القرار الاميركي بتقسيم العراق: الخلفيات والتداعيات

ثمة مفارقة لافتة في القرار الاميركي لتقسيم العراق، اذ تعتبر انتهاكا واضحا لمجمل القوانين الدولية التي ترعى واجبات دولة الاحتلال تجاه الدولة المحتلة، اذ ان ابسط المبادئ توجب عدم تغيير الواقع السياسي والاقليمي للدولة، وهذا ما دأبت واشنطن على تجاوزه وخرقه منذ العام 2003 بشكل مباشر، فقد اطلقت العنان لحاكمها العسكري بول بريمر لصياغة مستقبل الكيان العراقي عبر نظام الفدرالية الذي نص عليه الدستور.فما هي خلفيات قرار مجلس الشيوخ وما هي تداعياته على العراق ومجمل دول المنطقة؟
فعلى الرغم من ان هذا القرار لا يعتبر ملزما للرئيس الاميركي لتغيير سياساته المعلنة في العراق الا انه يعتبر اختبارا رئيسيا لفكرة تستقطب اهتماما متزايدا في واشنطن وبخاصة من جانب المحافظين الجدد واللوبي الاسرائيلي. واللافت ان مؤيدي القرار الذي تقدَّم به السناتور الديمقراطي جوزف بيدن أحد المرشحين للرئاسة، يصفون القرار بأنه يقدّم حلا سياسيا في العراق يمكن أن يسمح بانسحاب القوات الأميركية دون ترك البلاد لتعود الى قبضة قوى سياسية معادية لواشنطن، كحزب البعث الذي حذر منه جوزف بيدن عدة مرات خلال الأشهر الماضية ما سينسف كل خطط البيت الأبيض حول الشرق الأوسط الكبير.
وبينما يمتدح البعض القرار باعتباره يشكل حفظا لماء الوجه السياسي الاميركي ينتقده آخرون باعتباره قرارا غير قابل للتطبيق للعديد من الاسباب والاعتبارات العراقية الخاصة، باعتباره مرفوضا من قبل غالبية الشعب العراقي، ولتجاهله للتوزيع الديموغرافي للمجوعات الشيعية والسنية والكردية المقترحة. ويشير خصوم الخطة الى أن أكثر من 70 من الزيجات العراقية مختلطة بين سنة وشيعة وأكراد وان اجيالا كاملة تخلصت من العقد الطائفية التي حاول الإحتلال احياءها بعد سقوط بغداد تحت الإحتلال فلم ينجح إلا على نطاق محدود وبمساعدة قوى غير عراقية.
واللافت في القرار انه استقطب شرائح سياسية واسعة في الادارة الاميركية يكاد يصل لحد الاجماع على قاعدة ان العراق يمثل مرتكزا استراتجيا لكلا الحزبين الجمهوري والديموقراطي في ادارة السباق الى البيت الابيض في الاشهر القليلة المقبلة.
ان ابرز أهداف مخطط تقسيم العراق تتعلق بشكل رئيسي بضمان تدفق النفط الرخيص والوفير للولايات المتحدة الأميركية وحليفتها إسرائيل. وقد كان وزير الخارجية الأميركي الاسبق هنري كيسينجر، صاحب فكرة نقل النفط من العراق إلى الغرب وإلى إسرائيل بالذات، ويذكر أنه في عام 1975 مع تعذر تعديل مواقف بغداد، وقَّع كيسينجر مذكرة تفاهم مع إسرائيل تضمن الولايات المتحدة بموجبها لإسرائيل إحتياطي من النفط ومصدرا للطاقة في وقت الأزمات. ويتم تجديد المذكرة في هدوء كل خمسة أعوام، مع تشريع خاص مرفق بها تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بموجبه توفير إحتياطي إستراتيجي من النفط لإسرائيل، حتى إذا ما إستتبع ذلك نقص داخلي في النفط، وقد كلف هذا الإلتزام دافعي الضرائب الأميركان ثلاثة مليارات من الدولارات في عام 2002.
ان احتلال العراق وتقسيمه سيكون مقدمة لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير ومنذ البداية كانت الأهداف الأساسية للاحتلال هي تقطيع العراق، والقضاء على كيانه ودولته وتدميره تماما. الا ان طريقة التفتيت هذه اختلفت عن سابقاتها التي ساعدت عليها الإدارات الأميركية في مناطق أخرى من العالم. فقد اخترع الأميركيون للعراق طريقا آخر مختلفا بواسطة ما اسموه "الدستور والفيدرالية". فالأول سيعطي الأميركيون حق نهب العراق الذي سيتم تشكيله من ثلاثة دويلات هزيلة وربطها بعجلة المصالح الأميركية اضافة للوجود العسكري الدائم، والثاني سيفتت العراق بشكل قانوني "دستوري" داخلي.
ان تقسيم العراق الى كيانات ثلاث في اطار نظام دستوري فدرالي من الصعب الاتكاء عليه لحل مشاكل العراق الحالية والمستقبلية، ففي تاريخ الانظمة والدول المعاصرة لم تسجل سابقة واحدة ان قسمت دولة الى دويلات فدرالية وتمكنت من تجاوز مشاكلها التي ادت الى تقسيمها بل كانت على العكس من ذلك مشاريع حروب وازمات داخلية واقليمية سرعان ما يتم استثمارها ونشرها الى دول ومناطق اخرى.
صحيح ان العراق يعاني من ازمات طائفية واتنية وقومية الا ان حلها ليس بالضرورة التقسيم، خاصة وان العراق ليس معزولا عن محيطه بل يعتبر ركيزة للنظام الاقليمي المحيط به وبالتالي ان تقسيمه سينسحب بالضرورة على دول مجاورة له.
ان ما يحدث الآن في فلسطين من تقسيم السلطة الى سلطتين في غزة ورام الله، وما يحقن به لبنان من ادوات الفتنة للانفجار يبشر بتداعيات قرار تقسيم العراق وتعميمه على دول المنطقة، ما يفسّر ويوضّح الصورة المستنسخة للشرق الاوسط الكبير الجديد الذي بدأته واشنطن في افغانستان وربما لن تكون فلسطين ولا لبنان الا اولى ضحاياه.اذ ان مخطط المحافظين الجدد لتقسيم العراق جزء من مشروع اميركي اكثر طموحا ويهدف الى تعميم تجربة التفتيت عربيا حتى ينتهي الأمر بـ 54 دويلة على أقل تقدير.
وبصرف النظر عن قدرة الادارة الاميركية على تحقيق مشاريعها تبقى الكلمة الفصل للعراقيين انفسهم في تحديد خياراتهم ومستقبلهم السياسي والكياني، سيما وان ما يجري في العراق اليوم قد علّم العراقيين الكثير ما يجعلهم اكثر منعة لمواجهة ما يحاك ضدهم من مشاريع تبدو معسولة الظاهر ومسمومة الباطن.
ان قدر الكيانات العربية ان تظل اسيرة ما يخطط ويرسم لها في عواصم دول القرار في النظام العالمي القائم، كما يبدو ان قدر شعوب هذه الكيانات ستظل الجهة التي تدفع ثمن اخطاء لا علاقة لها بها، فهل ستصحو هذه الشعوب لتقرر مصيرها قبل فوات الاوان؟ ان حجم القرار الاميركي بتقسيم العراق هو اكبر من العراق نفسه، ومن هنا ثمة ضرورة ملحة لمواجهة هذا القرار قبل ان تمتد ايدي من صاغه الى غير منطقة عربية! د. خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية