عن ريادة القصيدة الرقمية في الأدب العربي ومفهوم الريادة

د. محمد حسين حبيب
للتاريخ عيون مفتوحة باتساع ولا تنسى

المفهوم العلمي للريادة الإبداعية الرقمية قرأنا مؤخرا في بعض الصحف الورقية والرقمية عن ولادة أول قصيدة رقمية عربية وعن أول شاعر رقمي عربي والمقصود طبعا هو مجموعة الشاعر معن مشتاق "تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق" والتي قام الشاعر بإصدارها على قرص مدمج (سي دي).
وذهب بعض الكتاب والكاتبات إلى ملاطفة هذه القصائد ووصفها بالقصائد الرقمية الأولى في الأدب العربي، متجاهلين بقصد أو غير قصد قصائد الأديب الأردني محمد سناجلة في رواياته الرقمية التفاعلية "شات" و "صقيع".
وكانت حجة البعض لدى نقاشهم في هذا التجاهل المقصود أن سناجلة قد ضمن قصائد رقمية ضمن نص سردي (رواية وقصة) ولم تأت القصائد بشكل منفصل وهو ما عدوه ضمن التجنيس الأدبي الذي لا يعتد به.
ولعمري إن هذا لظلم بعيد عن النظرة العلمية والتأريخ الموضوعي للأدب.

ولست هنا وعبر هذه المقالة الموجزة والمكثفة بصدد تقديم معلومات محاضراتية صرفة عن الاجناسية وما شاكل..لأني أعتقد أن فضاء الدرس الأكاديمي أولى بها، فنحن غير بعيدين عن كل هذا بل أفنينا العمر ونحن نلتهم مفاهيم الأدب والنقد القديم والحديث والمعاصر والحداثوي والسوبر حداثوي وصولا إلى ميتا النقد وسواها من البنويات والسرديات.
فالضرورة العلمية تدعوني للتذكير بمفهوم الريادة الإبداعية ولكافة التخصصات الأدبية والفنية والعلمية ..فما معنى أن تكون رائدا؟
سؤال مهم وحسبي أن إجابته ليست خافية على الجميع..
الرائد المبدع هو ذلك الشخص الذي يتصدر طليعة أقرانه من جيله ومن تخصصه الإبداعي أو العلمي ذاته والذي يكون بنتاجه المبتكر ذاك قد أضاف لمسة أو صبغة فنية جديدة على السائد والمألوف لنتاج أقرانه ذاك مع شريطة أن تكون لمسته أو صبغته الفنية أو الإبداعية ممزوجة بالطليعية ويصبح لها أثرها على أقرانه وعلى الأجيال التي تعقبه زمنيا متخذين من إضافته تلك منارا ومثلا وقدوة كونها ارتبطت بالتأسيس الأول الذي يجنح في فضاء المفهوم العلمي للريادة.
فضلا عن أن الرائد هو ذلك الذي أحدث نقلة نوعية في مجال تخصصه يعترف بها أصحاب الاختصاص ذاته شريطة أن تكون اعترافاتهم تلك مصدر ثقة موضوعية علمية بعيدة عن المحاباة المؤقتة والمرتبطة بمصالح شخصية وأحيانا تحمل أهدافا خارجة عن الموضوعية والثقة المرتجاة من أصحاب الرأي والمشورة من الذين يشار لنتاجهم وموضوعيتهم عبر تاريخ إبداعي معطاء ليس بالقصير.
الأسماء الرائدة تكاد تكون محدودة عبر تعاقبات زمنية متراتبة ..فلكل تخصص إبداعي أو علمي رواده. وهذا ما انشغلنا به نحن العرب – ولما نزل- لان إضافاتنا النوعية تكاد تكون محدودة وخاصة في الفنون التي استوردناها من الغرب أو بالأحرى تلك الفنون التي تشكلت غربيا وأصبحت تحمل مرجعية فكرية واضحة ليتخذ منها العرب مثالا في التأثر أحيانا والتقليد أحيانا كثيرة.
فتخصصات فنية كالمسرح والسينما والرواية والقصة القصيرة وبعض الفنون التشكيلية المعاصرة والشعر الحر أو الشعر المنثور وصولا إلى النص المفتوح.. كل هذه اكتسبناها بوصفها إبداعا جديدا علينا مسايرته والتكيف له وبه تحقيقا لمسايرتنا للكون والتطور الذي يزلزل كيانه ساعة بعد ساعة.
ولكي لانقف مكتوفي الأيدي أو متفرجين فقط راح البعض من مبدعينا وكلا في مجاله اللحاق والمواكبة بالركب الصاروخي الإبداعي العالمي الذي أحدثته الثورة الرقمية، ويقف في المقدمة منهم وهو ركيزة مقالتنا هذه الكاتب الروائي العربي محمد سناجله وهو رائد الأدب الرقمي في عالمنا العربي من رواية وقصة وشعر ومجترح أدب الواقعية الرقمية في الأدب العربي وبلا منازع. ولا أقول هذا مجاملة أو محاباة بل كحقيقة تاريخية واقعة شئنا أم أبينا، وللتاريخ عيون مفتوحة باتساع ولا تنسى مهما حاول الآخرون طمسها.
أردت سوق هذه التقدمة كي أصل بالقارئ الكريم إلى الريادة في الإبداع الرقمي متجاوزا الكثير من المحطات الريادية الأخرى وهي طبعا ليست خافية على الجميع.
لندخل مباشرة في موضوعنا/الهدف لسطورنا هذه وهي "الريادة الرقمية للقصيدة الشعرية" في الأدب العربي.
وجميل لو كانت إفاضة بعض الأساتذة عن الاجناسية مجرد إشارة لامحة كي أضيف لها هنا (التضمين) وهو المصطلح الأقرب لاختلافنا.. ومباشرة أيضا أقول أن نجيب محفوظ مثلا لم يضمن وان حدث فتضمينه اقتباس من غيره وليس من إبداعه.. أما ما قدمه الروائي المبدع محمد سناجله في تضمينه الشعر لرواياته الرقمية الذي أكسبته مباشرة ريادته الإبداعية وفق المفهوم العلمي، كون أن الشعر المضمن كان من تأليفه أيضا ولم يكن مقتبسا، ولكم مراجعة ذلك والتنقيب عنه فقد نشر سناجلة أول قصيدة رقمية تفاعلية له في روايته "شات" الصادرة عام 2005 وكان عنوان القصيدة "وجود" وجاءت كفصل منفصل في الرواية، أما القصيدة الثانية والثالثة فجاءتا ضمن قصة "صقيع" المنشورة عام 2006 وكانتا تحت عنوان "أحتاجك" و "بقايا".
وهذا يعني أن روايات سناجله اكتسبت الريادة الرقمية في الرواية وفي الشعر.. فضلا عن طبيعة قصيدة سناجلة التي جاءت قصيدة تفاعلية بحته تنطبق تماما مع مفهوم القصيدة الرقمية التفاعلية الحديثة من مفاهيم لآلية اشتغال وإبداع هذه القصيدة المدمجة بالصوت والصورة والحركة واللون والروابط التشعبية وأضيف أنا الإيقاع، إلى جانب نفس القصيدة الإبداعي الشعري الذي لا يمكن أن يختلف عليه اثنان إذا قمنا بعزل قصيدة سناجله عن جسدها الروائي ونعيد قراءتها بنيويا وفق التفكيك والتشظي وعبر كل مدلولات التلقي الحديث وتأويلاته المفتوحة على القارئ وصولا إلى أفق توقعه.
أقول مباشرة ثانيا:
إن ما قدمه الشاعر مشتاق عباس معن ومع كل محبة أقولها له انه أعاد شكل قصيدة سناجله الرقمية لكن بمعزل عن جسد إبداعي اخر.. أي انه تأثر بعطاء سناجلة الشعري التفاعلي لابعد حد وأعاد الشكل، بشكل شعري مستقل ليس إلا والتأثر ليس سبة أو عيبا.
وهنا أؤكد على التأثر دون التقليد فالفرق بينهما شاسع كما هو معروف حتى لا اتهم معن بالتقليد.. لكن هذا لا يعني واعتمادا على المفهوم الموضوعي للريادة أن نعزل قصيدة معن عن تأسيس سناجله الريادي في القصيدة الرقمية والرواية الرقمية والقصة الرقمية أيضا.. فكيف يمكن لنا أن نعزل أغاني فيروز مثلا عن مسرحياتها الغنائية؟
ألا نستمع للأغنية نفسها تارة منعزلة عن المسرحية وتارة نستمع إليها وبالشجن التأثيري علينا نفسه مع المسرحية كاملة.. والأمثلة على ذلك كثيرة لا أود الإسهاب فيها تجنبا لوقوعي في مطب المحاضرة والدرس الأكاديمي.
ووجدتني في الختام أقول ما قاله السيد الرائد شكسبير في إحدى روائعه المسرحية الخالدة ما نصه: " ليست العبرة أن تكون ملكا، لكن العبرة أن تكون آمنا.."
فالعبرة إذا تقودني إلى أن أكون رائدا بكل أمان وبلا هسهسة ريح تسقطني بعد حين نحو الهاوية .. وبلا رجعة. د. محمد حسين حبيب
ناقد ومسرحي عراقي