السَّفير اللِّيبي في واشنطن: لم ندخل بيت الطاعة الأميركي

واشنطن ـ من فدوى مساط
انتهى عهد الحرب الباردة والسلاح النووي

تغيرت العلاقات بين الولايات المتحدة وليبيا من القطيعة التامة والعداء الصريح إلى تطبيع اقتصادي وتبادل للسفراء في مدة زمنية لم تتجاوز ثلاث سنوات.
ويُعد السفير علي الأوجلي القائم بالأعمال في المكتب الشعبي اللبيبي في واشنطن واحداً من أكثر الدبلوماسيين العرب المعتمدين لدى واشنطن تجربة وحنكة سياسية، تزامن وصوله إلى واشنطن مع تلك الفترة الانتقالية في العلاقات بين البلدين.
• في البداية سعادة السفير، دعني أسألك عن الأنباء التي أفادت بتدهور صحة العقيد معمر القذافي ودخوله في غيبوبة، ما مدى صحة هذه الأنباء؟

ـ هذه أنباء مغرضة. الأخ القائد يظهر في قناة التلفزيون ويخطب في الناس ويستقبل رؤساء دول ومبعوثين دبلوماسيين. للأسف هناك بعض وسائل الإعلام وهي عربية للأسف الشديد تبث إشاعات مغرضة وهذا الكلام لا أساس له من الصحة ويمكنكم التأكد من كلامي من خلال مشاهدة القنوات التلفزيونية الليبية.

• لكن لماذا يتم ممارسة التعتيم في بعض الأحيان حول الحالة الصحية للعقيد؟ هذا الموضوع ليس مقدساً ومن حق الشعب الليبي أن يعرف حقيقة الوضع الصحي لرئيسه؟

ـ ليس هناك أي تعتيم ولكن في الأصل ليس هناك خبر حول صحة القائد حتى يتم التعتيم عليه.

• استضافت ليبيا الأسبوع الماضي محادثات السلام بين زعماء المتمردين في دارفور وحكومة الخرطوم، هل تحاول طرابلس الظهور بصورة راعية السلام والتخلص من وصف "الدولة المارقة" التي لازمها لسنوات طويلة؟

ـ ليبيا دولة مارقة من الهيمنة الأميركية، ومن النفوذ الأميركي نعم ولكنها ليست دولة مارقة من القانون الدولي أو المجتمع الدولي. وهذا وصف يستعمل من قبل الإدارة الأميركية للأسف الشديد لمحاصرة الدول التي لها خلافات سياسية مع واشنطن.
نحن ليس لدينا خلافات سياسية مباشرة مع الولايات المتحدة ولكن كانت ولازالت هناك خلافات وستظل حول قضايا سياسية معينة. عندما ننظر لقضية كفاح الشعوب من أجل قضيتها فإننا نختلف عندما نريد تحديد ما هو مفهوم الإرهاب ومفهوم مقاومة الاحتلال. هذه أشياء نختلف عليها.
عندما نريد أن تمتلك القارة الإفريقية لزمام أمورها وأن تتحكم في مصادر ثرواتها وخيراتها وأن تتفاوض الند للند مع الدول الغربية فنحن نصبح مارقين حسب المفهوم السياسي الأميركي.
الحقيقة، لقد استطعنا أن نجلس مع الولايات المتحدة وأن نتفاوض بجرأة وبشجاعة ونضع أمام نصب أعيننا المصالح المشتركة لنا مع بعض واستطعنا من خلال التفاوض الشريف والنزيه وبكرامة وبإصرار أن نصل إلى تسوية معظم الخلافات القائمة بيننا وبين واشنطن.

• لم تجبني سعادة السفير حول محادثات السلام السودانية، ما هو هدف ليبيا من استضافتها؟

دور ليبيا في هذا المؤتمر هو استضافة المؤتمر. ولكن الجميع يعرف أن التزامات الجماهيرية الليبية نحو إفريقيا التزامات قديمة ونحن في ليبيا لا يمكن أن ننسى الدور الذي لعبته دول القارة الإفريقية ودول عدم الانحياز عندما وقفت معنا خلال فترة الحصار الذي فرض من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية.
ليبيا لا تقوم بهذا الدور من أجل أن تظهر لأحد بالتحديد بأنها تريد تحقيق مكاسب شخصية.
كل ما هنالك أن دولة شقيقة ومجاورة تتعرض لوضع صعب ونحن لا نريد أن تتمزق وحدة السودان ولا نريد أن تُستغل تلك القضية في أشياء معينة.
كما نرغب في أن تحل هذه المسألة على المستوى الإفريقي ولا نسعى لأن تكون هناك تدخلات خارجية تفتت القارة وتدعم بؤر إرهابية جديدة.

• لكن هناك بعض الفصائل السودانية التي رفضت المشاركة في محادثات السلام لأنها منعقدة في ليبيا وتقول إن ليبيا تفتقر لشرعية تؤهلها لاستضافة مثل تلك المحادثات؟

ـ أعتقد أن السبب في عدم مشاركتها ليس لأن المحادثات منعقدة في ليبيا لكن لأنها ترغب في الحصول على مطالب مقدما قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتحدث بشأن تلك المطالب مع الجميع.
هذا هو السبب في مقاطعة المحادثات من قبل تلك الفصائل وليس لأنه منعقد في ليبيا.
بعض الحركات ترغب في كسب مواقف سياسية قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

• شارك في المحادثات مبعوث الأمم المتحدة إلى السودان يان إلياسون وسالم سالم مبعوث الاتحاد الإفريقي. هذا زخم ديبلوماسي استفادت منه طرابلس لتحسين صورتها؟

ـ نحن نرعى فقط المحادثات ودورنا محايد في هذا الأمر. مشاركة هؤلاء المبعوثين دليل على أننا نملك شرعية رعاية مثل تلك المحادثات التي أجدد قولي بأن وراءها فقط رغبة في الحفاظ على مصالح دولة شقيقة.
نحن لا ندعم أي جهة ضد جهة وهناك إجماع على ضرورة المشاركة في المؤتمر وقلة قليلة فقط هي من ترى غير ذلك وهذا يكفينا.

• تسببت تصريحات سيف الإسلام القذافي على قناة الجزيرة في جدل كبير، فقد تحدث في كل شيء تقريباً ورسم سياسة ليبيا الداخلية والخارجية وبدا وكأنه الرئيس القادم لليبيا، هل هذا ما سيحصل فعلا؟

ـ سيف الإسلام القذافي هو رئيس مؤسسة القذافي للتنمية وهي مؤسسة تقوم بدور نشط في كل ما يتعلق بمحاولة حل بعض القضايا الإنسانية حول العالم. وسمعتها معروفة في حل بعض القضايا المستعصية مثل العرب الأفغان والرهائن في الفلبين.
أما تصريحات المهندس سيف الإسلام، فالرجل له وجهة نظر حول ليس هناك توريث في النظام الجماهيري لكنه وكمواطن ليبي من حقه أن يتولى أي منصب في البلاد.

كيف يمكن أن تكون عليه الأمور داخل الدولة الليبية وهو يعبر عن رأيه مثله مثل أي مواطن آخر له الحق في أن يدلي بدلوه في النقاش الذي تشهدها ليبيا حالياً.

• تقولون بأنه لا يشغل منصباً سياسياً لكنه يبدو كرئيس مستتر يلتقي مع الشباب وزعماء اللجان الشعبية، يحدد سياسة ليبيا الخارجية ويعلن طيَّ صفحة الماضي مع المعارضة، أليس كل هذا نفوذاً سياسياً وكلاماً لا يستطيع الحديث عنه سوى الرئيس الليبي القادم؟

ـ نظام الجماهيرية ليس فيه توريث لكنه وكمواطن ليبي من حقه أن يطمح في أن يكون رئيساً للبلاد.

• حاولت ليبيا التخلص من صورة الدولة البوليسية وقالت إنها فتحت السجون وعفت عن المعارضين رغم أن معظمهم لم يصدق ذلك ومن صدق منهم وعاد إلى ليبيا وحاول ممارسة المعارضة من الداخل تم اعتقاله وإيداعه السجن كأن شيئا لم يتغير مثلما وقع مع كل من ادريس بوفايد وفتحي جهمة، هل كل ذلك كان مجرد شعارات للاستهلاك الخارجي فقط؟

ـ الدولة الليبية فعلا فتحت أبوابها للعالم ولمنظمات حقوق الإنسان على مختلف أنواعها وقامت تلك المنظمات بزيارة طرابلس والتقت بالجهات المعنية. ولا يجب استغلال بعض الأحداث المعينة من دون الرجوع إلى خلفية تلك الأحداث.
من يريد السفر إلى ليبيا من أبناء الوطن تـُقدم له جميع التسهيلات الممكنة لكن في نفس الوقت يجب على الدولة أن تحصن نفسها وأمنها.
تعرفين أن المسألة الأمنية أصبحت عالمية والدول تخشى على أمنها وأمن مواطنيها وعلى كل من رغب في العودة إلى ليبيا أن يلتزم بنظام الدولة. فالإنسان الذي يخرج عن القانون هو من يعرض نفسه للاعتقال.
أما من يريد أن يرجع إلى بلده ويزور أهله ويصل الرحم فأهلاً وسهلاً به ونحن هنا في واشنطن نمنح تسهيلات كثيرة للمواطنين الليبيين وحتى من الناحية المادية نساعد بعض الأخوة الذين تعرضوا لمشاكل للعودة إلى بلدهم.
أبواب ليبيا مفتوحة الآن وكل الدول أعادت النظر في العديد من الأمور وكذلك فعلت ليبيا فنحن لا نشذُّ عن باقي دول العالم.

• لكن هل يعني هذا أن ليبيا ترحب بمواطنيها للرجوع إلى بلدهم لصلة الرَّحم لكن دون أن يتمتعوا بحق انتقاد النظام السياسي؟

ـ الرأي السياسي مكفول لجميع الليبيين من خلال المؤتمرات الشعبية التي تتيح للجميع التعبير عن الرأي وانتقاد من يشاء كيفما يشاء ولكن في حدود القانون.
وهذا شيء لا تختص به ليبيا فقط فهنا في الولايات المتحدة التي يقال انها أكبر دولة ديمقراطية في العالم فإن أي شخص يخرج عن الإطار القانوني في التعامل مع الدولة أو مع الممؤسسات التابعة للدولة فإنه يتعرض للاعتقال.

• لكن هنا في أميركا الدستور يمنحك حق انتقاد الرئيس وسياسته كيفما تشاء بل هناك برامج تلفزيونية قد تسخر ممن يجلس على هرم السلطة داخل البلاد وتنتقد سياسته بلهجة شديدة.

ـ الهجوم ليس هو الطريق الأنسب لمعالجة المشاكل. يجب علينا أن نؤمن بأن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية لكن علينا أن نختلف بطريقة واعية ومحترمة.
نحن لدينا تقاليدنا الخاصة في عالمنا العربي والإسلامي ولا نستطيع أن ننعت رؤساءنا أو مواطنينا أو حتى جيراننا بأساليب درج عليها الغرب مثلاً.
لديهم ثقافتهم التي تناسب مجتمعاتهم لكن نحن لدينا خصوصية في التعامل مع بعضنا البعض نابعة من تراثنا مثل احترام الكبير.
هذه أساسيات لا نستطيع التخلي عنها. هذه خصوصيات تتميز بها منطقتنا كلها وليس ليبيا فقط.

• لننتقل لو سمحتم إلى العلاقة مع الولايات المتحدة. هل يمكن أن نرى قريباً العقيد معمر القذافي في البيت الأبيض؟

ـ طالما تربطنا علاقة عادية بالولايات المتحدة، فلم لا؟
لقد تم تطبيع العلاقات منذ سنة 2003 فزيارة الأخ القائد إلى أميركا ممكنة وزيارة الرئيس الأميركي إلى ليبيا ممكنة أيضا فليس هناك ما يحول دون ذلك الآن. لدينا مصالح مشتركة وكل شيء يأتي في وقته.

• لكن بعض المراقبين يقولون إن هذا التطبيع بينكم وبين واشنطن لم يأتِ إلا بعد دخول ليبيا بيت الطاعة الأميركي عن طريق التخلي عن البرنامج النووي رغم أن لا أحد صدق بأن طرابلس كانت تسعى لبناء واحد...
ـ نحن لم نكن في يوم من الأيام أعضاء في بيت الطاعة الأميركي ولن نكون فيه أبداً.
نحن تربطنا علاقات عبر حوار بنـّاء وصريح مع واشنطن وسوف يكون لدينا تعاون مع أميركا كما سيكون لنا خلافات معها وهذا شيء عادي في العلاقات بين الدول.
وليبيا كانت الدولة الوحيدة التي دافعت عن رأيها بكل قوة وبكل جرأة رغم ما جرّ عليها ذلك الموقف من عداوات ودفعت مقابله من ثمن.
نحن رأسمالنا هو كرامتنا وسيادتنا ولا نعرف بيت الطاعة الأميركي ولسنا فيه.
تخلينا عن السلاح النووي لأننا لا نحتاجه فنحن محاطون بالأصدقاء والأشقاء وعلاقاتنا مع جيراننا متميزة ولا نحتاج لسلاح نووي فالعالم تجاوز مرحلة الصراع النووي ونحن نرى مشاكل أميركا في العراق وأفغانستان وعدد من المواقع الأخرى وهي أقوى دولة في العالم لكنها لا تستطيع استعمال سلاحها النووي.
انتهى عهد الحرب الباردة والسلاح النووي. الأولوية الآن للمصالح الاقتصادية في العالم كله. هذا مجرد صيد في الماء العكر من قبل جهات ترفض أن تعترف بحكمة القرار الليبي.

• هل أنتم راضون عن الطريقة التي تم التعامل بها داخل ليبيا مع قضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني؟

ـ هذه القضية طويت صفحتها تماماً وانتهت بما فيها وما عليها وقد تمت تسويتها بشكل سلمي حفظ مصالح الطرف الليبي.

• لماذا فشلت ليبيا في تأسيس درع إعلامي قوي كما فعلت قطر عن طريق قناة الجزيرة والسعودية بواسطة قناة العربية والإمارات بقنواتها المتعددة؟ لديكم الثروة فإلى ماذا تفتقدون؟
ـ نحن لسنا بحاجة لدرع إعلامي للدفاع عن مصالحنا في العالم العربي. هذه القنوات تطرح قضايا للمشاهد والمستمع العربي.
نحن بحاجة لقناة عربية تشرح للعالم الغربي والولايات المتحدة مواقفنا وتفضح الدسائس التي تحاك ضد منطقتنا وللرد على الهجمات التي تستهدف هويتنا وديننا.
نحن بحاجة لقناة مثل الجزيرة الإنجليزية لشرح وجهة نظرنا للغرب.

• لكن هناك خلافات بين ليبيا وبعض الدول العربية منها السعودية مثلاً...

ـ نحن لا نريد أن ننشر خلافاتنا عبر وسائل الإعلام نحن نحب أن نعالج خلافاتها بشكل ودي وخلافاتنا مع السعودية مجرد سحابة صيف ولدينا سفراء مع بعض ونكن الاحترام الكبير لبعضنا البعض. ليبيا دفعت ثمناً باهظاً كي تلم الشمل العربي كما لمت الشمل الإفريقي.

• شغلتم مناصب دبلوماسية في عدد من عواصم العالم قبل أن يستقر بكم المقام هنا في واشنطن، ما هي أوجه الاختلاف في التعامل مع العواصم التي عملتم فيها وواشنطن؟

ـ العواصم التي عملت فيها من قبل لم تكن بينها وبين ليبيا خلافات ومقاطعة، لكن الأمر مختلف بالنسبة لواشنطن فصورة ليبيا داخل أميركا تعرضت لتشويه شديد من قبل هوليوود وبعض وسائل الإعلام لهذا كان علينا بذل المزيد من الجهد لتغيير تلك الصورة النمطية وتطبيع العلاقات بين البلدين.
عندما وصلت إلى واشنطن كان هناك مجرد مكتب رعاية مصالح بسفارة دولة الإمارات ووصلنا الآن إلى تمثيل ديبلوماسي كامل: سفارة أميركية في طرابلس ومكتب تمثيل شعبي في واشنطن لكن هذا ليس إنجاز المكتب الشعبي وحده لكنه بفضل جهود كبيرة لمسؤولين ليبيين كثر وأنا أشكر بلدي لأنها منحتني فرصة خدمتها في المجال الدبلوماسي.
لكن بصفة عامة الدبلوماسيون الأميركيون يعاملونك باحترام كبير رغم اختلافهم معك في الرأي والمواقف.(تقرير واشنطن)