مذكرات ضابط عراقي شارك في حرب تشرين 1973

بقلم: الباحث عبد الوهاب محمد الجبوري
الجبهة السورية كانت بحال حرج لولا تدخل الفيلق العراقي

تمهيد كنا مجموعة من الضباط العراقيين، من الذين شاركوا في حرب تشرين، نتحدث عن هذه الحرب ومشاركة الجيش العراقي الباسل فيها بثقل كبير تلبية لنداء الواجب القومي.. قادنا حديث الذكريات إلى ظهر ذلك اليوم (6/ 10 /1973) الذي بدأت فيه القوات السورية والمصرية تعرضها الواسع ضد القوات الإسرائيلية على الجبهتين الغربية والشمالية.. فبعد سماع نبأ الحرب من الإذاعات صدرت الأوامر إلى الجيش العراقي بدخول الإنذار من الدرجة (ج) وهي أعلى درجات الإنذار، وفي صباح اليوم التالي كانت القطعات العسكرية العراقية، وخاصة القوات المدرعة تتحرك من مواقعها العسكرية ومنها معسكر التاجي شمال بغداد ومعسكر الورار في الرمادي باتجاه الحدود السورية على السرفات (جنازير الدبابات).. وفي وقت لاحق ذكر لي أحد ضباط الارتباط العراقيين، أن الحكومة السورية كانت تؤكد على "أهمية وصول القطعات العسكرية العراقية بأسرع وقت وبأكبر حجم ممكن، على الأقل فرقتين مدرعتين بكامل دروعهما".. ومنذ يوم 7/10/1973 وحتى يوم 24/10/1973 وهو يوم تكامل القوات العراقية في سوريا بلغ حجم هذه القوات أربع فرق، اثنتان مدرعة وواحدة مشاة آلي ورابعة مشاة ووحدات ساندة من مختلف الصنوف الأخرى، أي ما يعادل فيلق زائد فرقة وبلغ مجموع هذه القوات 60 ألف مقاتل و700 دبابة ومئات العربات المدرعة وآلاف سيارات النقل و12 كتيبة مدفعية، كما شارك في المعارك أيضا أسراب من مختلف أنواع الطائرات المقاتلة والساندة. تحشد القوات العراقية في يوم 8 تشرين أول 1973 تم فتح مقر للعمليات في ديوان وزارة الدفاع العراقية، ثم نقل إلى مقر بديل آخر وتم حشد 5 أسراب من الطائرات في مطاري الضمير ودمشق الدوليين وأرسلت على الفور إلى العاصمة السورية أيضا ناقلات حوضية لمشتقات النفط وصدرت الأوامر للقطعات العسكرية بالحركة من مناطق تحشدها أو تدريبها إلى سوريا وكان أولها إرسال فوج حماية قاعدة ابن الوليد ثم تبعه لواء مشاه آلي، وكان التنقل يجري على سرفات الدبابات وعجلات القتال المدرعة لكسب الوقت في الوصول بسرعة إلى الجبهة السورية لان الموقف العسكري، كما اخبر بذاك ضابط الارتباط السوري، كان يتطور بسرعة بعد يوم 8 تشرين الأول 1973.
وقد قامت ارتال عجلات الإدامة بنقل 50 ألف طن من مواد الإدامة المختلفة كالأرزاق والعتاد والوقود والمواد الاحتياطية والملابس والتجهيزات.. الخ وحسب معلوماتنا لم يحصل خلال عملية التحشد الكبيرة والسريعة هذه والتي جرت بحماية مظلة جوية عراقية، أي حادث مهما كان نوعه بفضل الله تعالى، ولم تتوقف أية عجلة لنقص الوقود ولم يفتقر أي سلاح للعتاد.. لقد أنجزت معركة التحشد بشكل رائع اعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء حتى ان إذاعة لندن ذكرت يوم 20/10/1973 نقلا عن احد المعلقين العسكريين لصحيفة تايمس اللندنية ما يأتي: "إن إحدى المفاجآت الكبرى في حرب الشرق الأوسط هي تمكن العراق من تحشيد فرقة مدرعة عبر مسافة ألف كيلومتر وزجها في المعركة في الأيام الأولى من الحرب ممَّا قلب خطط الإسرائيليين ومنعهم من تحقيق كل أهدافهم في هذه الجبهة". وقد أكد هذا التحليل، المعلق العسكري الإسرائيلي زئيف شيف الذي قدم، في صحيفة هاارتس الإسرائيلية يوم 29/10/1973 تحليلاً لنتائج الحرب ألقى فيها مسؤولية الفشل على الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في إعطاء إنذار مبكر للهجوم على الجبهتين المصرية والسورية، وأورد رأياً حول اشتراك القوات العراقية في الحرب قام الباحث بترجمته في حينه من العبرية إلى العربية وينقل للقارئ الكريم نصه بالحرف.. حيث قال: "لقد شكل اشتراك القوات العراقية في الحرب من جهة الشرق مفاجأة للقيادة العسكرية الإسرائيلية، التي لم تكن تعرف ميدانيا قدرة القوات العراقية إلا من خلال ما ذكر عن كفاءتها وقدراتها القتالية في مصادر المعلومات العلنية". وأضاف: "وقد أجبرت هذه المفاجأة العراقية، القوات الإسرائيلية على فرز قوات كبيرة لمواجهة القوات العراقية مما أحدث تحولا في مسيرة الحرب وابعد دمشق عن مطارق المدفعية الإسرائيلية."
ودارت الحرب.. وقامت القوات الجوية والبرية العراقية على الجهتين المصرية والسورية بواجبها بشكل مشرف واتسمت معارك القوات البرية العراقية على الجبهة السورية بدقة التخطيط والكفاءة القتالية الكبيرة والروح المعنوية العالية، وكان لتدخلها السريع الأثر الكبير في تغيير نتائج الحرب لصالح القوات العربية، بالإضافة إلى تقليل حجم السلبيات والخسائر إلى الحد الأدنى.
ولغرض التوثيق التاريخي يشير الباحث، الذي شارك في هذه الحرب، إلى الدور الكبير الذي قامت به القوات المدرعة العراقية في الحرب والذي كان له الأثر البارز في تضاؤل زخم الهجمات المتواصلة التي شنتها القوات الإسرائيلية وأرادت بها الوصول لتطويق دمشق فتحولت جهودها نحو اتجاهات أخرى، لكنها لم تنجح أيضا نتيجة تصدي القوات العراقية لها وقيام هذه القوات بهجمات مقابلة عزومة بقوات مدرعة ومشاة آلي ومشاة ووحدات باسلة من قوات المغاوير وبإسناد كثيف من الطيران العراقي والمدفعية وقوات الإسناد الأخرى، ممَّ أحبط مساعي القوات الإسرائيلية في هذه الجبهة.. وجدير بالذكر أن المعارك التي خاضتها القوات العراقية كانت تتسم بطوبوغرافية متنوعة اعتاد عليها الجيش العراقي ولم تكن غريبة عليه كما لم تشكل عائقا أمام تنفيذها لواجباتها القتالية طيلة مدة الحرب. تضحيات الجيش العراقي كان مجمل تضحيات القوات العراقية البرية الباسلة التي ضربت أروع الأمثلة في الشجاعة والتضحية والإيثار:
835 شهيداً من بينهم 11 ضابطاً و79 مفقودا من بينهم 36 ضابطاً، وفي الطائرات والدروع والآليات والأسلحة بلغت الخسائر 26 طائرة مقاتلة، و111 دبابة وناقلة أشخاص مدرعة، و249 آلية عسكرية و738 قطعة سلاح ومدفع من مختلف الأنواع. حجم وأنواع القطعات العسكرية العراقية المشاركة في الحرب فيما يأتي حجم وأنواع القوات العسكرية العراقية التي شاركت في الحرب على الجبهتين الشمالية والجنوبية، وجدير بالذكر أن هذه القوات كانت تعتبر من قوات النخبة في الجيش العراقي:
القوات البرية العراقية
1-الفرقة المدرعة الثالثة أو كما كانت تسمى "قوات صلاح الدين" بقيادة العميد الركن محمد فتحي أمين الكواز وتألفت من:
أ. اللواء المدرع 12 (لواء ابن الوليد): بقيادة العقيد الركن سليم شاكر الإمام، وقد شارك هذا اللواء في بداية المعارك بكتيبة دبابة المعتصم وكتيبة دبابات قتيبة والمشاة الآلي ثم أعقبها بكتيبة دبابات القادسية.
ب. اللواء المدرع السادس: بقيادة المقدم الركن غازي محمود العمر حيث كانت وحدات اللواء متواجدة في مناطق التدريب بالورار غرب الفرات ضمن محافظة الانبار العراقية، وعند صدور الأمر إليها بالتحرك إلى الجبهة بدأت وعلى الفور تحركها على سرف الدبابات والناقلات إلى الكيلو 160 بسبب قلة ناقلات الدبابات ومن ثم واصلت تقدمها باتجاه الحدود السورية فجبهة القتال.
ج. لواء المشاة الآلي الثامن: بقيادة العقيد الركن محمود وهيب وشاركت جميع وحدات اللواء في المعارك بالرغم من تأخر وصول فوج ناقص سرية يوم 16/10/1973.
2. الفرقة المدرعة السادسة: وتألفت من اللواء المدرع الثلاثين واللواء المدرع السادس عشر ولواء المشاة الآلي الخامس عشر.
3. فرقة المشاة الآلية الخامسة: وكان من بين وحداتها، لواء المشاة الآلي العشرون بقيادة العقيد الركن سلمان باقر، وكان هذا اللواء يتواجد في مدينة العمارة جنوبي العراق وتحرك على السرفات مدة ثمانية عشرة ساعة بدون توقف، ووصل الغوطة يوم 15/10/1973 وقد شارك اللواء في معظم المعارك وبلغت تضحياته 15 شهيدا و40 جريحا.
4. فرقة المشاة الرابعة: وتألفت من لواء المشاة الخامس الجبلي بقيادة المقدم الركن عبدالجواد ذنون وكانت معاركه مشهودة في هضبة الجولان وجبل الشيخ، كما شاركت مع الفرقة وحدات أخرى ساندة ألحقت بها في وقت لاحق.
القوة الجوية العراقية
أما بالنسبة لمشاركة القوة الجوية العراقية في الحرب فقد تم إدخالها بالإنذار الفوري فور سماع أخبار الحرب من الإذاعات و خصصت القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية جهدا جويا كبيرا لإسناد وخدمة القوات المشاركة في العمليات العسكرية وكما يأتي:
90 مطاردة معترضة ميغ 21
60 قاذفة مقاتلة هجوم ارض سوخوي 7
30 قاذفة للهجوم الأرضي ميغ 17
36 قاذفة مقاتلة هجوم ارضي هوكر هنتر
24 طائرة قوامها 2 سرب كانت موجودة في مصر قبل بدا الحرب وشاركت في الضربة الجوية الأولى ضد الأهداف الإسرائيلية في سيناء.
8 قاذفات متوسطة تي يو 16
أما بالنسبة لطيران النقل فقد كان عدد طائراته 31 طائرة موزعة على النحو الاتي:
4 طائرات خفيفة انتو نوف 2
7 طائرات نقل ثقيلة انتو نوف 12
10 طائرات خفيفة انتو نوف 24
8 طائرات نقل اليوشن 14
2 طائرة نقل خفيفة هيروف 16 (بريطانية)
وقد بلغت ساعات طيران النقل الجوي لصالح العمليات من 7/10 لغاية 3/11/1973، 862 ساعة منها 121 ساعة على الجانب المصري و394 ساعة على الجانب السوري والجهد الجوي الآخر كان مخصصا لأغراض الإدامة والارتباط والواجبات الأخرى حيث تم نقل 1800 شخص وحمولات بزنة 671 طن موزعة على 219 طن لإسناد الجناح العراقي في مصر و(452) لإسناد الأسراب العاملة في سوريا.
وكان العراق يمتلك 8 قاذفات قنابل تي يو 16 حمولة كل منها 72 طن بالطلعة الواحدة ولم يشترك سرب القاذفات تي يو22 في الحرب بسبب عدم استلام أجهزتها من الاتحاد السوفيتي السابق إلا بعد انتهاء الحرب.
أما الطائرات السمتية التي تم وضعها بالإنذار أو التي شاركت فعلا بالحرب من خلال تنفيذها لمهمات قتالية أو لوجستية فكانت:
83 طائرة خفيفة مي 1
35 طائرة مهمات مي 4
29 طائرة نقل متوسط مي 8
10 طائرة بركس (بريطانية الصنع)
5 طائرات ألويت (فرنسية الصنع).
تضحيات القوة الجوية العراقية
بلغت خسائر وتضحيات القوة الجوية العراقية خلال فترة مشاركتها بالحرب:
استشهاد 12 طيار واسر عدد آخر من الطيارين وسقوط 26 طائرة من مختلف الأنواع. الخلاصة والتقييم إن هذا السفر الخالد للضباط والجنود العراقيين الذين وقفوا إلى جانب إخوانهم في الجيوش العربية الأخرى في حرب تشرين 1973 سوف تذكره الأجيال بفخر المآثر التي سطروها وتلك الدماء التي سالت في كفر ناسج وتل عنتر وجبل الشيخ وصحراء سيناء دفاعاً عن قضيتهم القومية وعن شرف الماجدات العربيات. وسوف لن تغيب عن البال أيضا تلك الملحمة الوطنية العراقية عندما مرت 24 طائرة عراقية مقاتلة مع أسراب الطائرات المصرية فوق قناة السويس على ارتفاع منخفض وبسرعة هائلة لتقوم بتدمير المطارات الإسرائيلية في سيناء وهي المليز، ثمادة، وراس نصراني وتضرب عشرة مواقع إسرائيلية ارض- جو من نوع هوك والمقر المتقدم لقيادة المنطقة الجنوبية الإسرائيلية في أم خشب ومقرها الرئيسي في العريش. كما لا ننسى أيضا ذلك الاستقبال الرائع الذي كان يستقبل به أهلنا في سوريا إخوانهم وأبناءهم من أبطال الجيش العراقي وهم يتوجهون إلى جبهات القتال وبالزغاريد بعد عودتهم منها وهم يحملون أكاليل الغار والنصر.
إن ما حصل في حرب تشرين يجسد الإرادة العربية الواحدة في مواجهة الخطر المحدق بالأمة العربية وان مشاركة الجندي العراقي في هذه الحرب إلى جانب إخوانه في الجيوش العربية يدل، بما لا يقبل الشك، أن الخطر الذي يتعرض له أي عضو في الجسد العربي إنما هو خطر يهدد كل الجسد وان تضحيات الجيش العراقي الباسل في هذه الحرب وكل الحروب العربية الإسرائيلية إنما هي تأكيد للمصير المشترك الذي يربط أبناء الأمة الواحدة فضلا عن كونه جيشا له خبرات طويلة في الدفاع عن قضاياها، مما ساعد على تحقيق النصر في الحرب على العدو الإسرائيلي وحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر وزعزع أركان نظرية الأمن الإسرائيلي واثبت فشلها التام عندما أخطت القيادة الإسرائيلية حساباتها تجاه قدرات وإمكانيات الجيوش العربية وعقيدة قتالها بإبعادها السوقية (الاستراتيجية) والعملياتية والتعبوية وفن استخدامها لمنظومات الأسلحة البرية والجوية والبحرية بشكل علمي وحديث ومتطور نال إعجاب العالم وراحت معاهده وكلياته العسكرية ومراكز دراساته البحثية تدرّس فن وأساليب القتال العربية وتأخذ منها العبر والدروس.. والدرس الآخر الذي نستخلصه من الحرب هو أن الجندي العربي، من أي جيش أو بلد عربي كان، هو ذاته الجندي العربي المؤمن بقضيته، المتمرس في استخدام سلاحه والمتقن لعقيدته القتالية إذا ما توفرت له كل المقومات والإمكانيات المطلوبة لخوض حرب حديثة مهما كانت ظروف المعركة صعبة. الباحث عبد الوهاب محمد الجبوري