الطريق في أفلام مصرية قصيرة.. دعارة

بقلم: صلاح سرميني
هبة يسري تقارب المُفردات المُستخدمة، لتوصلنا إلى معنى واحد...الدعارة

يستخدمُ الفيلم التسجيلي "شارع الشواربي" ـ إنتاج المعهد العالي للسينما بالقاهرة، وإخراج مصطفى إسماعيل ـ أسلوب التحقيقات التلفزيونية التي يمكن أن تتخلل برنامجاً إسترجاعياً عن هذا الشارع الأسطوريّ وسط القاهرة، ويتورط باستخدام لقاءاتٍ كثيرة، ومتواصلة مع أصحاب المحلات، والعابرين صدفةً بهدف الوصول إلى خلاصةٍ يعبر عنها الجميع بطرقٍ مختلفة، واحدةٌ منها تقول:
ـ شارع الشواربي دلوقت مات.
كي ينتهي الفيلم بلقطةٍ علوية عامة، وكأنّ روح الشارع تصعد إلى السماء.
في الحقيقة، لا ننتظر كثيراً من فيلم طلابيّ، وتبسيطيَ يتحسّر على مكانٍ فقد زخمه المُعتاد.
وكما كان الشارع تيمةً أساسية للفيلم السابق، تجري أحداث الفيلم الروائي القصير (سيلويت) ـ إنتاج المعهد العالي للسينما بالقاهرة، سيناريو، وإخراج هشام فتحي عباس ـ فوق رصيف أحد شوارع القاهرة، وتحديداً أمام محلٍ لبيع المُرطبات المُلثجة، حيث رجلٌ يشتري لطفله ما يرغب، ويعود ليجد أمامه امرأةً مُنقبة، يعتقد بأنها زوجته التي تركها منذ دقائق تنتظرهما، وتظهر المُفارقة بأنها امرأة أخرى منقبة، بينما كانت الزوجة الحقيقية على بعد أمتار منه كي تمنح قطعةً نقديةً لمُتسولة.
الفيلم ليس أكثر من طرفةٍ سينمائية سوداوية، تتهكم بسطحيةٍ بالغة من الحجاب الظاهريّ للمرأة، والداخليّ للرجل، ومن التطرف الدينيّ بشكلٍ عام.
فقد كانت الجملة الأخيرة التي وجهها الرجل لزوجته بعد أن تعرض لذاك الموقف المُحرج:
ـ يلا بينا على البيت، ومش ح تخرجي منو تاني.
بوضوح شديد، وبسبب تناسخ الحجاب، فقد أصبح خروج المرأة من بيتها، متبرجةً، أو منقبةً، مشكلةً للرجل، والمرأة معاً.
وانطلاقاً من ذاك التهديد اللفظيّ، ربما يصبح الشارع، بما يُمثله من فضاء حرية، وانطلاق، ممنوعاً على الزوجة،....والمرأة بشكلّ عام
وهكذا، يستخدم الفيلم "الحدّ الأدنى" شكلاً، كي يقدم "الحدّ الأدنى" مضموناً.
بينما يرتكز الفيلم الروائي القصير "آخر الدنيا" ـ قطاع الإنتاج لاتحاد الإذاعة، والتلفزيون، إخراج أحمد فهمي عبد الظاهر، على قصة قصيرة ليوسف إدريس، وتتجسّد في أحداثه طريقان:
الأول، السكة الحديدية، رمز السفر، والترحال، والاكتشاف، والقطار الذي يأخذ الأبَّ بعيداً إلى "آخر الدنيا"، ويُرجعه منها إلى بيته في القرية، كي يلتقي بإبنه الوحيد (محمد) المُنبهر بالقرش الفضة المخروم الذي أهداه له يوماً.
والثاني، الطريق الزراعيّ الذي يسلكه الطفل يومياً من البيت إلى المدرسة، هناك حيث تنتظره عصا المعلمين، وعبوسهم الدائم.
طريقان، يقطعهما آخرٌ رمزيّ، ومُفاجئ، عندما يفقد الطفل قرشه المخروم، فتتبدل حياته، ويسند رأسه فوق السكة الحديدية، يستمع إلى صفير القطار، انتظاراًَ صبوراً لعودة الأبّ الغائب، أو انتحاراً معنوياً، وانتقالاً رمزياً ليلتحق بالغائبين، أبيه، وأمه.
في تيمةٍ مغايرة، يبدأ الفيلم التسجيلي القصير "المهنة امرأة" ـ إنتاج المعهد العالي للسينما بالقاهرة، وإخراج هبة يسري ـ بلقاءاتٍ متوازية في بعض شوارع القاهرة مع فتياتٍ يتاجرن بأجسادهنّ.
يتجسّد الطريق في هذا الفيلم من خلال المرجعيّة المكانية الواضحة، والرمزية التي تقصدها إحدى الفتيات، وهي تتحدث عن حياتها:
ـ أنا خلاص، جيت في الطريق ده.
"الطريق ده"، يعني، ببساطة، وبلهجتها اليومية "عاهرة".
وربما يكون الطريق في وقتنا الحالي المكان الأمثل للدعارة (الفقيرة).
ومن تلك البداية، تتدرج الموسيقى حتى الإعلان عن عنوان الفيلم "المهنة امرأة"، وربما تقصد مخرجته هبة يسري المفهوم السوقيَ المتداول لكلمة "امرأة" في اللهجة المصرية.
وليس من المُستغرب اختيار الفتاة كلمة "الطريق" كي تشير رمزياً إلى طبيعة مهنتها، فهي قبل ذلك، كانت تشعر منذ طفولتها بأنها مشردة.
لقد تخيّرت هبة يسري ملاحقة الأولى في زحام المدينة، ومحاورة الثانية داخل سيارة، هي التي فضلت بأن تشير إلى ممارستها لهذه المهنة بـ"الموضوع"، لقد توفيّ زوجها في الخامسة، والثلاثين من عمره، وترك لها طفليّن بدون مساعدة أحد، فاضطرت بأن تمشي في "الموضوع ده"، وفي الحالتين، تتقارب المُفردات المُستخدمة، لتوصلنا إلى معنى واحد...الدعارة.
الأولى "أخذت الطريق ده"، والثانية "مشيت في الموضوع ده" هي استعارةٌ مجازيةٌ، تجميلية، وتذويقية للدعارة، والطريق في الحالتين محفوفٌ بالمخاطر، والمُفاجآت.
وتتحدث الثانية عن صديقة
ـ "نزلت" معاها في يوم، ربنا كرمها،..
وتعني، بقصد، أو بدونه، "النزول" بأخلاقياتها إلى مستوى منحط، وأيضاً، من البيت إلى الشارع.
هذه المرة، يأخذ الطريق معناه الأخلاقي السلبي، حيث تتمنى واحدةٌ:
ـ نفسي في حياتي حاجة واحدة، ألاقي حدّ يخاف علي، ويلمني من الشارع.
وكما جلسات التحليل النفسيّ، تتركهم هبة يسري يُخرجن ما في داخلهنّ من أحاسيس، مشاعر، ذكريات، آلام، إحباط، خوف، قلق، آمال، وأحلام... حتى تنتهي كلّ واحدةٍ منهنّ بإدانة نفسها، وسلوكها ..
لم تكن غاية الفيلم محاكمةً علنيةٍ، أو إدانةً أخلاقيةً متسّرعة، إننا نشعر بتعاطف المخرجة معهنّ، كما علاقة مواطنتها المخرجة تهاني راشد مع "البنات دول"، أكان ذلك في اقتراب الكاميرا منهن، أو بنوعية الموسيقى التي صاحبت الفيلم في معظم لقطاته، حتى تلك الكبيرة لوجوههن، ومزج اللقطات فيما بينها، ورصد دموعهن، ومن هذا الموقف المُتعاطف، ينكشف لماذا تخيرت هبة يسري عنوان "المهنة امرأة" بدلاً من مفردةٍ أخرى أكثر قسوةً، وفظاظة.
وفي كلّ الحالات، تستخدم كاميرا مهزوزة، مسروقة بالأحرى، لأنها تلتقط من بعيدٍ ما لا يمكن الحصول عليه عن قرب.
ومع ذلك، فإنّ فيلماً من 13 دقيقة، لا يكفي أبداً للكشف عن عالمٍ مجهولٍ لم تتطرق السينما التسجيلية المصرية، والعربية له كثيراً، مع أن الدعارة كانت موضوعاً أثيراً في السينما المصرية.
وأظن بأن الظروف الإنتاجية التي يفرضها معهد السينما بالقاهرة هي التي حالت من انطلاق الفيلم بعيداً في تحليله، وتشريحه لهذه المهنة، أسبابها، وظروفها، وتداعياتها، واستقصاء جميع الأطراف فيها، بما فيهم بعض رجال الأمن المرتزقين منها (كما توضح الفتيات في الفيلم).
وكما نعرف، فقد حاولت إدارة المعهد السابقة (د.نجوى محروس) منع عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية بحجة دينية، أخلاقية، واجتماعية، بينما يحفل تاريخ السينما المصرية بمئات الأفلام التي تتطرق من قريب، أو بعيدٍ لهذه المهنة، وفي أفلام كثيرة حظيت العاهرة بالبطولة المُطلقة.

صلاح سرميني ـ باريس