شكراً لك يا مريم الريّس

بقلم: احمد مطير

لم يسبق لنا ان سمعنا في عراق ما بعد التغيير ان قدم مسؤول حكومي استقالته من منصبه مضحيا براتبه الخيالي وامتيازاته الوظيفية الا مرة او مرتين على اكثر تقدير.. كنت اتساءل مع نفسي كثيراً عن سر تمسك هؤلاء بمناصبهم رغم انهم لا يقدمون شيئا لمواطنيهم غير وعود فارغة ملوا من سماعها.
حقيقة الامر ان ثقافة الاستقالة ابعد ما تكون عن فهم سادتنا المسؤولين في عراق اليوم! - وحتى في عراق الامس! - لان ثقافة التمسك بالسلطة ثقافة متشعبة ومتجذره في نفوس المسؤولين وكما لها منظّروها ومن يروج لها ليس في العراق بل وحتى في عالمنا العربي. ورغم ان سياسيي ومسؤولي العهد الجديد في عراقنا اليوم لطالما انتقدوا البعث والبعثيين لتمسكهم بالسلطة، الا ان ثقافتهم وحججهم التي يسوقونها في هذا المجال لا تختلف عن فكر البعث بشيء! لانهم على ما يبدو تشرّبوا بهذه الثقافة ومن دون يعلموا واصبحت جزءاً لا يتجزأ منهم. وهذه الثقافة القائمة بالتمسك بالسلطة وتحت اي ظروف وباي طريقة وتجاهل ما يعانيه الناس من مآسٍ وكوارث نتجت عن سوء ادارتهم. ولان الاستقالة لديهم تعني حرمانهم وحرمان عوائلهم المصونة والمصانة من الخدم والحشم وكل الامتيازات و"البلاوي الزرقة". وللاسف الشديد ان انحسار ثقافة الاستقالة امام ثقافة التمسك بالسلطة والمنصب جرّ علينا الكثير من الويلات والمصائب ربما باتت تهدد وجود العراق كدولة موحدة وكل هذا ناتج من غياب الشعور بالوطنية والغيرة والحميّة وتغليب المصالح الشخصية والفئوية والحزبية على مصالح الوطن والشعب.
في دول الغرب، وحتى في دول العالم غير المتحضرة، نسمع عن استقالات لوزراء ومسؤولين رفيعي المستوى وحتى لاعضاء برلمان لاسباب قد نراها نحن العراقيين تافهة، وربما لهول ما حولنا من صراعات دموية على الكراسي تصل الى حد القتل وحتى الابادة الجماعية! ففي احدى مدن اوروبا مثلا، قدم عمدة احدى المدن استقالته لان كلبا مات بعد ان سقط في بالوعة مجاري مفتوحة وطبعا غطاء البالوعة لم "يحوسمه [يسرقه بمفردات العراق الجديد]" احد العتاكه في تلك المدينة! ولكن عامل المجاري نسي ارجاعه بعد الفراغ من اعمال الصيانة. فقرر هذا العمدة الغيور تحمل ما حدث مقدما استقالته وقبلها اعتذار مكتوب الى صاحب الكلب "رحمه الله" لهول مصابه!
تصوروا رغم قتامة المشهد السياسي في العالم العربي من توارث حكم وحكومات فان ثقافة الاستقالة وصلت الينا. ففي الكويت وزيرة الصحة قدمت استقالتها بعد ان شب حريق في غرفة في احدى المستشفيات نتج عن تماس كهربائي لم تكن هناك اي اصابات لكن هذه الوزيرة الغيورة قررت ان تتحمل مسؤولية ما حدث مقدمة استقالتها.
لا غرابة ان نسمع رأيا يصف هؤلاء " بالبطرانين" وخاصة اذا ما صدر هذا الرأي من عراقي قلبه "مشلوع [مقلوع]" في وطن يرفع فيه جميع الوزراء واعضاء البرلمان والسادة المسؤولين شعارا تاريخيا "جلَب [تمسّك] والله كريم " وحتى لو كان الثمن موت مئات العراقيين يوميا وتهجير الملايين وتقسيم العراق الى اقطاعات حزبية وكنتونات طائفية. فلم نسمع احدا من وزرائنا الغيارى واعضاء برلماننا المخلصين من قرر ان يقدم استقالته ويتحمل ما يتحمل مواطنوه من فقر وسوء وضع امني ونقص خدمات.
وانا هنا لا اقصد بالاستقالة التي تقدم لاغراض سياسية كإحراج الحكومة والحصول منها على تنازلات لصالح هذا المكون او ذاك.. كما فعل اخواننا الصدريون والتوافقيون والعلاويون على التوالي. فاستقالة الصدريين قدمت بسبب ضعف الاداء الذي نتج عن سوء اختيار الوزراء الذين رشحهم هذا التيار لانهم لا يملكون اي كفاءة. واستقالة التوافقيين كان الغرض منها لي ذراع الحكومة للحصول على المزيد من التنازلات السياسية واحراجها بحجة عدم مشاركة سنة العراق في صنع القرار السياسي في العراق في ظل حكومة طائفية لا تمثلهم. اما استقالة العلاويين فهي جاءت وفق مبدأ "على حس الطبل خفن يرجليه [على صوت نقر الطبل فلترقص ارجلي]" مرددين نفس النغمة التي يرددها التوافق وكان الغرض الاول منها محاولة لاعادة رجل المرحلة علاوي الى الحكم.
امام ضبابية المشهد العراقي والصراعات على السلطة..عراقية واحدة قدمت درسا بليغ لكل هؤلاء. اذ رفعت الكارت الاحمر بوجوههم وكانها تقول لهم "اخلوا الساحة ان كنتم لا تقدرون على تقديم شيءًٍ لشعبكم فليس مهما منصبك او حجم صلاحياتك... المهم هو ان تقدم شيئا يخفف عن هذا الشعب معاناته". وهذه العراقية الغيورة التي ادخلت ثقافة الاستقالة مضحية بكل الامتيازات والاضواء عسى ان يحذو حذوها كل هؤلاء الذين يتمسكون بالسلطة دون ان يقدموا شيئاً.
هي المحامية مريم الريس، هذه العراقية الغيورة التي قدمت لنا مثلا صادقا وحيّاً عما يجب عليه ان يكون كل عراقي غيور محبا للعراق وشعبه. ورغم كل ما قيل وكتب من مقالا استكثرت عليها منصب المستشارية لا لشيء لانها عراقية من عراقيي الداخل الذين ذاقوا مرارة الحصار والظلم والغبن والقهر السياسي لسنوات طوال.
هذه الجنوبية "العصامية" التي دخلت الى عالم السياسة لانها مخلصة ومجدّة في عملها ومحبة لوطنها وشعبها والتي كانت موطئ قدم للفقراء في حكومة المالكي لانها كانت حلقة الوصل بينهم وبين الحكومة. وقد لا يختلف اثنان وحتى خصومها يقرون بان الريس شخصية سياسية عرفت بارائها الحرة وجرأة طرحها وثقافتها الحوارية عالية. الريس جاهرت بآرائها وافكارها علنا ودون خوف حتى في ما يتعلق بمواد الدستور المتعلقة بصلاحيات مجلس الرئاسة التي حاول البعض ومن اجل تحالفات وتوافقات سياسية الالتفاف على مواد الدستور والذي لم يجف حبره الى الان.. بما انها كانت اقرب من الدستور من غيرها بحكم كونها محامية اولا ومقررة في لجنة كتابة الدستور ثانيا.. صرحت بما صرحت به للاعلام فلم تخرج عما في الدستور من نصوص.. وضحت مدى صلاحية مجلس الرئاسة. فقامت الدنيا ولم تقعد وجوبهت بحملة شعواء وبيانات استنكار من هنا ومن هناك ومقالات لاقلام مأجورة مدفوعة الثمن مسبقا.. مع هذا لم تتراجع الريس عما صرحت به بل انها كررتها لاكثر من مرة في وسائل الاعلام.. ربما لانها تمتلك شجاعة وجرأة في الطرح لا يمتلكها غيرها من السياسيين الذين تعودوا المجاملة على حساب الحقيقة وربما لا ن مفهومها للسياسة يختلف عن غيرها فهي ترى السياسة يتمثل بصدق الموقف وقول الحقيقة على طول الخط.
يومها صرحت الريس للاعلام انها ذاهبة لمقابلة المالكي لتقديم استقالتها. وحسب مصادر مطلعة ومقربة من مكتب المالكي ان الاخير عبر عن دهشته واستغرابه للبيان الصادر من مكتبه الاعلامي واصفا من اصدره بالجهل. رفض المالكي استقالة الريس لانها وحسب ما قال لمن اصدر هذا البيان بانها حرة في ما تطرحه من اراء.
والملاحظ ان البيان الذي خرج من مكتب المستشار الاعلامي ياسين مجيد تضمن مغالطات ومجاملات واضحة لمجلس الرئاسة واتهامات للريس بان تصريحاتها نمت عن جهل بالدستور. ومن سخرية القدر ان يأتي الرد بعد اسابيع بالصدفة المحضة من قبل احدى الجامعات المعرفة والتي مقرها بيروت لتمنح المحامية الريس شهادة دكتوراه فخرية في القانون الدستوري لدورها في كتابة الدستور العراقي. وطبعا لم تمنح هذه الجامعة الريس هذه الدكتوراه الفخرية مجاملة لانها دأبت على منح هذه الشهادات سنويا لشخصيات سياسة عربية فاعلة كتعبير عن اهمية ما قدمته هذه الشخصيات في مجالات عملها.. وكان هذا التكريم ردا بليغا على كل من وصف تصريحات الريس بجهل في الدستور.
لقد اثبتت هذه المرأة بما لا يقبل الشك ان المناصب والعناوين لا تصنع مسؤولا ناجحا ما لم يضع مصلحة شعبه فوق كل المصالح وان يكون خادما لهم لا مخدوما.
قدمت هذه المرأة نموذجا جديد للمرأة العراقية العاملة في مجال السياسة بشخصيتها المستقلة وافكارها وارائها الشجاعة وهي جسدت اروع صورة للمرأة العراقية التي عانت ولازالت تعاني من التهميش والاقصاء ومع هذا لا زالت تحارب من اجل اخذ مكانها الحقيقي الذي تستحقه وهو ليس هبة من الاخرين. ولان همها الوحيد خدمة العراق وشعبه اختارت ان تعود الى حيث كانت بين اهلها وناسها الذين حملت همومهم ابداً.. مضحية بكل شيء... مقدمة دليل صادق على اصالة معدنها في زمن يتصارع فيه امراء الحروب والطوائف على السلطة ومناطق النفوذ تاركين شعبا يموت كالذباب.. يموت جوعا وارهابا وتهميشاً واقصاءً.
ورغم كل محاولات التكتم الاعلامي والتجاهل المقصود على استقالة الريس التي رمت الكرة في ساحة الحكومة ووزرائها وكل المسؤولين الذين يدّعون انهم يعملون من اجل العراق وشعبه وهم لا يفعلون شيئا سوى ملء جيوبهم.. حاولوا التعتيم على هذه الاستقالة حتى لا تشيع هذه الثقافة المرعبة لهم ولا تكون بعد حين مطلبا جماهيريا لهم...افعلوا ولا تجدوا جماهير تقولون لهم افعلوا ما فعلت الريس...لذلك وصف البعض من الاغبياء اسباب استقالة الريس بالغامضة وحاول البعض الاساءة لشخص مريم من خلال نشر خبر الاستقالة كما فعلت الاعلامية ايمان حسين التي شاهدت لها لقاء تلفزيونيا قبل مدة مع مريم حتى انها قالت لاحد الزملاء قبل اللقاء انه تخاف من الحديث مع الريس لقوة شخصيتها فلماذا الان تورد الكثير من الاكاذيب عنها في خبر نشرته في احد الصحف الكويتية.
مئات الصفحات وعشرات الاقلام المأجورة كتبت ونبحت ورمت جزافا هذه العراقية الغيورة بالكثير من تهم الزور.. وربما تعود هذا اليوم لتكتب من جديد في محاولة للتقليل من شان استقالة الريس وحتى لقلب الحقيقة وجعلها اقالة وليست استقالة.
لكن هذه المرأة تحدت رجولتكم الزائفة وزيف ادعاءاتكم بان تفعلوا ما فعلت مضحين بكل شيء من اجل الوطن.. ومن الملاحظ انها خرجت بصمت وليس كما فعل البعض ممن تضررت مصالحهم وبدأوا بإطلاق الاتهامات عن الحكومة! ولا ادري اين كانوا هؤلاء عندما كانوا يعملون داخل الحكومة ولم لم نكن نسمع لهم اصواتا قبل هذا.. ولكن السبب هو ان مصالحهم تضررت.. ولان الريس تغلب مصلحة وطنها على مصلحتها الشخصية ولان قضيتها اكبر من ان تكون منصبا او امتيازات فضلت ان تصمت لان قضيتها العراق ولا غير العراق.
اكاد اجزم بان المالكي حين وقع على استقالة الريس حسدها في اعماقه فليته يمتلك ولو جزءاً بسيطاً من شجاعتها ويقدم استقالته ويخرج كما خرجت الريس بوجهه ويد بيضاء للناظرين.
لقد قدمت مريم ورقة براءتها من كل ما اتهمت به في مقالات لم تحمل سوى الاكاذيب والافتراءات.. فليتكم تمتلكون الشجاعة الكافية وتقدموا اعتذارا عما كتبتهم بحق هذه العراقية الغيورة..فقد اثبتت للجميع ان القرار الشجاع هو ان تكون مع شعبك لا مع حزبك او طائفتك او مصلحتك ارفع قبعتي احتراما للريس لانها على عكس كل سياسي العراق اليوم وضعت العراق وشعبه اولا.. وليتكم تستوعبون هذا الدرس الذي قدمته امرأة حديثة العهد في عالم السياسة ولكنها كبيرة بآرائها وقرارها الشجاع.
شكرا لك يا مريم لانك اشعرتنا ان العراق لا يزال بخير ما دام هناك غيارى امثالك لا يرضون بانصاف الحلول. احمد مطير