عن إستراتيجية الأمن القومي العراقي

بقلم: مهند حبيب السماوي

توطئة ربما لا يختلف معي أحد أذا ما زعمت إن أي مشروع أو عمل في هذه الحياة يحتاج إلى دراسة منظمة وتخطيط مسبق وتنظيم جيد لكي يحقق صاحب التخطيط ما يصبو منه من أهداف معينة وغايات ما في الزمان والمكان المناسبين، وإذا كانت هذه القاعدة تنطبق على الفرد في مخططاته اليومية وحياته ألمعاشه، فالأولى بها أن تنطبق أيضاً على الدول المعاصرة التي تُعرف بأنها ظاهرة متعددة الصور والعناصر والإشكال تضم وحدات سياسية وظواهر اجتماعية وبُنى هرمية وتراتبية قانونية والتي يتفق الباحثون في النظر إليها على ضرورة وجود واجتماع عناصر ثلاثة من اجل تكوينها.... هي الشعب أولاً... والإقليم ثانياً... والحكومة ثالثاً... كما قد استقر هذا المبدأ وأصبح عرفاً في القضاء والقانون الدولي والدليل القرار الصادر من محكمه التحكيم الألمانية البولونية في 1 أب/اغسطس 1929 والخاص بإحدى شركات الغاز الألمانية.
ولا ريب أن هكذا كيان معنوي والذي أطلقنا عليه دولة لابد أن يكون لديها مشروع وفكرة واسمحولي أن اختصرها بكلمة منهج، نعم منهج محدد تسير جزئياته باتساق ونظام منذ البداية إلى النهاية، وللمنهج تعريف بصورة عامة بعيداً عن مصاديقه في علم ما علينا معرفته من اجل تسليط الضوء على مقالتنا هذه بصورة أكبر، فمناهج البحث في قواميس التعريفات تُعرف بأنها الطرائق المحدّدة المرسومة بدقّة والتي تُتّبع من أجل الوصول إلى نتائج صحيحة للفرضيّات الموضوعة، على النحو الذي يمكن فيه الاطمئنان إلى سلامتها العلمية والوثوق بمعطياتها واعتمادها.
أن المنهج الذي يمكن أن تسير وفقاً لمقتضاه سياسة المؤسسات الرسمية الحكومية وغير الحكومية يُعبر عنه في القاموس السياسي المعاصر بالإستراتيجية. مفهوم الإستراتيجية كثيراً ما نقرأ ونسمع من فم الكثير من الباحثين والمحللين السياسيين لفظة الإستراتيجية سواء كانت في مقالاتهم وبحوثهم التي يكتبونها أو في البرامج والقنوات الفضائية حينما تلتقي بهم، وان كان البعض من هؤلاء ممن لا نشك في أنه يستخدم هذا اللفظ لكي يُقال عنه أنه مثقف وباحث في الشؤون الإستراتجية ولذا نراه يجلس واضعاً قدم على قدم ليقول النظرة الإستراتيجية السياسية الاسترتيجية الخيار الاستراتيجي....وكل ما يُضاف له كلمة استراتيجي من غير أن يعلم مديات هذه الكلمة وأصلها وتطورها ومعناها اللفظي والاصطلاحي الذي نأخذ به.
وقبل الحديث عن مفهوم إستراتيجية الامن القومي العراقي والتي هي محور هذه المقالة لابد لنا أن نقف قليلاً على كلمة الإستراتيجية لفظاً واصطلاحاً بالإضافة الى كلمة الأمن القومي.
فالإستراتيجية من الناحية اللفظية مشتقة من الكلمة اللاتينية stratêgos والتي منها ظهرت كلمة strategie الفرنسية أو strategy الانجليزية.
وتشير دائرة المعارف البريطانية إلى أن الإستراتيجية كانت تعني شيئين:
الأول: القائد الذي يمتلك معرفة عالية بقيادة الجيوش.
الثانية: شيخ كل قبيلة من القبائل التي تمثل في حينها جيش أثينا.
ولأن الحياة بكل ما فيها تغيرت وتطورت بل وتعقدت،فقد أصبح لمفهوم الإستراتيجية معنى وتعريف جديد هو التعريف الاصطلاحي... والذي يعني فن القيادة بعيداً عن ساحات المعارك، أو فن استخدام المعارك كوسيلة لتحقيق أهــداف الحــــرب على حد تعبير كارل فون كلاوسفيتز كبير الكتاب العسكريين في القرن التاسع عشر بحيث تشمل الاستراتيجية معاني أكثر شمولية وابعد مستوى، حيث دخلت في جميع مجالات الحياة المعاصرة التي يحياها الإنسان العادي فلم تعد الاسترتيجية مصطلح يتحرك في المجال السياسي والعسكري فقط بل امتد ذلك ليشمل جوانب أخرى اقتصادية واجتماعية وتقنية ورياضية وغيرها وهو حينها يعني استخدام واستثمار كافة الوسائل المتاحة وفي مختلف الميادين وحسب الغاية المنشودة من اجل تحقيق أهداف معينة يضعها شخص أو مجموعة أو دولة نصب أعينهم في بادئ الأمر.
وهذا يعني أن الإستراتيجية والياتها وحيثيات تنفيذها ترتبط بالفضاء التي نشأت به والتي استدعت من المسؤلين فيها كتابة هذه الإستراتيجية كحال العراق ألان الذي يحتاج في الفترة الحالية إلى إستراتيجية واضحة ومبنية على أسس علمية من أجل تحقيق جملة الأهداف المرجوة والتي تسعى إلى تحقيقها الحكومة العراقية وكما جاء في مقدمة الإستراتجية حينما أوضح رئيس الوزراء نوري المالكي بأنه السبب الكامن وراء أخراج هذه الإستراتيجية هو من اجل بناء عراق ديمقراطي اتحادي. مصطلح الأمن القومي يُعد مفهوم الأمن القومي من المفاهيم الحديثة الظهور في عالم السياسة على الرغم من أتفاق الجميع على الأهمية القصوى للأمن في الحياة المعاصرة واستعماله من قبل الكثير من الباحثين والمفكرين الاستراتيجيين، فالمصطلح ظهر للوجود في الفترة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية وبروز تحالفات وأنظمة وقوى أرادت أن تعمل على الاستفادة من دروس الحروب البليغة التي راح ضحيتها آلاف من الأبرياء الذي هم وقود الحروب على الدوام، حيث قام البعض بمحاولة البحث عن الطرق والأساليب التي يمكن من خلالها أحلال الأمن والسلام في ربوع العالم حتى لا يشهدوا ثانية المناظر المروعة للحروب العالمية التي حدثت أبان تلك الفترة.
أما في العالم العربي فقد بدأ الاهتمام بالمعنى الذي يشير إليه الأمن القومي في نهاية الستينات من القرن الماضي حينما حاول البعض سواء كانوا كتاب يتمتعون باستقلالية ما أو مراكز ومؤسسات بحثية، حاولوا أيجاد تعريف متكامل وشامل لهذا المصطلح يستغرق ويغطي كل المجالات والمستويات التي يتضمنها في داخله مفهوم الأمن القومي، إلا أن المصطلح في حقيقته كان تحت عنوان الضمان الاجتماعي و لم يُناقش معناها الحالي إلا في اجتماع الجامعة العربية الذي انعقد سنة1992 تحت عنوان الأمن القومي العربي.
ولدينا في الواقع عشرات التعريفات التي تخص الأمن القومي، ويمكن اختصارها بتعريف جامع يقول بأن الأمن القومي هو أي سلوك وتصرف تسعى الدولة عن طريقه إلى المحافظة على كيانها ووجودها المادي والمعنوي. إستراتيجية العراق إستراتيجية الامن القومي العراقي منهج متكامل متعدد الإبعاد والجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية يهدف إلى قراءة الواقع العراقي قراءة صحيحة وتشخيصه وفقاً للتكاملية العلمية والحقائق الواقعية الملموسة، والنهوض بهذا الواقع والرقي والسمو بمصالحه الوطنية نحو حالة متقدمة متطورة، كما أن هذه الاسترتيجية تعتبر منهج لتحقيق الإخوة والمصالحة بين أبناء الوطن الواحد بالإضافة إلى الحد من التهديدات والمخاطر الخارجية والداخلية المحيقة بالعراق.
وفي الحقيقة ينشغل الأعلام العراقي هذه الأيام بالتحضير لتسويق هذه الإستراتيجية والتي أطلق عليها ألعراق أولاً...وقد جاء في الرسالة التعريفية لمستشار الامن القومي العراقي موفق الربيعي الذي أشرف عليها أشرافاً مباشر مجموعة من الحقائق جاءت بمثابة نوع من تسليط الضوء على هذه الأستراتيجية والتعريف بها والتعرض إلى أساسها القانوني وكل ما يتعلق بتوجيه المالكي وتنفيذ موفق الربيعي لها.
فقد أوضح الربيعي في رسالته التعريفة الأساس القانوني لفكرة إستراتيجية الأمن القومي العراقي حيث أرجع المسألة إلى الدستور العراقي 2005 وبالضبط المادة (110) الفقرة ثانياً والتي تؤكد على أن وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها هي إحدى الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية وهذا يعني أن الأساس النظري والقانوني لإستراتيجية الامن القومي موجود ومتوفر ويحتاج لتوجيه ثم بعدها تنفيذ، وهذا ما قام به المالكي وهو أعلى سلطة تنفيذية في العراق حيث منح التوجيه دائرة مستشاريه للأمن القومي التي يترأسها الربيعي لوضع "إستراتيجية الأمن القومي العراقي 2007-2010"، وفعلا بدأ التنفيذ على يد الربيعي والذي بدوره كلف أحدى الدوائر والمراكز المرتبطة به وهي مركز التخطيط المشترك بالبدء لإعداد هذه الإستراتيجية وكتابتها على النحو الذي تحقق فيه الأهداف المرجوة منها. العراق أولاً كان لإستراتيجية الامن القومي العراقي الحالية ميزة مهمة تكمن في تسميتها حيث كان لشعارها وكما هو مشار اليه في الفقرة التي إنا بصددها العراق أولا ً أعتبارات مهمة ومدلولات كبيرة، فالعراق هو ألهدف المنشود والغاية الأساسية من هذه الاستراتيجية وليست المصالح الفئوية أو المذهبية أو الطائفية أو القومية أو العرقية أو حتى الشخصية.
هذا من حيث الشعار... أما تعريفها فقد أوضحه الربيعي قائلاً أنها تمثل سياسة الحكومة في تحقيق المصالح الوطنية وتحديد ودرء التهديدات والمخاطر وآليات مواجهتها، والتي تعتمدها كجزء من برنامجها السياسي والعملي من خلال المؤسسات الرسمية العراقية.
وهذا التعريف يضم بين دفتيه محورين عسكري وسياسي، والجانب العسكري تركز في مواجه العنف بالقوة وتشخيص التهديدات التي تواجه العراق والتي هي الإرهاب والتمرد والتخريب والفساد والجريمة المنظمة والتهديد الإقليمي والتدخل في الشؤون الداخلية والمليشيات والفكر الدكتاتوري والعنف الطائفي والمهجرون والمهاجرون والبطالة وغيرها.
أما الجانب السياسي فتمثل في أجراء مصالحة وطنية حقيقية بين أبناء الشعب العراقي سواء كانوا من الساسة أو من عموم الشعب العراقي، والمصالحة الوطنية اعتبرتها إستراتيجية الامن القومي من الوسائل الاستراتيجية المهمة التي تعمل على رأب الصدع وردم الهوة الطائفية التي صنعها الفكر التكفيري بين أبناء الشعب العراقي. أهمية الإستراتيجية أن لإستراتيجية الامن القومي العراقي أهمية كبيرة تكمن في النقاط التالية:
1. أدراك التهديدات والمخاطر الحقيقية التي تواجه العراق سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة وعلى كافة المستويات من اجل تهيئة السبل الكفيلة بمواجهتها والقضاء عليها.
2. توفير آلية إستراتيجية فعالة لتوحيد وتنسيق الجهود والمواقف السياسية العراقية إزاء القضايا الحساسة الأمنية الكبرى التي تتطلب استجابة سريعة مدروسة وقرار حاسم فعٌال.
3. تنظيم عمل الوزرات العراقية، حيث ستخلق الإستراتيجية بيئة سليمة لعمل رؤية منظمة وعمل منسق متكامل أذا استطاعت هذه الوزارات ومؤسسات الدولة العراقية أن تطبق الإستراتيجية وتستند لها في وضع سياستها وخططها فيما يتعلق بالأمن القومي العراقي.
4. فتح أواصر من العلاقات الجديدة الإيجابية مع المجتمع الدولي من جهة أولى والدولة الإقليمية المجاورة من جهة ثانية والتي سوف تؤدي إلى أقناع الجميع بتوجهات الحكومة العراقية ونواياها التي تكمن في بناء عراق ديمقراطي حر مستقل.
5. خلق رابط وطني بين الشعب العراقي وحكومته الحالية المنتخبة من اجل العمل المشترك يد بيد لبناء العراق وإعادة أعمارة وتأسيس دولة القانون وإرساء أسس الديمقراطية والعدالة.
6. إيجاد بيئة ايجابية مشجعة تفتح الباب للحوار والمصالحة والتلاقي بين الأحزاب والفئات والقوى السياسية الفاعلة من اجل وأد الخلافات الجانبية وأجهاض كل محاولات الفتنة. أخيراً هذه هي أستراتيجية الأمن القومي العراقي غرست نبتتها عقول عراقية ورعتها وسقتها سواعد بطلة حاولت أن تؤسس منهج واضح ورؤية سليمة لعمل الحكومة العراقية ومؤسساتها المختلفة، وهي لا تدعي الكمال ولا الخلو من المثالب فلا عمل كامل تام ولا أنجاز نهائي، وهي تنتظر الرأي الساند والأفكار الايجابية التي يمكن أن تعضدها وتبين مواطن الإيجاب والنجاح من جهة والسهو والخطأ من جهة أخرى خدمة لهذا الشعب الذي ضرب أروع الأمثال في صبره وقوة أيمانه.

مهند حبيب السماوي Mohanad.habeeb@yahoo.com