رسول صداقة قديم اسمه 'طابع بريد'

بقلم: زياد العيساوي
هل نقول وداعا للطوابع؟

طابع بريد من فئة (مئة درهم)، ملصق على مظروف رسالة كرسوم لرسالة داخلية أو محلية بين مدن الجماهيرية، كان إيذاناً بقيام علاقة صداقة بين شخصين، توالت المراسلات بينهما، إلى أن توطدت عرى ووشائج هذه الصداقة، فأصبحت فيما بعد، علاقة أخوية بين شاب وفتاة، كان كل منهما ينشد ظهور الآخر في حياته، لا سيما أن الشاب ليست له أخت، والفتاة ليس لها أخ.
توطدت عرى ووشائج هذه العلاقة بينهما، بعد أن حافظا على مبادئ دينهما الإسلامي الحنيف، واحترم كل منهما تقاليد مجتمعه التي تضع محاذيراً على تلاقيهما، حيث إن هذين الشخصين لم يسبق لهما أن التقيا البتة، اللهم إلا من خلال تعابير ومعاني كلماتهما المنسوجة على أوراق رسائلهما، التي تفيض بمشاعر الأخوة، بواقع رسالة أسبوعية، يبعث بها كل منهما إلى الآخر بشكل دوري ومنتظم، فبهما فقط تتسنى لكليهما رؤية الآخر، ومن خلالهما أيضاً، يتبادلان الأفكار والآراء في شتى الأمور التي تهمهما، مكتفيين بهذه الوسيلة، ألا وهي المراسلة، ليحققا بها تلك الحكمة التي تقول "رب أخ لك لم تلده أمك".
ففي تلك الرسوم الرمزية لذلك الطابع البريدي، والتي لا تشكل شيئاً أمام ما تتيحه لنا من فرصة للتعارف والتواصل مع الآخر، تتجسد قيم إنسانية رائعة ومثل ومعان سامية بين هواة المراسلة، من تعارف ومد لجسور التواصل، فضلاً عن الصداقة والأخوة بين شعوب العالم قاطبة.
فهل أصبحت هواية المراسلة بواسطة البريد من الأشياء البالية في زماننا هذا؟
وهل اندثرت وتراجعت كاندثار وتراجع هوايات عديدة، كنا نمارسها وأصبحت نسياً منسياً، في زمن حداثة وتطور الاتصالات؟
ما دفعنا إلى طرح هذا السؤال بشقيه، هو أنني أذكر ذات مرة حين ذهابي إلى مكتب البريد، لأرى ما في صندوق البريد الخاص بي، من رسائل قد بعثتها إلى بعض الأصدقاء والصديقات، وإذا بمشهد غريب قد استرعى انتباهي، حينما رأيت بعض صناديق البريد الخاصة ببعض المشتركين قد اعتلاها الصدأ، والبعض الآخر منها، بدا لي مفتوحاً، وكأن أحداً ما قام بفتحه عنوة ولم يقم بإغلاقه، على الرغم من امتلائه بكم هائل من الرسائل المتنوعة الوجهات، التي بذل من قاموا بإرسالها جهدا كبيراً وتجشموا عناء كتابتها لتصل إلى أصحاب هذه الصناديق البريدية، الذين هجروها، بعد أن استلزم منهم تكوين هذه الصداقات مع من بعثوا إليهم بتلك الرسائل وقتاً طويلاً.
ومن ذلك المشهد الغريب الذي ذكرته، خطر ببالي تفسير لإهمال هذا البعض لرسائل أصدقائه، فربما وجد ضالته في تلك الوسائل الحديثة للاتصال، والتي تمكنه من فرصة التواصل مع الآخر، وعلى وجه السرعة، بشكل مرئي ومسموع.
ونحن إذ ندعو الجميع إلى الرجوع لممارسة هذه الهواية (المراسلة البريدية) نود أن نشير إلى أننا، لسنا من دعاة التخلف، بقدر ما نحن نحثهم على المضي قدماً في هذا الاتجاه مع الإبقاء على تلك الهواية وإحيائها من جديد، لما قد بيناه لهم من فوائد، تعود بها علينا من تواصل وتعارف مع الآخر، وكذلك لأنها تحافظ على مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف وتقاليد مجتمعنا، فبالمراسلات البريدية نتمكن من معرفة الآخر، من دون صوت أو صورة، بل بقراءة ما يكتبه إلينا من كلمات في معانيها وتعابيرها المنمقة والمنتقاة تعريفا بهذا الآخر، مقابل مبلغ رمزي في رسوم ذلك الطابع البريدي. زياد العيساوي ـ ليبيا ziad_z_73@yahoo.com