'أفريكوم' انطلقت في المانيا وليس في القارة السمراء

انطلاقا من الأول من شهر أكتوبر/تشرين الاول 2007 أصبح مقر القيادة العامة الإقليمية للقوات الأميركية في القارة الأفريقية "افريكوم" يمارس عملياته من القاعدة العسكرية الأميركية الضخمة في ضواحي مدينة شتوتغارت بالمانيا حيث يوجد كذلك مقر قيادة القوات الأميركية في القارة الأوروبية. وبذلك توحدت المسؤوليات العسكرية الأميركية في القارة السمراء بعد أن كانت موزعة على ثلاث مراكز قيادية اقليمية كلها موجودة خارج أفريقيا، الاولى في تامبا بفلوريدا، جنوب شرق الولايات المتحدة والثانية في اوروبا في شتوتغارت والثالثة في هاواي في المحيط الهادئ.
هذا التجميع جاء على غير ما خططت له الإدارة الأميركية منذ سنوات حيث كانت تريد أن تكون القيادة الموحدة موجودة على أراضي القارة التي تعتبرها العديد من الشركات المتعددة الجنسيات أهم مخزن عالمي للطاقة والمواد الخام لم يتم استغلاله بعد بشكل جيد.
تعثر خطط الولايات المتحدة التي غلفت بمبررات منها مقاومة تنظيم القاعدة والإرهاب وتأمين الإستقرار، جاء بسبب المعارضة القوية من طرف غالبية دول القارة لوضع هذه القيادة القاعدة على أرض عانت الأمرين طوال قرون من الإستعمار الغربي، وأصبحت تدرك أن التواجد العسكري الأميركي سيجعل من إفريقيا هدفا لأعداء الولايات المتحدة في العالم.
واشنطن جربت كل طرق الإغراء والابتزاز على مدى سنوات تجاه العديد من دول القارة للحصول على القاعدة، وأثارت ضجة كبيرة حول نجاحها في الحصول على موافقة عدد من الأقطار لإستضافة القيادة، وأشعرت حكومات مختلفة أن هناك تنافسا أفريقيا على احتضان الـ"أفريكوم" مؤكدة ان من سيفوز بالعطاء الأميركي سيحصل على منافع كثيرة سياسية وإقتصادية وعسكرية، غير ان العملية انتهت في الربع الأخير من سنة 2007 بالفشل، الذي يأمل البيت الأبيض ان يكون مؤقتا.
في شهر سبتمبر/ايلول 2007 كشف راين هنري السكرتير الثاني المساعد للشؤون السياسية في وزارة الدفاع الاميركية، عن تعثر المخططات الأميركية وإن حاول التقليل من وقعه، حيث قال ان الولايات المتحدة ستنشئ بالمانيا مقرا عاما مؤقتا لأول قيادة عامة عسكرية اقليمية خاصة بافريقيا، وانه لم يتم بعد اختيار مقر مركز القيادة العامة في افريقيا. وذكر أنه في انتظار حل مشكلة المقر الأفريقي سيتمركز العسكريون المكلفون بشؤون المرحلة التمهيدية في شتوتغارت وسط غرب المانيا حيث تقع القيادة الاقليمية لاوروبا "اوكوم".
وزيادة في التمويه قال راين ان هؤلاء العسكريين سيكون لديهم عام كامل لارساء الهيكلية النهائية للقيادة العامة التي تشمل الى جانب مقر القيادة العامة، خمس خلايا موزعة على سائر مناطق القارة الافريقية في دول يتم تحديدها لاحقا.
وفي نطاق التقليل من اسقاطات الفشل اوضح هنري انه "لن يتم انشاء اي قاعدة جديدة او نشر قوة جديدة في اطار افريكوم"، مدعيا ان "هذا الامر لا يمثل اي تغيير في السياسة" الاميركية تجاه افريقيا.
وفي الوقت الراهن تحتضن جيبوتي وحدها قرابة 1700 عسكري اميركي في اطار الحرب على ما يسمى الارهاب، ويقيم الأميركيون في ملحقات بالقاعدة الفرنسة الرئيسية بالبلد الواقع في القرن الأفريقي والذي يعتبر العمود الفقري الأساسي للوجود الفرنسي بالقارة السمراء.
وكان الرئيس الاميركي جورج بوش قد اعلن انشاء "افريكوم" في السادس من فبراير/شباط 2007، واعتبر مراقبون ذلك ترسيخا للنفوذ الأميركي في القارة التي تضم ثروات هائلة تسيل لعاب الشركات المتعددة الجنسيات.
واوضح وزير الدفاع روبرت غيتس من جانبه في نفس التوقيت ان هذه المبادرة ستجعل الولايات المتحدة "اكثر فاعلية" مما هي عليه راهنا حيث تتبع افريقيا لثلاثة مراكز قيادية اقليمية.
وكشف هنري ان بلاده لم تباشر اي محادثات رسمية مع أي من الدول المهتمة باستضافة المقر العام المقبل لقيادة "افريكوم" الا انه أكد ان ليبيريا رشحت نفسها لهذه المهمة. غير أنه وحسب خبراء ومراقبين فإن الدول المفضلة عسكريا وسياسيا من طرف واشنطن لإستضافة القاعدة لا ترحب بالفكرة في حين تقدم دول أخرى نفسها مثل بوتسوانا وجيبوتي واثيوبيا ولكن البنتاغون يراها غير ملائمة لأسباب متعددة.
وكمخرج من المأزق تفكر واشنطن في التنسيق مع فرنسا التي تملك سلسلة كبيرة من القواعد والتسهيلات العسكرية بالمنطقة، وذكر هنري انه "بدلا من ان تكون هناك ثلاث قيادات مختلفة تعتبر افريقيا بالنسبة اليها اولوية ثالثة او رابعة ستصبح هناك قيادة واحدة تكون افريقيا بالنسبة اليها اولويتها الاولى". واعلن في فرنسا التي زارها خلال شهر سبتمبر 2007 والتقى خلالها خصوصا وزير دفاعها هرفيه مورين ان "الامور تسير جيدا" بين البلدين. واضاف "لدينا وجهات نظر متشابهة. اعتقد اننا سنعمل بتناغم كبير"، مشيرا الى انه "اليوم فرنسا هي التي تملك امكانيات" عسكرية في افريقيا بفضل شبكتها الراهنة من القواعد ومراكز الدعم.
بموازاة مع بدء عمل "افريكوم" بألمانيا في اكتوبر أبرزت العديد من الدول الأفريقية عزمها على صد محاولات ادارة بوش المتجددة للتسرب عسكريا وبشكل أكثر كثافة مما هو حاصل حاليا الى القارة السمراء، وقد شكك مسؤولون وخبراء أفارقة في جدوى القيادة العسكرية الأميركية وأكدوا أنها ستكون ذراعا أميركية للتدخل في شؤون بلادهم، وأنها ستحول إفريقيا إلى ساحة للصراع بين واشنطن وأعدائها في العالم، واستشهدوا بما هو واقع في الصومال والعراق وأفغانستان وغيرها من المناطق التي تدخلت فيها واشنطن عسكريا بشكل أو آخر.
المعارضة الأفريقية للوجود العسكري الأميركي لم تقتصر على دول معينة بل شملت كذلك تجمعات اقليمية، فمنظمة تنمية تجمع الجنوب الإفريقي "سادك" عارضت نشر "أفريكوم" في القارة. وقال رئيس زامبيا ليفي موانواسا الذي يترأس حاليا "سادك" "لن تتواجد قاعدة عسكرية في زامبيا أو في أي دولة من دول إقليم سادك". وأضاف"إن الوجود الأميركي في إفريقيا يشبه السماح لعملاق بالبقاء في منزلك". دول المغرب العربي رفضت وجود القيادة الاميركية على اراضيها وكذلك فعلت مصر.
وإذا كان هذا هو رأى الساسة فإن المواطن العادي يستشعر الخطر من الخطط الأميركية.
فمثلا يرى المواطن الصومالي بيلي عبدي أن "الوجود العسكري الأميركي سيجلب المزيد من الضرر لإفريقيا"، مشيرا إلى أنه "إذا انتشرت أميركا في إفريقيا، فإن روسيا وإيران والصين سيأتون أيضا إلى إفريقيا". وينتقد كثير من الصوماليين الدعم الأميركي لما يسمى بالحكومة الصومالية المؤقتة وحلفائها الإثيوبيين ضد المحاكم الإسلامية التي نجحت في إعادة الإستقرار الى البلاد بعد 15 سنة من الفوضى، ويرون أن هذا الدعم سيجلب المزيد من العنف إلى القرن الإفريقي.
بيتر تاكيرامبودي مدير قسم إفريقيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش" لمراقبة حقوق الإنسان اعتبر أن هناك هدفان لأميركا من وراء نشر "أفريكوم" في القارة الإفريقية، الأول هو "تأمين تدفق الموارد، خاصة النفط من القادم من إفريقيا التي أصبحت بالفعل مصدرا رئيسيا لواردات الطاقة الأميركية، والهدف الثاني هو مكافحة ما تسميه الإرهاب.
وحسب تاكيرامبودي، ستمد دول خليج غينيا مثل نيجيريا وأنغولا في القريب العاجل الولايات المتحدة بربع وارداتها من النفط. وأضاف أن: "الصحراء والجبال في القرن الإفريقي والساحل أيضا باتت حدودا جديدة في الحرب الأميركية العالمية على ما تسميه الإرهاب.
ويرى الخبراء أن المخطط الأميركي الجديد في أفريقيا يهدف لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي في القارة، وهو ما يؤكده إسماعيل معرف غاليا أستاذ العلوم السياسية الجزائري بقوله: إن "المبادرة الأميركية تهدف إلى إضعاف التواجد المتزايد لقوى أخرى مثل الصين".
والمعروف انه تدور منذ أكثر من عقد من الزمن حرب سرية بين بكين وواشنطن حول مصادر الطاقة والمواد الأولية في كل أنحاء العالم، وينتظر أن يفوق استهلاك الصين من النفط خلال سنوات قليلة الاستهلاك الأميركي.
ومنذ سنوات توقع المراقبون تصاعد حدة التنافس الصيني الأميركي على النفوذ في الشرق الأوسط وأجزاء هامة من القارة الأفريقية بسبب التسابق على تأمين موارد الطاقة النفطية وذلك بعد تصاعد الاستهلاك الصيني بوتيرة غير مسبوقة.
فقد ارتفع استهلاك الصين من النفط عام 2006 بنسبة 10 في المائة في الوقت الذي زاد فيه اعتماد الاقتصاد الصيني السريع النمو على مصادر الطاقة الخارجية.
وقالت وكالة الأنباء الصينية الرسمية شينخوا إن الصين استوردت 980 مليون برميل من النفط في 2006 مثلت 48 في المائة من احتياجات الصين، ارتفاعا من 43 في المائة في عام 2005.
ونقلت الوكالة عن ليانغ شو هي نائب مدير قسم التجارة الخارجية بوزارة التجارة الخارجية والتعاون الاقتصادي قوله إن إجمالي الطلب بالصين على النفط بلغ أكثر بقليل من ملياري برميل في 2006.
وكانت واردات الصين من يناير حتى نوفمبر من عام 2006 قد ارتفعت بنسبة 15تفوق في المائة بالمقارنة مع نفس الفترة في 2005.
وتوقعت إدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية في سبتمبر الماضي أن يبلغ الطلب على النفط في الصين التي أصبحت ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة 7 فاصلة 9 ملايين برميل يوميا في المتوسط في الربع الثالث من عام 2007 بارتفاع خمسمائة ألف برميل يوميا عن الفترة نفسها من عام 2006.
انطلاق قيادة "أفريكوم" من المانيا لا يعني أن إدارة البيت الأبيض ستتوقف عن مواصلة الضغوط والابتزاز تجاه دول أفريقيا لتضع قواعد تأمين استعمارها الجديد. عمر نجيب