الكون كوة مغلقة مفتاحه الأنوثة

بقلم: سالم العبار
أنوثة الكون

اختصر كثيراً. ستكتشف أنك عميق. اختصر أكثر وتماهي في الجوهر. ستكتشف أنك أكبر! تأمل النقطة كيف تستدرج العبارة لتوقفها عند خلاصة المتن، تأملها وهي تبث الروح في أجساد الحروف، وعلى شاكلة النقطة يمكن أن نسوق الكثير من المختصر العميق. الروح والخلية، الجنة والنار، البذرة والأرض، وكل ما يلحقه تاء التأنيث، بل تاء التأنيث أي كل ما هو أس أساس في الحياة والفناء وكل ما يتسع لكل الأطياف، وحينها نصرف النظر الظاهر لنبصر بعين الباطن أن تاء التأنيث لا تغدو سوى وشم أو قرط أو ألوان تصبغ بها الشفاه لنميز بين الذكر والأنثى.
لكن الأنوثة الصريحة التي لا يمكن حتى للمجاز أن يمس أنوثتها هي النار، فهي الأنثى الأكثر إغراء ونزقاً وإثارة بين أندادها من الإناث السافرات من تاء التأنيث.
النار التي نقف أمامها مشدوهين نحصي أبناءها الذكور من ألوان من العسير علينا أن نقطع بدلالتها، وتحيرك أكثر حين تضطرم بين الجوانح وقد ألهبتها الدموع وحينها لا تملك إلا أن تقول (آه كم تزيد المياه من لهيب النار!). النار، الدفء والرهبة، الخوف والأنس والعقاب.
فالأنثى أصل الأشياء، هي النص الأصل الذي كتب هذا الكون، فالكون كّوة مغلقة مفتاحه الأنوثة، كل الأشياء تظل مجردة، أو وعاء أو قشوراً أو لبّاً أجوف إن لم تؤثثه الأنوثة.
إن الروح التي نفخها الله فينا هي الأنثى، هي المبتدأ، فمن منا يقبض على سرها، على الرغم من أنها وقود عقلنا وتفكيرنا، أليس في أعماق كل منا غواية تارة تجذبنا في اتجاه الحب وأخرى في اتجاه الكراهية، مرة إلى المعقول ومرة إلى نقيضه.
هذه الغواية وقود ممارستنا الحياتية وفتيل وجودنا، والغواية أنثى تجمع النقائض حين نتماهى في تفسيرها نكتشف عجزنا عن إدراك عمقها تماماً كما نعجز عن تفسير ألوان النار، وأكبر النار من مستصغر الشرر فتهجى النار وكن عميقا.
إن الأشياء التي تتماهى في الصغر، تتماهي في الكبر. في العمق، وأقصر أقصوصة رتبت الكون بشموله لم تتجاوز حرفين من خطاب الله قال (كن) فكان كل شيء، وبنفخة منه في جسد أساسه نطفة صغيرة كان الإنسان أهم شخوص هذه القصة الأبدية، إله صغير استمد القدرة على الخلق والإبداع والابتكار، فعل مستمر ضد الأمس لأن الأمس مشروع فانٍ، والإنسان مشروع منفتح على الصيرورة، يتجاهل لحظة توقف الزمن، يتجاهل الموت، ولذلك فكل نهاياته بدايات لشيء ينفقه من أجل غاية، ولا يوقف هذا المشروع إلا الزمن.
هذا ما يجعل الإنسان يتحسس علاقته بالمطلق والغيبي ويعيش على حلم بحياة أخرى، فالبداية والنهاية وبينهما الزمن والإنسان هم سؤال الحياة، والقصة بداية ونهاية وزمن وشخوص، والقصة القصيرة إشراقة، النفحة الإلهية إشراقة روح في جسد ميت، والإنسان روحه من هذه النفحة الإلهية، من تلك اللحظة الصغيرة الكبيرة، ومنذ تلك اللحظة وهو يسعى إلى الخلود، إنه إله صغير، يتحرج أن يقول ذلك، لكنه يسلك المسلك المؤدي إلى الألوهية، يخلق امتداده بفعل مستمر يخلفه من بعده.
والقصة لحظة تتأسس بشخوص ووسط، وحدث يتأسس عليه فعل كبير، والولادة بداية لحظة يتأسس عليها فعل كبير، وفي كل فعل زمن ولكل فعل فاعل.
إذن شخوص القصة أناس وأفعال وهي بذلك حدث مستمر شاسع، ممتد، مطلق يتجاوز مسطرية الامتداد من نقطة البداية إلى نقطة الانتهاء المحددة المقفلة افتراضاً في اجتهادات منظري فن القصة القصيرة بل هي دائرة تنتهي من حيث تبدأ وذلك بتجاوزها الزمن المحدد في لحظة قصيرة إلى الحلول في الأني والمستمر من الزمن حين تشكل النهايات بدايات في كون وقوده الزمن.
وهكذا فالقصة إنسان من زمن وحدث وفعل وهي تستوعب من كل صنوف الإبداع ملمحاً هي تستوعب المقالة والخاطرة والشعر، فهي أنثى وأول سطر في كتاب الكون قصة قصيرة لم تتجاوز شخوصها حواء وآدم، وتأسس على ذلك الحدث الصغير فعل كبير، عبر رواية تتابع فصولها نظل نكتب أحداثها ونطالعها في كل حين. سالم العبار ـ ليبيا