مليكة مقدم تبحث في 'رجالها' عن رجل مجهول

بيروت
مقدم تبحث عن بطل أسطوري

قد لا يستطيع القارئ "الفضولي" ذو الاتجاه النقدي تجنب طرح سؤال عند مطالعة عمل روائي هو الى الشعر أقرب منه الى رواية متكاملة رغم المتعة الاكيدة التي يحصل عليها هذا القارئ نتيجة لغة المؤلفة ومن قام بترجمة عملها دون شك.

والسؤال ببساطة هو -في شق منه- لم يصرّ كاتب ما على ان يكتب ما يسميه رواية بينما يبدو عمله اقرب الى حالات شعرية متتالية.

وللسؤال شق اخر لا بد منه هو لماذا يفرض على نفسه هذا الذي يستطيع الكتابة الشعرية بنجاح كما اسلفنا ان يكتب ما لا يشكل رواية نامية ويمكن ان يلخص في قصة قصيرة شعرية او في قصيدة ذات سمات قصصية. ولم الاصرار على الاتيان برواية هي في المحصلة النهائية والى حد بعيد -من حيث المحتوى وحتى الشكل- شبيهة بتجارب سبقتها.

وقد تكون القيمة الكبرى لعدد من هذه الاعمال المماثلة وهي في معظمها لاناث عربيات "صراحة" في النظر الى امور الجنس وجرأة في الكشف عن هذه الامور وربما تميز كثير منها بكسر حواجز العيب والحرام عبر صراحة في التعبير اللغوي والكشف النفسي والمادي.

عمل الكاتبة الجزائرية مليكة مقدم التي تعيش في فرنسا والذي جاء بعنوان "رجالي" صدر في 245 صفحة متوسطة القطع عن دار الفارابي في بيروت. وقد قامت نهلة بيضون بترجمة الرواية التي كتبت بالفرنسية الى العربية وبنجاح حافظ على شعرية لا بد انها ابنة الاصل الفرنسي الذي صدر عن "سيديا - فرع مجمع هاشت الفرنسي في الجزائر". اما الغلاف الجميل الموحي فمن تصميم فينوس نادر.

بعض ما يؤخذ على العمل الجميل في شعريته هو ان الكاتبة "تقول" اكثر مما يلزم بشكل يبدو انه يجعل القارئ منذ البداية يرى كيف ستتطور الرواية بل ما الذي قد تقوله. خطورة هذا الامر انه قد يوقع الرواية في تسطيح يقتل ما يتوقع فيها من نمو لا بد منه روائيا.

وبعد البداية التي اصبحت هنا اشبه بمفتاح للعمل كله او اساسا لما سيأتي تتحول سائر اقسام الرواية الى تفاصيل او اذا صح التعبير الى "تقاسيم" لامر واحد وأمثلة متعددة لاساس لا يتغير. ويدعم هذا الانطباع ان الختام يبدو تأكيدا وان جميلا بشعريته لما عرفنا معظمه في البداية. هذا يحرم العمل من السرد المشوق والتطور المفاجئ مما قد يوقع القارئ في ملل.

وفضلا عن شعرية النصوص اجمالا فقد تتحول فصول من الرواية الى ما يشبه دراسات اجتماعية. ولا بأس في ذلك بل انه قد يكون مطلوبا اذا لم يأت على حساب سرد ونسج روائي متكامل ومتنام.

الفصل الاول حمل عنوان "الغياب الاول". وفيه تأسيس لكل ما سيأتي لكن المشكلة هي الا يحمل ما يأتي اضافات ذات اهمية. في هذا الفصل تضعنا الكاتبة في اجواء تبدو احيانا كأنها تذكرنا بما اطلق عليه "عقدة الكترا" وذلك فقط من حيث اهمية اثر الاب في الابنة وصورته في حياتها.
ومن جهة اخرى يتحول الامر الى تصوير للعقلية الشرقية التي لا تعتبر الابنة اي الانثى ذات اهمية فالوجود المهم هو للصبي اي للذكر ومن هنا تغرس أصول العالم الذكوري الشرقي الذي سينتظر البطلة وكل انثى اخرى.

ابدأ بالقول في شبه تحليل نفسي واجتماعي "ابي. ايها الرجل الاول في حياتي. من خلالك تعلمت ان اقيس الحب بمقياس الجراح وأشكال الحرمان. في اي سن بدأت الكلمات تعيث الفساد؟ اقتفي صور الطفولة الاولى فتحضر بعض الكلمات ترسم ماضيا بالاسود والابيض. باكرا جدا باكرا اكثر مما ينبغي. منذ الاحساس الملتبس قبل الوعي والتفكير. حتى قبل ان اجيد التعبير حين يذبح الكلام البراءة وينقش من نصل الكلمات الحاد انطلاقاتها الى الابد.

"كنت تخاطب امي فتقول لها 'ابنائي' عن اشقائي و'بناتك' عني وعن شقيقاتي. تلفظ "ابنائي" دائما باعتزاز ويعتري نبراتك النزق والهزء والبغض والغضب احيانا وأنت تقول 'بناتك'".

تعلمت ان تثور بقدر ما استطاعت الى ان سافرت الى فرنسا كي تدرس الطب وهربا من محيط اجتماعي متزمت خاصة في حقبة التشدد السلفي الاخيرة الى محيط من الحرية. وأساس الحريات عندها هو الحرية الجنسية. اما والدها بعد ان حققت منزلة علمية ودخلا ماديا كان في حاجة اليه - وعلى رغم اعتذاره منها- فقد بقي بعد ان تقدمت به السن يتمنى (كما قالت) لو انها كانت صبيا.

وفي كتابتها عن الرجال في حياتها كان الرجل الثاني طبيبا خصصت له فصلا بعنوان "الرجل الذي ألهمني مهنتي". وعن ممارستها حريتها تبدأ بفصل عنوانه "ميلي الى الرجال الشقر".
اول من نواجهه من هؤلاء الشقر هو "سعيد" الذي لم يكف شقاره ولا عيشه في فرنسا ان يتغلب على التراث "الاسمر" الشرقي التقليدي فيه. فظل اسير العائلة والقبيلة. ويكفي هذا الوصف لتصرفه في قلب مدينة فرنسية.
تقول "نتفادى المرور في الحي الذي يقطنه حبيبي. وفي المرات النادرة التي نضطر لسلوك شارعه بالسيارة يبطئ سعيد متيقظا ويتفحص الارصفة قبل المغامرة بالمرور امام داره. ولو لمح حضورا مألوفا على مقربة ينعطف انعطافا حادا في شارع متاخم".

وتصل الى ان تقول "الجسد.. شخص اجنبي بمثابة المشارف الاولى للمنفى .. المنفى الخلاصي.. الان بت مقتنعة ان وحدهم الرجال الشقر القادمين من بعيد -من ارض اخرى- بوسعهم ان يساعدوني على التحرر نهائيا من البلبلة الجزائرية".

وننتقل الى ما يمكن ان يكون نقيضا لسعيد او للشرقي عامة وذلك من خلال فصل عن احدى قصص الحب وعن رجل من "رجالها" عنوانه "الفرنسي الذي يطهو لي". ونقرأ عنوانا لفصل اخر هو "الرجال الذين احببت الكتب بفضلهم".

وبعد قصص حب ورجال اخرين وبعد فصل بعنوان "ذاك الذي لم يأت ابدا" نصل الى الختام حيث تكتب بحزن وترقب وشعرية حزينة وايحاء وذلك تحت عنوان "الحب العتيد" فتبدأ بالقول "انني وحيدة منذ احد عشر عاما. انت ايها المجهول الذي قد يقتحم حياتي، الان اقابل ابي بين الحين والاخر اذهب لالقاء التحية عليه هناك في صحرائه. لا يكف يداع يدي ويتمتم 'البركة' و'المغفرة'. لكنت فضلت لو يقول لي 'أحبك' ان يعرب لي عن قلقه على حياتي البعيدة عنه كل هذا البعد".
"حياتي التي تزعجه. يواصل تجاهلها. كل ما لا يقال ثقيل بحيث ينتزعني منه فور وصولي. اعود بإحساس الحرية الجريحة. بعد هذه المواجهة تشيع الوحدة في نفسي السكينة. هل استرجعت اكثر مما ينبغي حب التهرب والزوغان والملاذات البرية".

وفي حال من الحيرة الحزينة تتحدث عن الرجل المجهول المنتظر تقول "اصادفك ولكنني لم أعد أدري كيف اتعرف اليك. هل كنت ذلك الرجل في تلك الحانة بمدينة خيخون؟ هل كنت ذلك الرجل على متن القطار المتوجه من ميلانو الى البندقية؟".
وتختم بالقول "من انت؟ من أين اتيت؟ اريد ان اتعرف اليك. سوف اتعرف اليك. ولكن الحياة تمضي مثل جواد جموح. ولعدم قدرتي على الامساك به، احاول ان ألتهي واستغرق الوقت الكافي لاحلم بك".