات الوصفية العامة يصفهم جميعا بأنهم "عرب إسرائيل" ليس لأنه حريص على هويتهم القومية العربية بل لأنه يريد استخدام "عروبتهم" لينزع عنهم هويتهم الوطنية الفلسطينية تمهيدا لإبعاد من تبقى منهم نحو "أشقائهم" العرب حين تسنح الفرص لتبقى فلسطين خالصة للشتات الموحد في هويته "اليهودية".

وكان "الخيار الكردي" هو المدخل الأميركي الأسهل، لأسباب غنية عن البيان، لقلب "المصهر" العربي الإسلامي على رؤوس كل المستفيدين منه والمستظلين بثقافته التعددية الأصيلة المجربة عبر قرون طويلة من الزمن والتي جاء الإسلام ليرسخ هذه التعددية بالنص في القرآن الكريم على التعددية الدينية في عقيدة الإسلام نفسه في زمن امبراطوريات كانت تقيم "محاكم التفتيش" لمن يختلفون معها في المذهب، ناهيك عمن اختلفوا معها في الديانة.

ومنذ فرض سلاح الجو الأميركي منطقتي الحظر الجوي في شمال العراق وجنوبه عام 1991 زرعت واشنطن بذرة الأزمة، بل الأزمات، ليس بين كردستان العراق وبين تركيا فقط بل بين أكراد العراق وبين مواطنيهم العراقيين الآخرين أولا ثم بينهم وبين جيرانهم الآخرين في إيران وسوريا، البلدين اللذين كان كرد العراق يجدون فيهما ملجأ ومنهما دعما طوال نزاعهم مع السلطة المركزية في بغداد، بغض النظر عن النظام الحاكم في العاصمة العراقية. فخ أميركي لقد وقعت القيادات الكردية في الفخ الأميركي الذي داعب الطموحات القومية للأكراد لأسباب تكتيكية لا علاقة لها بهذه الطموحات، واهمة في قدرتها على استغلال "الورقة الأميركية"، كما حاول أسلافها استغلال "الورقة الإسرائيلية"، للاستقواء بها ولو إلى حين ضد مواطنيها العراقيين كما ضد الدول الإقليمية المعارضة لحق القومية الكردية في تقرير المصير، وغابت عن هذه القيادات الأهداف الحقيقية لهذه "المداعبة" الأميركية.

لقد لعبت القوى الإقليمية ب"الورقة الكردية" في صراعاتها ومنازعاتها لفترة طويلة كان ينبغي أن تكون كافية لكي تتعلم القيادات الكردية بعامة والكردية العراقية بخاصة الدرس لكي لا تزج شعبها مرة أخرى في أتون هذه الصراعات والمنازعات، لكنها بدلا من ذلك اختارت أن تقحم شعبها في مغامرة تاريخية لم يعد من الممكن فيها التفريق بين مصير القوات الأميركية الغازية وبين مصير أكراد العراق، لأن الصراع الدائر في العراق هو صراع وجود بين الشعب العراقي وبين قوات الغزو، ولأن دروس التاريخ تقول بوضوح أن كل احتلال أجنبي إلى زوال ومع ذلك اختارت القيادات الكردية العراقية الرهان على الحصان الأميركي الخاسر بصورة مؤكدة طال الزمن أم قصر.

وسوف يكتشف الأكراد العراقيون، عاجلا لا آجلا، الفخ القاتل الذي أوقعهم قادتهم فيه بدعوة الغازي الأميركي إلى احتلال بلدهم وشعبهم وبتحويل موطنهم إلى قاعدة ارتكاز لهذا الغزو وبتقديم أبنائهم وقودا متطوعا لخدمة الغزو والاحتلال بينما جنود الغزو أنفسهم وما يقل قليلا عن تعدادهم من "المتعاقدين الأمنيين" إنما يلتحقون بالقوات الغازية على أساس "الارتزاق" لا على أساس "الخدمة العسكرية الوطنية" في جيش بلادهم، لكن بعد أن يدفعوا الثمن فادحا من دماء أبنائهم.

لقد استهدف الأميركيون تحقيق عدة أهداف من مداعبة الطموح القومي للأكراد. فهم أولا أرادوا استخدام كردستان العراق قاعدة عسكرية للحشد والتعبئة والتجسس لغزو العراق فاحتلاله، وهو ما حدث فعلا، وأرادوا ثانيا طابورا خامسا عراقيا يسهل مهمتهم، وقد وجدوا للأسف في "البشمركة" قوة جاهزة "تحت الطلب" لخدمتهم وخدمة النظام الموالي لهم الذي ما زالوا يحاولون إخراجه من حصاره في المنطقة الخضراء في بغداد، دون نجاح بعد أكثر من أربع سنوات دموية من الاحتلال.

ومثلما يحاولون فعله الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، حيث يسعون إلى ترويض المقاومة الشعبية للاحتلال الإسرائيلي بتعميق الفرقة بين أبناء الشعب الواحد عن طريق دعم منطقة تكون مثالا للأمن والاستقرار والازدهار لمن يسعون إلى السلام مع الاحتلال في الضفة الغربية بينما يفرضون حصارا خانقا وعقوبات جماعية على منطقة أخرى في قطاع غزة تكون مثالا وعبرة لمن يرفض السلام بشروط الاحتلال، ومثلما يفعلون على نطاق أوسع بالطريقة نفسها مع الأنظمة العربية المتساوقة أو المعارضة لمخططاتهم الإستراتيجية للهيمنة الإقليمية، سعى المحتلون الأميركيون ثالثا، حتى قبل الغزو، إلى تأهيل كردستان العراق لكي تكون مثالا للأمن والاستقرار والازدهار لمن يتعاونون مع الاحتلال تشجع الأقليات العرقية أو الطائفية العراقية الأخرى على الاقتداء بها.

فشجعوها على قطع صلاتها الإدارية والسياسية والوطنية وحتى اللغوية مع المركز العراقي ومع بقية أطراف هذا المركز على حد سواء، "مداعبين" الطموح القومي الكردي، حد أن توهم قادة أكراد العراق أنهم باتوا قاب قوسين أو أدنى من حلمهم في الانفصال فالاستقلال، وحد أن تأخذهم العزة بالإثم الوطني العراقي إلى البدء في تنفيذ أطماع إقليمية تقتطع من الوطن الأم مناطق يضمونها إلى كردستان "المستقلة" بحكم الأمر الواقع الأميركي حاليا بانتظار الفرصة السانحة لإضفاء صفة قانونية وشرعية دولية على هذا الاستقلال المرجو.

ورابعا استهدف الغازي الأميركي استغلال الوضع الناجم عن مداعبته لطموحات كرد العراق القومية كاحتياطي استراتيجي يستخدمه ضد دول الجوار التي لا تتساوق مع مخططات الهيمنة الإقليمية الأميركية.

لقد نجح الإعلام الأميركي وتواطؤ قادة كرد العراق معه في حجب الأسباب "الأميركية" الكامنة وراء قيام إيران أواخر شهر أيلول / سبتمبر الماضي بإغلاق معابرها الحدودية الخمسة مع كردستان العراقية بعد فترة شهدت قصفا مدفعيا إيرانيا لقرى كردية عراقية حدودية. إن التصريحات الأميركية الرسمية عن اعتقال ضابط في فيلق القدس الإيراني في محافظة السليمانية وقبل ذلك اعتقال دبلوماسيين إيرانيين في المنطقة الكردية، بتهمة التجسس أو دعم "الإرهاب"، قد ضللت المراقبين بعيدا عن تسليط أضواء الإعلام على الأسباب الحقيقية للإجراء الإيراني، تماما مثلما يجري حاليا التعتيم على الأسباب "الأميركية" للأزمة الكردية – التركية.

وكان الدعم الأميركي خارجيا و"الفدرالية"، التي يحاول الغزاة إنجاحها كنظام في العراق، داخليا هما ركيزتا "الوهم" الذي يراود قادة كرد العراق، وهم لم يخفف من سرابه تعثر مشروع الاحتلال بفضل المقاومة المتنامية له والمعارضة الوطنية الواسعة للفدرالية بفضل الوعي الوطني العراقي الذي أدرك منذ البدء أن الفدرالية هي المدخل لتقسيم الوطن. تآخي القوميتين ثابت وطني وكان لا بد للعامل الإقليمي أن يتفاعل كي تغلق إيران مؤخرا حدودها مع كردستان العراق وكي تحشد تركيا عسكريا لاجتياح هذه الحدود لكي يبدأ قادة كرد العراق في ترشيد الوهم الذي يحاولون بيعه لشعبهم. إن استغاثاتهم للوطن الأم -- من أجل أن يهب لنجدتهم، وحثهم شعبهم العراقي على هذه النجدة، ويا للمفارقة، باسم الدفاع عن الوطن، وهو الوطن نفسه الذي يسعون إلى الاقتطاع منه والذي استقدموا الغازي الأميركي علنا لتقطيعه -- قد بدأت تعيد شعبهم إلى وعيه الوطني أمام الخطر المحدق عبر الحدود مع الجيران الإيرانيين والأتراك والسوريين، هؤلاء الجيران الذين طالما ناور أولئك القادة على المنازعات بينهم في صراعهم مع الحكم المركزي في بغداد.

إن غرق قوات الاحتلال الأميركي في مستنقع المقاومة الوطنية وعجزها عن السيطرة حتى على بغداد حتى الآن يجعلها أعجز من أن تخصص ولو بعض جهدها العسكري لطمأنة حليفها التركي على حدوده المشتركة مع العراق. أما "وعد" رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بضبط هذه الحدود فإنه لا يعدو كونه جعجعة دون طحن فحكومته التي تعلن حاجتها لبقاء قوات الاحتلال من أجل حمايتها حتى يشتد عودها هي حكومة بلا أسنان عاجزة حتى عن ضبط أمن المنطقة الخضراء المحاصرة فيها. وبالتأكيد ليس للإيرانيين أي مصلحة في المغامرة بمصالحهم المتنامية مع جارهم التركي من أجل حماية قادة أكراد حولوا مناطقهم إلى قاعدة أميركية للتآمر على إيران. وكانت تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد بعد زيارته الأخيرة لأنقرة كافية لكي لا يتوقع قادة كرد العراق أي نجدة تأتيهم من جارهم السوري.

لقد عزل قادة كرد العراق شعبهم عن عمقه الجيوبوليتيكي الذي كان تاريخيا عونا لهم وملجأ على قاعدة التآخي العربي الكردي والتآخي الكردي الإسلامي واستبدلوه بحليف بعيد غريب استقدموه عبر المحيطات والبحار لمناصبة عمقهم الطبيعي العداء بينما الجوار الأميركي الجنوبي المباشر لهذا الحليف تعلم بعد تجارب مريرة ألا يثق في التحالف مع جاره الأميركي الشمالي.

وها هي السياسة الخارجية ألأميركية الخرقاء في الشرق الوسط بعامة وفي العراق بخاصة تحاصر الأكراد العراقيين بخطر محدق يأتيهم من الشمال التركي دون أي معين وطني أو إقليمي لهم ودون أن يكون الحليف الأميركي قادرا على نجدتهم.

والمفارقة أن الخطر المحدق عبر الحدود الشمالية قد بدأ يعيد إلى وعي الكرد العراقيين بعضا من ذاكرتهم الوطنية التي كاد يغيبها "غسيل الدماغ" الأميركي والأوهام التي يحاول قادتهم بيعها لهم، لكي يتذكروا الآن، على سبيل المثال، بأن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين هو الذي أنقذ الرئيس الحالي ل"إقليم كردستان العراق" مسعود البرزاني من تحالف خصمه جلال طالباني، الرئيس الحالي للعراق، مع إيران قبل سنوات للإطاحة به وبحكمه العائلي المتوارث، ولكي يتذكروا كذلك بأن بيان 11 آذار / مارس 1970 التاريخي كان أول اعتراف على الإطلاق بالقومية الكردية وحقها في الحكم الذاتي وممارسة حياتها وثقافتها بلغتها في مواطنها داخل الوطن العراقي، اعتراف ما زالت كل الدول الإقليمية التي تتواجد فيها هذه القومية عاجزة حتى عن الوعد بمثله في أي وقت منظور، اعتراف قدمته قيادة قومية عربية من مركز قوة وثقة بالأخوة والمصير العربي الكردي التاريخي المشترك الذي رسخه الإسلام حد أن يتحول صلاح الدين الأيوبي الكردي في الوعي القومي العربي رمزا قوميا عربيا.
إن القيادات القومية العربية في العراق، وفي مقدمتها البعثيون، ظلت وفية لهذه الأخوة التاريخية بالرغم من دور قادة كرد العراق المتواصل في محاولات تجريد الوطنية العراقية من عمقها العربي الإسلامي، لأن المصير المشترك للقوميتين المتآخيتين من الثوابت الوطنية بينما كل الأنظمة وقادتها إلى زوال، وكذلك كل احتلال إلى زوال، والاحتلال الأميركي للعراق ليس استثناء.

أما الغازي الأميركي الذي يسعى إلى تقسيم العراق من أجل ضمان بقائه فيه لن يتردد في تقسيم الأكراد للهدف ذاته. فها هي رايس تفرق بينهم فتصنف بعضهم إرهابيين يمثلون "عدوا مشتركا" لبلادها وتركيا كما قالت في أنقرة و"غير إرهابيين"، ومما لاشك فيه أن الرئيس الكردي للعراق جلال طالباني ورئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني لا يتفقان معها في هذا التصنيف لأنهم إن فعلوا سيكون كمن يطلق النار على قدميه. إن رايس تحاصرهما بين الموافقة على تصنيفها وبالتالي فقدان مصداقيتهما "القومية" أمام أبناء جلدتهما وبين الوقوف مع الوحدة "القومية" للأكراد وبالتالي مواجهة القرار التركي بالحسم العسكري للأزمة. وفي الحالتين الخاسر الوحيد الرئيسي هم الأكراد العراقيون.

نقولا ناصر

كاتب عربي من فلسطين
nicolanasser@yahoo.com