'كرز'.. إضافة جادة من البحرين للثقافة العربية

كتب ـ السيد نجم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

"كرز" مجلة فصلية تصدرها أسرة الأدباء والكتاب بالبحرين. صدر عددها الثاني شتاء 2007، متضمنا مواد متنوعة حول موضوع "الحرب"، بينما عددها الأول كان حول موضوع "الحب"، وخطة التحرير أن تتناول الأعداد القادمة موضوعين، على النهج نفسه، وأن تتنوع المواد حول موضوع منفرد.
ندعى أن إدارة التحرير حرصت على أمر لافت غير تقليدي، ألا وهو الاحتفاظ بالمجلة كوثيقة أدبية، حول موضوعها. وهو ما تجلى واضحا في شكل ومضمون التناول داخل العدد الواحد.
فقد خرجت "كرز" على شكل "كتاب" وبحجمه، وربما الإخراج الفني أبرز هذا الجانب، بحيث بات للغلاف ورقة مميزة (أثقل - والتغليف بكعب محرر عليه اسم المجلة ورقم العدد).
كما تم تحرير المجلة على شكل "المقدمة والفصول والأبواب"، وأن عنونت بعناوين أدبية: "نافذة كرز" بدلا من المقدمة. ثم "نصل الموت، جنون الحرب، آريسيات، "تشييع الحرب، عربات الموتى" معبرة عن فصول تتضمن الأعمال الأدبية كأبواب الكتب. وأخيرا "فوتوغرافيا الرعب" وهو ملف متميز يتضمن صورا فوتوغرافية "أبيض وأسود"، كأن العدد يحتشد من أجل الوصول إلى تلك النتائج/المأساة التي يعيشها الإنسان بسبب الحروب.
كما جاء تبويت المواد معبرا عن المرور المتصاعد من التعريف بـ "الحرب" حتى نتائجها المأسوية.
يقول الشاعر قاسم حداد (من البحرين) في قصيدته/ المفتتح "نبرأ بأطفالنا مما يفتون": طفل مأخوذ
يلوح للحشد فيما يضربونه بالحرب،
لكن أحدا لم ينقذه
بينما يتناول السيد نجم (من مصر) في موضوعه البانورامى حول "طقوس الحرب"، وكيف تعامل الإنسان مع فكرة وواقع الصراع/الحرب منذ أن سجل ثوره الهائج على جدران كهف أسترالي "التاميرا" باستراليا، بينما بقى على طقوسه حتى مع الدول المتقدمة، كما يمارس الطيارون طقوسهم الجنائزية عشية الغارات الانتحارية.
استمرارا للبعد الزمني مع فكرة الحرب، كان الموضوع التالي "الحرب: استراتيجيات المفهوم"، بقلم عبدالحق ميفرانى (من المغرب). وفيه عرض بالتحليل لأول كتاب عرفته البشرية حول تحليل أسباب الحروب، والخطط العسكرية في التمويه والدفاع ثم الهجوم، مع إبراز أهمية التجسس والعقيدة القتالية، فهو صاحب شعار "اعرف عدوك".
فيما تناول محمد عباس (من السعودية) زاوية طريفة ومثيرة للسؤال الذي كشف عنه عنوان المقال "عسكر.. ومثقفون.. وبشر". بينما يدرس البعض حماس الساسة والجنود للحروب، يبدو تحمس المثقف غير مبرر! وقد أورد أن الكاتب شتينبك رافق طيارا حربيا لرؤية الإبادة الجماعية لثوار "الفيتكونج"، وأمثلة غيره بطبيعة الحال.
"هل ما نقرأه من قصائد أنثوية عراقية هو نسق شعري أم صياغة جديدة لصرخات عشتار في وجه الطوفان؟"، هكذا بدأت د. وجدان الصائغ (العراق) مقالها التحليلي عن مجموعة الأشعار التي كتبتها بعض الشاعرات، حول تجربة الحرب العراقية. وقد أحسنت الاختيار، فالمرأة العراقية أدانت ثقافة الحرب، وكل مظاهر العنف التي عاشتها العراق مؤخرا ومازالت.
ثم تأتي النماذج الشعرية، متوالية معبرة في مجملها عن حق الدفاع والمقاومة في مواجهة الطاغية المحتل، ثم عرض لبعض نماذج للتجربة الحربية في البلدان العربية، وهو ما يكشف قدر القهر والألم النفسي الذي تعانيه شعوب تلك المنطقة من العالم.
ويبدو ونحن في آتونها لا نرصدها جيدا، أما ونحن أمام مثل تلك الأعمال الإبداعية نتساءل، ولعل هذا هو الدور الحقيقي لأدب الحرب وأدب المقاومة: الرصد والتسجيل من أجل الأيام القادمة والتاريخ.
تقول الشاعرة فوزية السندي (من البحرين) في قصيدة "شدوا أقواسكم أيها الرماة": و..
المسافة موغلة في الغدر
رغما عما..
لم نقصد قتلكم
بينما ترصد الشاعرة نجوم الغانم (من الإمارات) مأساة الحرب، في قصيدة "الحرب التي أذبلت قلوبهم": جاء الجنود ونصبوا الرايات
أقاموا التماثيل
وأسالوا الدماء
ثم زرعوا الحقول
لكنها لم تمطر منذ تلك الشتاءات
فيما عبر الشاعر أحمد مدن (من البحرين) عن المأساة الحربية اللبنانية في قصيدة "في أن تقرب لبنان وريدا": صوت،
أن تقول لنا الأرض هيئتها وأن تعقد فينا خواصها، وأن تجالس
الحقيقة وتوابعها وأن تطال النشيد، وأن تملأ البيدر
وحصيده، وأن تذرذر الصيف وغزوه.
ويتابع الشاعر إبراهيم بوهندي (من البحرين) رصد حرب لبنان الأخيرة، في قصيدته "قمر يبكى في بيروت": في قلبك يصرخ يا بيروت
طفل لا يدرى أين يموت
يغيب الطفل عن البلدات
تسير بعينيه الطرقات
ركام كنائس فوق بيوت
وجاء صوت عراقي بقصيدة الشاعر خالد خشاب، في قصيدته "صباحات الجنود": روحي غيمة زرقاء
تمطر ربيع شوق
لعشب نهديك
حيث صوتك المتساقط
وقد تأكدت مأساة الحرب، مع الطفل/الطفولة في أكثر من قصيدة، منها ما قاله الشاعر محمود عبدو عبدو (من سوريا) في قصيدته "الموت.. تحت أقدام الصغار في قانا"
الصغيرة الأولى:
فارقت الموت وقاربت الحياة
تركت آثار هندسة الموت
مرسومة فوق صفحة وجهها
وتتكرر الوقفة مع الطفل، في قصيدة تالية، للشاعر محمد شاكر (من المغرب) في قصيدته "من أثر الدم": وجه النهار خدوش
وبشاعات حرب
بدون رتوش.
وعلى سوءة الطفل لا من يربت
ليأتي صوت عراقي في المهجر، في هولندا، للشاعر صلاح حسن، وقصيدته "أغنية قديمة عن السهول": عندما تبدأ الحرب
سوف أحتاجك
سوف أكون شيئا مهملا
وأنت ستكونين باردة
ويتابعه صوت عراقي آخر في بلاد السويد، الشاعر حسن رحيم الخرساني، وقصيدته "أمام اتجاه مفتوح": سارقا شوارعي الخضراء
في الليل
تقذف جنوده جنازاتي بالمدفعية
أما الشاعرة وفاء عبدالرازق (من العراق) فتعود بنا إلى "الطفل" ومأساته مع الحروب، في قصيدة "من مذكرات طفل الحرب": (مأوى)
أسرح شعر الطرقات
وأنظف الشظايا
من صور تشبه البحر
بينما الطائرات
تسرح شعر البيوت
وتنظفها من أبنائها
ويجيء أكثر من صوت فلسطيني، وما أجدرها فلسطين أن تنبت شعراءها في لوعة الصراع/الحرب.
يقول الشاعر فريد أبوسعدة (فلسطين) معبرا عن مأساة الحرب الجماعية، في قصيدته "صورة جماعية": الموتى
يرفضون موتهم
قبل أن تؤخذ لهم صورة جماعية
يستعيدون فيها
اللحظة التي سبقت القذف
ويقول الشاعر عبدالسلام العطاري (فلسطين) في قصيدة "مطر.. جنون وصمت": الفرشاة باقية واللوحة تعيد المشهد البري
كالعادة يرتجلون بشموخ،
يرحلون دون ضجيج
أما ثالث الشعراء الفلسطينيين، الشاعر ناصر عطا لله، يقول في قصيدته "مخالب الإسفلت": والليل يسورني
تركت شجرا يصلي
لإله يزينه قمر كفيف
"كم أحتقرك أيتها الحرب" تلك هي قصيدة الشاعر كريم رضي (البحرين)، مختتما شلالات الغضب التي بدت جلية في قصائد سبقته، وقد وضع لها مفتتحا نثريا يقول "لم أعد أؤمن بأن ثمة حرب عادلة، وكل الحروب التي آمنت بعدالتها يوما أعتذر لدمائها التي جفت والتي لم تزل."
لتأتي خاتمة فصل "آريسيات" بقصيدة مترجمة للشاعر الأميركي مو سيجر، بعنوان "عندما سقط إبراهيم"، وترجمة سامي أستليوس. واللافت أن الشاعر يكتب عن "إبراهيم" الشهيد الفلسطيني.
كان "تشييع الحرب" الفصل التالي من المجلة/الكتاب، وقد عرض لعدد من الأعمال السردية حول تجربة الحرب. "الكابوس" لجمال الخياط، "ذاكر اله" لنا عبدالرحمن، "حتما نحن لا نشبه أحدا" لمنال الشيخ. حيث تشي موضوعات الأعمال المنشورة، بقدرة السارد على رفض الحرب والعدوان، وهي في ذاتها الوجه الآخر من الصراع، أي الصمود والرفض للصراع والحرب، بل وتجاوز ذلك إلى العمل من أجل معاودة غلبة الحياة. حيث تختم منال مقولتها: الآن فقط سنركنك جانبا أيها الجنون (وتعني المعاناة التي رصدتها)
الآن فقط سنركنك لنبدأ العمل! حتما نحن لا نشبه أحدا.. ولا يشبهنا أحد.
ثم كان فصل "عربات الجثث"، بعض من المقتطفات المترجمة حول "الحرب" لبعض الشعراء، "فيسوافا شيمبوركا/بولندة"، "الين جينسبرج/أميركا"، "لوركا/إسبانيا"، "برخت/ألمانيا"، "بودلير/فرنسا". بالإضافة إلى "وفائي ليلا/ سوريا".
نتخير منها ما ردده "بودلير": كان المحاربون يتجمعون في البرية الخضراء
وهم شاكو السلاح، وعلى سيماهم قوة الشكيمة،
مخططون كأنهم ورق الخريف،
وكان الحقد الذي يؤجج الحرب بين الكائنات جميعه
الحقد الذي كان يؤجج أعين أجدادهم
ما ينفك يؤجج أعينهم بنار قاتلة.
ويبقى ختام متميز لرحلة معبرة وجادة وصادقة، بنشر ملف من الصور الفوتوغرافية بعنوان "الطفل والحرب" للفنانة المصورة فوزية أبوخالد، وقد حرصت أن تعبر كل الصور عن مأساة الحرب على الطفل.
وهذه الكلمات دعوة إلى تحية تقدير لكل من أسهم في إعداد هذا العدد المتميز، فنيا وأدبيا، ولقدرة هيئة التحرير: أحمد العجمي، كريم رضي، جعفر حسن، فريد رمضان، إيمان أسيري، في الحفاظ على إيقاع ورؤية المواد تصاعديا من الغلاف الأمامي حتى صفحة الغلاف الأخيرة، وقد نشر على متنها مقولة زهير بن أبى سلمى: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
السيد نجم abnegm@gmail.com