التطور اللارأسمالي بين النظرية والتطبيق!

بقلم: جمال محمد تقي

التطور الرأسمالي وسيادته عالميا حقيقة تاريخية معاشة ومنذ زوال نمط الانتاج الاقطاعي، ومن ثم تلاشي مخلفاته السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والاخلاقية، والرأسمالية كتشكيلة اجتماعية اقتصادية هي حتمية تاريخية توالدت في خضم الانتقالات الكمية والنوعية لانماط المعاش البشري المندحرة، بقوة التراكم الجديد الزاحف الى الاعلى، وهي مرحلة تطور شمولي متصاعد من رحم ما سبقها من فصول تطورية عامة مرت بها البشرية، كالمشاعية الفطرية والعبودية والاقطاعية .
ان الحتمية الرأسمالية تعيد انتاج حتميات جديدة لا تنتفي الا بنفي الرأسمالية ذاتها نحو مجتمع التوازن اوالانفلات حيث تندمج في مرحلة ما بعد الرأسمالية ذروتها بحضيضها، وستعتمد النتائج على البواكير فالذروة تتيح امكانيات التسيير الذاتي والتوازن مع الطبيعة، وما توفره الثورة التكنلوجية الشاملة من ادوات فعالة واسس عملية لتنفيذ الشراكات الاجتماعية المتكافئة وتعميم التكافل الانساني كافراز حتمي لذروتها الايجابية، وكنتاج عرضي محتم لزوال الفروق، بين نوع العمل الذهني والبدني، وبين الريف والمدينة، وبين المرأة والرجل وبين المركز والاطراف، سيكون له بالغ الاثر بالافضاء الاحق الذي ان سلم من قوى الطبيعة العمياء ومن الامكانيات التدميرية للرأسمالية المستنسخة بجيوش مولدة مختبريا والتي تحاول السير عكس الاتجاه الطبيعي، فانه حتما سائر نحو التوازن، اما الحضيض فهو مشرع الابواب للانفلات بكل معانيه، الكلية والجزئية، العامة والخاصة، الارضية والكونية، حيث تنفجر منها تناقضات مدمرة بين الذات والموضوع، وبين الوعي والمادة، و بين الانسان ووجوده! اين يمكن ان يتحقق التطور اللارأسمالي؟ لا امكانية لتحقق المقولة فعليا دون وجود راسمالي مهيمن على العالم، المتخم في مركزه والشحيح في اطرافه، فيكون عندها التغيير الايجابي "الثوري" للمركز او للمراكز ـ العصبية ـ العاملة كالثقوب السوداء عالية الجذب للسيطرة والقوة والنفوذ، والتمركز الرأسمالي في اعلى مراحله المتوالدة دون اجترار، سبب حتمي لامكانية الاطراف السائبة للتواصل مع الهدف الثوري الايجابي الجديد للمركز دون الحاجة للمرور بما مر به قبل التغيير!
فانتصار "الاشتراكية" مثلا في اوروبا الغربية واميركا واليابان سيوفر فرصة تاريخية للبلدان المتخلفة، سيساهم بانعتاق بلدان الجنوب نحو مجتمع التكامل الانساني وبمساعدة تلك الدول ذاتها، فالبلدان التي تعيش علاقات انتاج محلية لما قبل الرأسمالية ـ وهي بالتالي سائرة بفلك الرأسمالية العالمية كتابع مستهلك ـ بكسر الام ـ للفضلات، وهامشي الدور في دورة الاقتصاد العالمي ومستهلك ـ بفتح الام ـ ماديا وروحيا بحيث لا تكون مكانته في توزيع العمل العالمي سوى منجما للخامات وقوة عمل رخيصة وقبور لفضلات الصناعات الرأسمالية الخطرة ستجد طريقا مفتوحا امامها غير الطريق الرأسمالي!
عليه فان شروط تحقيق المقولة الاساسية هي: رأسمالية عالية التطور، وثورة تزيحها باتجاه اخر معاكس!
ان ما ورد في الادب الماركسي الاول ـ ماركس وانجلز ـ عن هذه الامكانية لا يختلف في جوهره عن الذي تطرقنا اليه في المقدمة، لكن الذي ورد في الادبيات اللينينية وفي التجربة الفعلية لبلدان اسيا التي اندمجت في الاتحاد السوفياتي، وما شهدته تجارب منغوليا وحتى بلدان المعسكر الاشتراكي فيما بعد اضافة الى يوغسلافيا والبانيا، يختلف شكلا ومضمونا عن الاصل.
فلا الرأسمالية في وقتها كانت قد حققت ذاتها، ولا ثورة نوعية كانت قد حصلت في مراكزها العصبية، وما قامت عليه اللينينية من تحويرات جديدة طبقتها عمليا بعد ثورة اكتوبر ـ كالثورة الاشتراكية في اضعف مراكز الرأسمالية "روسيا"، والتعايش السلمي بين نظامين احدهما حتمي موضوعي وسائد ولم يبلغ اقصاه بعد وهو النظام الرأسمالي العالمي، واخر بديل لم تنضج ضروراته الحتمية بعد وهو النظام الاشتراكي، هذه التحويرات رغم ايجابيتها كتجربة وخبرة فعلية للحركات التغييرية على صعيد العالم اجمع لكنها ايضا برهنت على شطط القراءة اللينينية للماركسية، وان اجتهادها قد تجاوز احد اهم اركانها وهو الاسترشاد بالفهم الجدلي للتاريخ واستخلاص قوانينه والتعامل مع حتمياته دون انتقاء، واستثمارها لخدمة الاهداف الثورية، فكيف لدولة غير متطورة راسماليا ولم تصل للمديات الموضوعية للاشتراكية تتعايش وبسلام ندي مع انظمة في اوج قوتها الرأسمالية ولم تصل لمرحلة الشيخوخة بعد، وتكون هي بذاتها ايضا رائدة للبلدان المتخلفة التي تتبعها او التي تعسكرها لتتجاوزالرأسمالية نحو الاشتراكية ؟!
لقد انتجت الثورة الاشتراكية في روسيا نظام راسمالية الدولة البيروقراطية، وساهمت هذه الاخيرة بعدوى البلدان المتخلفة لتبني راسمالية دولة بخصائصها المحلية المتنوعة، بالضد من الرأسمالية الاحتكارية العالمية "الامبريالية" القديمة والجديدة!
ان عبور الرأسمالية لا يتم الا بسبر اغوارها عالميا اي بعد استنفاذ شروط بقائها وعند ذاك فقط يمكن للثورة ان تقوم وان تلحق بها الامصار والبلدان ذات الاقتصاديات الهامشية!
لكن هذا لا يعني ان تنتظر الشعوب المقهورة والمحتلة والمستعبدة باغلال الامبريالية الجديدة قيام ثورة المراكز حتى تتحرك بل العكس فان ارتفاع وتيرة نضال هذه الشعوب من اجل تحررها واستقلالها وبناء سوقها المنتج، سيكون احد اهم حوافز انطلاقة ثورة المراكز. ان اخفاق الامبريالية الجديدة مثلا في حروبها لاحتلال مصادر الطاقة الحيوية واحتكارها لما يجدد حياتها، سينضج التراكم الكمي المطلوب للانهيار الشامل للامبريالية وبكل اشكالها، فالنضال من اجل التحرر الوطني والتوازن العالمي هو نضال حتمي لكل الشعوب السائرة باتجاه تحقيق ذاتها وحتما سوف لا يرتبط هذا النضال بهدف غير مرئي وهو هدف تحقيق الاشتراكية، فالاشتراكية نتيجة لا يمكن تحقيقها الا بانهيار الرأسمالية بعد ان تشيخ تماما! تجارب مريرة: كانت لنتائج الحرب العالمية الثانية دور اساسي في بروز الدعوة لاعتماد مقولة التطور اللارأسمالي بشكلها المستحدث، والبحث عن تأصيل لها وجذور في الفكر الماركسي المؤسس على طروحات ماركس ـ انجلز ومن بعده لينين وبدرجة اقل على الطرح الستاليني وما بينهما من طروحات متوافقة او مؤولة لتحقيقه، كما تجري العادة عند القائمين على الحركة الشيوعية وخاصة في البلدان المحكومة من احزابها، اي اعتبار التأصيل النصي جزءا لا يتجزأ من عملية الصراع الايديولوجي والسياسي مع الرأسمالية!
ان قيام المعسكر الاشتراكي وانتزاع الاستقلال السياسي للجزء الاعظم من البلدان المستعمرة وقيام انظمة تحررية معادية للاستعمار بشكليه القديم والحديث وفي بلدان مهمة في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية كالصين، والهند، واندنوسيا، ومصر، والعراق، والكونغو، ثم دخول العالم بالصراع البارد للاقطاب وقيام الاحلاف العسكرية المتضادة ـ الاطلسي ووارشو ـ وانطلاق حركة عدم الانحياز بحيادها الايجابي، واندفاعة الفورة الثورية عبر العالم، نتيجة هزيمة النازية والفاشية والجبروت الياباني، وخفوت وانحسار الهيمنة التقليدية للامبريالية العالمية، حيث راحت تعيد بناء نفسها وتجدد من منابع قواتها المثلومة بحروب التقاسم والاحتكار. كل هذه المظاهر تندرج كتداعيات للحرب العالمية الثانية، وطرحت نفسها كاسئلة ملحة وقتها عن مستقبل سياساتها، وخاصة شكل تطورها اللاحق، المنطلق من واقع متنوع وغير متناسق حيث تتباين فيه درجات النمو الاقتصادي من دول تعيش على معاش مراحل ماقبل الرأسمالية الى دول رأسمالية بدائية ودول متوسطة النماء!
لقد حاولت السياسة السوفياتية بلورة كتلة احتياطية من البلدان التي تسير باتجاه التحالف معها ومقارعة الغرب الامبريالي وزعيمته النوعية الجديدة اميركا، فلم يكن السوفيت من مشجعي قيام ـ تكتلات ثالثة ـ كحركة عدم الانحياز بل كانت تجاهد لاستقطابها الى جانبها في الصراع الدائر مع الدفع باتجاه حسم خياراتها الداخلية بقطع الطريق على الخيار الرأسمالي وتبني دولة القطاع العام ـ القطاع الاشتراكي، ومعنى هذا ان التاصيل قد توجب هنا ودور الاحزاب الشيوعية او ما يعادلها قد رسم لتكون وكيلتها لانجاز هذه المهمة محليا!
لقد اشار اجتماع الاحزاب الشيوعية والعمالية العالمية 1960 بشكل واضح ومفصل لهذا الاتجاه، اي التنظير والتسيير لتبني نهج التطور اللارأسمالي كخيار حاسم للبناء اللاحق للبلدان المتحررة والتي انتزعت استقلالها ـ الكامل سياسيا ـ تحت قيادة احزاب ثورية او قيادات وطنية بنفس شعبي وتقدمي متحالف مع السوفيات ومعسكرهم، كما حصل وتجسد فعلا في مراحل العلاقة مع عبد الناصر بعد انجاز صفقة الاسلحة الجيكية وتصادمه مع الدول الغربية بسبب تاميمه لقناة السويس المعلل برفض البنك الدولي لتمويل بناء السد العالي!
كانت الصين وقتها نموذجا حيا لنجاح السير بخطى حثيثة نحو الثورة الاشتراكية في بلد زراعي لا وجود فيه لطبقة عاملة قوية وقادرة على القيادة، وما وضعته القيادة الماوية من توصيف لنفسها ليسد فراغ غياب قاعدة البناء الاشتراكي الممثلة بالبنية الانتاجية الصناعية ووجود علاقات اقتصادية اجتماعية ملائمة للانتقال نحو الثورة الاشتراكية ليشكل المرحلة الانتقالية المطلوبة لانجاز مقدمات الانتقال نحو الاشتراكية فكانت ـ مرحلة حكم الديمقراطية الشعبية ـ المستند لتحالف الفلاحين والعمال والمثقفين الثوريين، وهنا تشكلت الخصوصية الصينية للثورة الاشتراكية، ورغم الخلاف الصيني السوفياتي الذي انطلق عميقا بعد سيطرة الخروشوفية تماما على الحزب والدولة والذي ادى الى عزلة الصين عن معظم مكونات الحركة الشيوعية لكن بقي للصين حضورها المعنوي وكتجربة تزكي الخيار الذي يمكن ان تعتاش عليه تجارب مماثلة للبلدان الاخرى، والتاثير الاقليمي للتجربة الصينية لايمكن تغافله وهو جلي على مناطق الهند الصينية وشبه الجزيرة الكورية، حتى غدت الماوية فرقة من فرق الشيوعية المنتشرة والتي يحسب لها حساب كالتروتسكية، والستالينية، والاوروشيوعية، وخاصة بعد قيام الثورة الثقافية 1965!

يقول السيد عزيز الحاج وهو احد قياديي الحزب الشيوعي العراقي المعاصرين لفترة بروز تداول مقولة التطور اللارأسمالي في كراس له يحمل عنوان "حول التطور غير الرأسمالي في العراق ـ ملاحظات شخصية" والصادر في شباط من عام 1965 عن منشورات الغد : "ان مفهوم التطور غير الرأسمالي يعني ان التطور الرأسمالي في البلدان المستقلة حديثا ليس قادرا على حل قضايا التنمية الاقتصادية والتطور الاقتصادي وتحقيق استقلال اقتصادي ناجز وتخطيط الاقتصاد لفائدة الشعب بحل المسالة الزراعية حلا جذريا، وبناء قاعدة تحتية لصناعة وطنية غير تابعة تخدم مصالح المنتجين والمستهلكين . . . لذلك انفتحت افاق التطور غير الرأسمالي منذ انتصار ثورة اكتوبر، واتسعت هذه الافاق وتعاظمت امكانياتها الفعلية بقيام معسكر الاشتراكية وانهيار الحكم الاستعماري ـ الكولو نيالي ـ وبدخول الرأسمالية العالمية المرحلة الثالثة من ازمتها العامة".
ويقول في مكان اخر من نفس الكراس عن امكانيات التطور غير الرأسمالي في العراق : " ان مفهوم التطور غير الرأسمالي ليس مساويا لمفهوم البناء لاشتراكي رغم ان الاول يؤدي الى الثاني، فالتطور غير الرأسمالي هو الطريق الامثل لحل مشاكل واهداف الثورة الوطنية الديمقراطية حلا حاسما وخلق الممهدات الضرورية للانتقال التدريجي الى بناء الاشتراكية، ورغم اننا في السابق لم نكن نستعمل اصطلاح التطور غير الرأسمالي الا ان حزبنا قد حدد المرحلة التي تواجه حركتنا تحديدا صائبا وهذا التحديد يدخل في جوهر طريق التطور غير الرأسمالي . . هدف هذه المرحلة ان يكون القطاع العام هو القائد والموجه في عملية الانتاج والمشجع للقطاعين المنتجين الخاص والمختلط ـ اي يجب ان يساهم الرأسمال الوطني بالتنمية بقيود وحدود لا تؤذي القطاع العام " .
عام 1974 يصف تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي المرحلة التي يعيشها العراق وقتها بانها " مرحلة استئناف مهمات متقدمة من مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية المندمجة مع بناء شروط التطور اللارأسمالي، للسير نحو طريق البناء الاشتراكي " .

ان اندماج تنظيم الثورة المسلح الذي قاده فيدل كاسترو وانتصر فيه على نظام حكم باتستا الديكتاتوري التبعي في كوبا، بالحزب الشيوعي الكوبي الذي ايد الثورة رغم عدم مشاركته الفعلية فيها، قد اعطى نموذجا محفزا للبلدان الاخرى التي يقود الحكم فيها احزاب او تنظيمات وطنية اختارت طريق التطور اللارأسمالي للتقارب مع الاحزاب الشيوعية في هذه البلدان وتحت رعاية سوفياتية مشجعة، لتوحيد جهود التعبئة السياسية والتنظيمية الحزبية والشعبية للسير الحثيث والواثق وبقاعدة واسعة في طريق التطور اللارأسمالي المحفوف بالمخاطر، وهذا الحال كان ينطبق على قيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في العراق عام 1973 بين حزب البعث الحاكم والشيوعي العراقي الذي شاركه الحكم، حتى ان الشيوعي العراقي كان لا يخفي في ساعات الصفا مع حليفه البعث من الايحاء بان قيادة صدام حسين مؤهلة لتكرار تجربة كاسترو ـ واشيع وقتها لقب كاسترو العراق على صدام حسين ـ !.

ورد في مقالة للسيد ياسر عبد ربه الذي كان وقتها امينا عاما مساعدا للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، تحت عنوان "سياسة السلام ومصالح حركات التحررالوطني في برنامج الحزب الشيوعي السوفياتي" المنشورة في العدد 11 من مجلة النهج الصادرة عام 1986 وصفا معبرا لما يطلق عليه سابقا بلدان التوجه الاشتراكي حيث يقول بالنص: "ان بلدان التوجه الاشتراكي، هي تلك البلدان التي تتحدد طبيعة السلطة فيها على اساس استنادها بشكل رئيسي الى التحالف الوثيق بين الطبقة العاملة الفنية، وجماهير الفلاحين والمثقفين الثوريين، والتي تقودها احزاب ديمقراطية ثورية، تضم ابرز ممثلي هذه الطبقات والفئات الاجتماعية، والتي تطمح الى بناء عملها على اساس الاشتراكية العلمية، وهي البلدان التي تضع بالتالي برنامجا لانجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية بالاستناد الى طاقات الجماهير الشعبية وامكانيات البلد، وباستقلال تام عن السوق الرأسمالي العالمي، بالسير على طريق الغاء التبعية لهذا السوق، وبتعزيز التعاون وعلاقات التحالف مع المنظومة الاشراكية وطليعتها الاتحاد السوفياتي".
ان من ضمن بلدان التوجه الاشتراكي المقصودة هنا هي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الذي قاد الثورة فيها التنظيم السياسي الجبهة القومية والذي تحول لا حقا باندماجه مع تنظيمات يسارية اخرى الى الحزب الاشتراكي اليمني تحت قيادة طليعية لمؤسسه عبد الفتاح اسماعيل، واثيوبيا تحت زعامة تنظيم منغستو هيلا مريام القائد العسكري الذي اطاح بحكم الامبراطور هيلاسي لاسي ليقيم على انقاضه نظاما بتطلعات اشتراكية، ومن ضمن هذه البلدان ايضا وبدرجة اقل انغولا وموزمبيق وغينيا بيساو، والجزائر وسوريا!
تدخل بلدان التوجه الاشتراكي او البلدان التي اختارت طريق السير الاشتراكي بديلا لها عن الرأسمالي ضمن جدولة الدول الهامة وقتها، في مكونات الدول النامية او دول حركة التحرر الوطني حيث تشكل وتر لمثلث العملية الثورية العالمية التي كان يقودها الاتحاد السوفياتي وبلدان المنظومة الاشتراكية وتسير معها حركة الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية وحركات التحرر الوطني، هذا الوتر تلاعبت في تقاسيمه كثيرا اصابع الاضلاع المؤثرة وعلى كل المستويات المستوية والمجسمة!

لقد اتبثتت التجربة ان لا طريق اخر غير طريق التبعية الرأسمالية امام البلدان الهامشية في ظل بقاء النظام الجائر الحالي لتوزيع وتقسيم العمل العالمي وفي ظل ترحيل ازمات المركز الامبريالي الى دول الحواف، لكن الحتمية ستحتم نهاية تاريخ الرأسمالية وصلاحيتها في البقاء وما يعجل بقرب ساعتها هو نضال شعوب كل بلدان العالم ومنها شعوب البلدان الامبريالية ذاتها نحو عالم انساني متوازن ومن المحتم ايضا ان تصدي شعوب ودول العالم المنوم او المتخلف للسياسات الظالمة للامبريالية العالمية وزعيمتها اميركا سيقرب هذه الساعة ويجعلها اسرع مما قد يخطر على بال! خاصية مختلفة لظاهرة متصاعدة: ظاهرة جديدة اخذت تتصاعد بعد ان اصبح القطب الاوحد امبراطورا كونيا وسيدا يريد من الاخرين ان يكونوا عبيدا لسيادته!
فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية واضمحلال دعاوى التطور اللارأسمالي "بشكليها السوفيتي والصيني" وتآكل مايسمى بدول التوجه الاشتراكي، ظهرت للعيان توجهات محلية سرعان ما شكلت تيارا قاريا، انه التوجه الثوري الجديد للقارة الاميركية اللاتينية بدول وحكومات منتخبة ـ كفنزويلا وبوليفيا ونيكاراغوا ـ والذي اخذ ينتشر رويدا رويدا الى اغلب اركانها وحركاتها الشعبية بالضد من السياسة الاميركية واحتكاراتها في القارة والعالم،انها الرائدة في الاتجاه المعاكس والجامح بالضد من الترويض اللا انساني والذي تشيعه امبراطورية الارهاب الكوني التي تريد احتكار الثروة والطاقة والارض والسماء والبشر والعقول والعلم والقوة!
ان هذا الاتجاه المعاكس يتزامن مع شيوع حركة مقاومة أمركة العولمة التي تتسع يوما بعد اخر في اوساط شعبية واسعة وبين النخب الطلابية والشبابية واليسارية ومن جماعات اصدقاء البيئة وخاصة في اوروبا واميركا بل في كل ارجاء المعمورة والشاهد على ماذهبنا اليه هو الاحتجاجات المنظمة والمليونية التي تواجه كل فعالية من فعاليات ادوات امركة العولمة ـ صندوق النقد الدولي، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ـ وايضا بالضد من زيارات الرئيس الاميركي اينما رحل وخاصة في بلاد الاتحاد الاوروبي!
ان ظاهرة المد الثوري المعاكس لاتجاه الهيمنة الاميركية التي حققت نجاحات عديدة عالميا خاصة بعد تفردها بشؤون العالم، تتجلى في السياسات المقاومة للحكومات الديمقراطية الشعبية الحقيقية في اميركا اللاتينية المستندة لتراث ثوري عريق علم الكولونيالية الاسبانية والبرتغالية والبريطانية دروسا بليغة وعلم امبراطورية العم سام الخفية قديما والعلنية حديثا مايوجع من الدروس ومازال يلقنها بالصدمات والمطاولة والمواجهة، فالتوجه الانساني والشعبي ذا الروح الديمقراطية الذي لا يريد قسر وتعطيل موضوعية اليات اقتصاد السوق وانما ترويضها وتبويبها لتكون سوقا فاضلة قدر المستطاع، فهي لم تصادر حق الرأسمالية الوطنية المنتجة بالنمو والتطور كعمود فقري للقطاع الخاص، وتشجيع تبني نماذج القطاعات المختلطة وهكذا بالنسبة للاستثمارات الاجنبية، لكن ببقاء القطاع العام كقوة اقتصادية فاعلة ومنظمة للدورة الاقتصادية في تلك البلدان بما يخدم مصالح الاغلبية الساحقة من ابناء شعبها الذي اختارها لحكمه ولاجل مسمى وفي اطار التداول السلمي للسلطة!
ان تراث خوزية مارتي، وجيفارا، وسلفادور الليندي، وغيرهم من ثوار القارة لن يحنط في متاحف الذاكرة وانما هو حاضر محفز للتصدي والمقاومة، ليلتقي مع روافد المنابع الاخرى في العالم اجمع من مقاومة اهل العراق وفلسطين الى هبات شباب وعقلاء اوروبا واميركا ذاتها لتشكل بمجموعها عوامل تآكل وتعرية للهرم الامبراطوري الفاسد والمنافي في بنائه للجوهر الاجتماعي للديمقراطية!

جمال محمد تقي