نحن أولى بالعدل من كسرى

كتب ـ عبدالمنعم عبدالعظيم
تأصيل السياحة الثقافية

لعل من أعجب الأساطير الشعبية تلك الأسطورة التى جمعت بين تأسيس مدينة قرطاج التونسية ومسجد عمرو بن العاص أول مسجد فى مدينة الألف مئذنة، وقصة امتلاك سيدي أبوالحجاج الأقصري القطب الصوفي الكبير لمدينة الأقصر0
يعود تأسيس مدينة قرطاج إلى عام 814 قبل الميلاد حيث أسسها مجموعة من الفينيقيين0
تقول الأسطورة التى سجلها الشاعر اللاتينى فرجيل صاحب الإنيادة أنه في القرن التاسع قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام حدث صراع داخل البلاط الملكي حول عرش مدينة صور الفينيقية بين بجماليون وشقيقته اليسا.
وقد أجبر الأمير بجماليون شقيقته الأميرة اليسا على الفرار بصحبة عدد من أنصارها حيث رحلت إلى قبرص، ومنها إلى الشاطىء الأفريقي، حيث أسست مدينة قرطاج في أفريقيا (تونس).
وتحكي الأسطورة أن أهل المدينة رفضوا في البداية التخلي للأميرة الشابة إلا عن قطعة أرض يعادل مقاسها جلد ثور، وقبلت الأميرة العرض ثم قامت بقص الجلد على شكل سير رفيع نشرته على مساحة أربعة كيلومترات بنت عليها مدينتها قرطاج وتولت الحكم فيها.
واليسا هذه هي نفسها "ديرون" التائهة أو المتشردة في الأساطير اليونانية.
نفس الأسطورة تنتقل من تونس الخضراء إلى الفسطاط عاصمة مصر الإسلامية في عصر عمرو بن العاص فاتح مصر وواليها حيث تقول الرواية إن عمرو بن العاص بعد أن فتح مصر استعرض أرض الفسطاط، فأعجبه موقع بستان لسيدة من أثرياء القبط فأرسل إليها أن تمنح المسلمين ما يكفى أن يكون مناخا لناقة عمرو، وبعد أن وافقت على ذلك قص عمرو بن العاص جلد الناقة على شكل سير لفه حول أملاك السيدة طولا وعرضا وملكها بموجب الاتفاق، فأرسلت تشكوه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمير المؤمنين0
وذهب رسولها إلى المدينة المنورة يسال عن ديوان أمير المؤمنين فقالوا له إن عمر بن الخطاب ليس له ديوان، وأوصلوه إلى رجل يجلس على كومة من الحصباء فقالوا له هذا هو أمير المؤمنين، فحكى له روايه عمرو بن العاص مع سيدته، فكتب عمر بن الخطاب رسالة قال فيها إلى ابن العاص، أما بعد نحن أولى بالعدل من كسرى.
فتعجب رسول السيدة من الرسالة، وظن أنها كلمات لن تؤثر في عمرو بن العاص الذى ما كاد يستلم الرسالة حتى خر باكيا متوسلا إلى السيدة أن تصفح عنه، وتحصل على أية ترضية ترضاها، فما كان من السيدة إلا أن أعلنت إسلامها وتبرعت بالأرض للمسجد.
وتأبى الأسطورة أن تموت، فانتقلت إلى الأقصر في جنوب مصر، في رواية أخرى بطلها العارف العابد القطب الصوفي يوسف بن غزى أبو الحجاج الاقصري.
فعندما قدم إلى الأقصر طلب من أميرتها الراهبة الرومانية تريزا بنت القيصر مقدار جلد بعير من الأرض يتعبد فيها فأجابت طلبه في وثيقة مكتوبة0
وفي ليل جلد البعير على شكل سير طويل ربط طرفه في أحد أعمدة معبد الأقصر وأحاط به مدينة الأقصر بموجب العقد المكتوب.
وبالطبع فإن للتاريخ الحقيقي لهذه الأحداث رواية أخرى بعيدة عن الأساطير0
وتظل الأسطورة تعيش في وجدان الشعوب جزءا من التراث الخالد0
ولعل الأساطير هي التي لفتت الفكر الأوروبي إلى الشرق، وأثرت الآداب والفنون ولعلها مناسبة لإقامة مواسم ثقافية تستمد من هذا التراث الخالد في هذه المدن التاريخية مادتها لتأصيل السياحة الثقافية قبل أن تزحف لتراثنا السياحة العشوائية وسياحة الهيافة والجنس التي بدات تزحف فعلا إلى بلادنا0 عبدالمنعم عبدالعظيم محمد ـ الاقصر (مصر) Monemazim2007@yahoo.com