بعض المشاكل الاستدلالية للسينما التجريبية

بقلم: كولا ريكار. ترجمة: صلاح سرميني
فن تشكيلي؟ سينما؟

توضيح يهتمّ هذا النص، المكتوب بطريقةٍ معجمية، بدراسة بعض ˝المشاكل˝ المُتعلقة بـ˝السينما التجريبية˝، وهي بالتحديد، نظريةٌ، دلاليةٌ، أو تاريخية، ويرغب بمناقشتها من بعيد، وذلك بعودةٍ زمانية من خلال حصيلة التجربة التاريخية، ومسافة في المكان، لأنّني أسكن في إحدى المناطق الفرنسية بعيداًُ عن العاصمة، وهذا يعني بأنني معزولٌ نسبياً عن المشهد التجريبي الباريسي.
تعتمد محاولة قراءة المشهد العامّ هذه، في جزءٍ كبير منها، على سلسلة اللقاءات التي أجريتها خلال العاميّن 98/99، وكان يتحتم عليّ الانتظار أربع سنواتٍ كي أجد مسافةً كافية، لإمكانية بداية تحليلها، وهي على الرغم مما ينقصها، تُشكل ˝صورةً لحظيةً للمشهد السينمائي التجريبي˝ لهذه الحقبة، ويمكن اعتبارها نقطةً مفصليةً من تاريخ السينما التجريبية في فرنسا.
في تلك الفترة، نشأت جمعيات جديدة، بينما عادت أخرى إلى مقدمة المشهد، وربما ساهم اتحاد القوى السابقة فيما يُشكل اليوم شبكةً حقيقية.
من المؤكد، بأنّ هذا النصّ ذاتيّ، ولن يكون حصرياً، ولا نهائياً، وهو يتحدث قليلاً عن السينمائييّن، وأقلّ عن الأفلام، ولكنه يهتم بالاتجاهات، والحركات، وجزئياً بالبُنى المُؤسّساتية.
إنه يتضمن، وبهدفٍ تحليليّ، عكسٌ، بلا قيّدٍ أو شرط، لدرجة الأهمية ˝كما يتحتمّ عليها أن تكون˝: الأفلام قبل كلّ شيء ، ومن ثمّ السينمائيين، وفقط، بعد البُنى، تأتي الحركات، والاتجاهات. مصطلح ˝سينما تجريبية˝ لم يظهر مصطلح ˝سينما تجريبية˝ منذ بدايتها، وهو يجمع اقتراباتٍ، وممارساتٍ، وجمالياتٍ مختلفة كثيراً.
وعبر التاريخ، اُقترحت مصطلحات للإشارة إلى أشكال هذه السينما، بينما تُشير ˝أو أشارت˝ مصطلحات أخرى إلى عينة تاريخيةّ، موضوعاتية، أو منهجية.
ولا يحظى المُصطلح على إجماعٍ مطلقٍ حوله.
ـ بالنسبة للكثيرين، ˝وبشكل خاصّ الجمهور العريض˝، يُحيل إلى فكرة التجريب الخالص، العلميّ، المجانيّ، الغير مكتمل...،
وإذا كان ممكناً إدراج هذا التجريب، العلميّ، المجانيّ، الغير مكتمل في ˝السينما التجريبية˝، فإنها لن تتمكن من تصنيفه بشكل كاملٍ، وحصريّ.
ـ بالنسبة لآخرين، يُحيل بشكلٍ كبير إلى المرجع الجماليّ، وبشكلٍ أقلّ إلى ممارساته ˝الحِرَفية، والهامشية،....˝، واقتصادياته˝الجمعيات، والتعاونيات،...˝، ما يمكن أن يقلصه إلى ˝نوعٍ˝ جمالي.
وبالمعنى الدلاليّ، يمكن أن يُحيل مصطلح ˝تجريبي˝ إلى مرجع المُمارسة، ولكن نعود في هذه الحالة إلى المشكلة السابقة.
ـ وبالنسبة لآخرين أيضاً، فهم يميلون إلى حجب السينما التي يشير إليها، وعليها إذاً بأن تُهمل.
وبمُقتضى فهم هذه السينما، فإنّ كل واحدٍ ميال لتفضيل هذا المُصطلح، أو ذاك، وبشكل عام، أكثر اتساعاً:
*˝سينما˝ (والتي تتضمّن أيضاً السينما التجارية).
*˝فن الحركة˝ (والتي يمكن أن تتضمّن أيضاً الفنّ المُعاصر، فنون الفيديو، التقنيات الجديدة)، إلخ...
وفي هذا النصّ، فإنني أستخدم مصطلح ˝سينما تجريبية˝ لعدم توافر الأفضل.
عموماً، تمتلك النصوص التي تعالج تنوّع السينما التجريبية نزعة خلط كلّ شيء: مصطلحات تاريخية، موضوعاتية، منهجية، وهي تتوافق مع حقولٍ معجمية، ومستوياتٍ دراسية مختلفة.
ويحدث نفس الأمر في السينما التقليدية التي تخلط نموذج الحكايات ˝روائي، تسجيلي˝، والتقنيات˝ تحريك˝.
وعلى سبيل المثال، فإنه من غير الممكن بأن نضع في مستوى واحد الـFound footage (1) والذي ينطلق من منهج عمل، والسينما الجسدية والتي تنطلق من موضوعة/فكرة.
ويبدو اليوم، بأنه من الضروري، وبإلحاحٍ شديد، إنشاء تصنيفيةٍ للسينما التجريبية لتوضيح كلّ هذا، ويتحتمّ عليها ترتيب المُمارسات ˝التجريبية˝.
وأيضاً، إمكانية الاندماج في تصنيفيةٍ أكثر اتساعاً، أكان ذلك في السينما بشكل عام، أو في الفنون التشكيلية.
لأنه، وكيفما نقول، سوف يكون من الضروري دائماً تسمية، وترتيب الأشياء، وإذا كان بمقدور السينمائي التخلي عنها تماماً، فإنها حتماً ضرورية للناقد، والمؤرخ، والباحث.
ومن المهم أيضاً كتابة ˝بدءاً من السينما التجريبية كنقطة انطلاق˝ كتاب حول عموم السينما، حيث تندمج السينما الحكائية فيه كحالةٍ خاصة.
وفي الحقيقة، من المفيد عمل كتابين:
* واحدٌ نظريّ ˝واحتمالياً تاريخي˝ حول التحليل السينمائي، وماهية السينما.
* وآخرٌ عمليّ حول التقنيات السينمائية. حقل التجريب هل يتحتمّ على التجريب بأن يكون مفتوحاً، أم مغلقاً؟
هل يتوجب أن نُدرج في ˝السينما التجريبية˝:
ـ ممارساتٍ من نوع التجريب ˝العلميّ، أو تجارب ما قبل السينما..˝؟
ـ سينما حِرَفية، مثل السينما الهاوية، أو العائلية؟
ـ أفلاماً تمّ تصوّرها، وتصنيعها في إطار الدورة التجارية، والصناعية، وأثبتت إبداعيةً ما؟ ـ ـ أفلاماً تنتهج اقتراباً ما، أو تستخدم سياقاتٍ خاصة بالسينما التجريبية.
ـ سينما هامشية˝نضالية˝ تستخدم شكلاً كلاسيكياً.
ـ ممارساتٍ قريبة في روحها من السينما التجريبية، ولكنها لا تتعامل مع نفس الوسيط: الفيديو آرت، والتقنيات الجديدة...
وبدون تصنيفٍ محدد، فإنه من المستحيل الإجابة بدقةٍ، وكفاءةٍ عن هذه الأسئلة، إذاً، هنا أيضاً، يمتلك كلّ واحدٍ، وبمقتضى فهمه، رؤيته الخاصة عن هذا الموضوع. تعريف المُصطلح شيء، والتعريف شيءٌ آخر.
يمكن ˝محاولة˝ تعريف سينما ˝الفنّ، والتجربة˝، الموسيقى ˝الكلاسيكية˝، أو الفن ˝المُعاصر˝، على الرغم من أن أياً من هذه المصطلحات متوافقة بالمعنى المُعجميّ.
يمكن أن نجد هذا المصطلح أقلّ، أو أكثر توافقاً، ولكن، في جميع الأحوال، هذا لا يعفينا من تقديم تصنيف.
وبالمُناسبة، يجدر الإشارة بأن سهولة تصنيف السينما التقليدية، يظهر بوضوحٍ بأنها محدودة في شكلها، كما في محتواها.
تُصنف السينما ˝التجريبية˝ غالباً بالرفض، يجب القول بأن السينما التقليدية مختزلة بشكل كبير، بحيث يصبح من الصعب تحديد، وتصنيف السينما التجريبية بالعلاقة معها بطريقة أخرى غير اعتبار السينما الكلاسيكية حالةً خاصةً من السينما بالمعنى العام للكلمة.
هناك في ˝التجريب˝ تيارات تتعارض، أو بالأحرى لا شيء يوحدها إلاَ هامشيتها، ومن جهةٍ أخرى، تعارضت هذه التيارات خلال تاريخها، وتخاصمت، ولكن، وحدّتها دائماً هامشيتها.
وكي تتمكن أخيراً من امتلاك استقلاليتها الذاتية الخاصة، يتحتم إعادة النظر في تاريخ السينما، وموقعها.
لقد خلق الاقتصاد، والصناعة سينماهما، ولكن الفنّ لم يصنع غير الاقتصاد، والصناعة، وإذا كنا نريد الاعتراف بالسينما كفن، يجب إعادة التفكير بالسينما كلها، وإدراج سينما الحكاية كحالةٍ خاصة من هذا الفنّ السينمائي العام، وهي مهمةٌ تنتظر من ينجزها.
وبالانتظار، يمكن المحاولة مؤقتاً تصنيف السينما ˝التجريبية˝، ˝بشرط الاحتفاظ في أذهاننا بأنها تجاوز من اللغة، الكتابة، أو التفكير˝، ولنعتبر هذا التصنيف حيلةً نظريةً، منهجيةً، لعدم توافر الأفضل.
من الممكن التقاط بعض الخصائص، وهي بدون أن تكون حصريةً، أو معجمية، توحد الكثير من هذه الأفلام الهامشية.
وكي نصنفها بشكل مغاير غير فكرة الرفض، يمكن القول، بأنها في حالة بحثٍ عن لغةٍ سينمائية خاصة، فنٌ لا ينفصل عن وسيلة تعبيره، ويمنح نفسه الإمكانيات لطموحه.
* الإمكانيات الجمالية:
- توسيع نمطيات السينما التجارية، التعسفية جداً، والمحدودة جداً ˝النوع، المدة الزمنية، الشريط الخام،....˝ إلى كلّ الحقول المُمكنة لفنّ السينما، حيث ينتظم كلّ فيلم وُفق منطق خاصّ به.
ـ سردٌ معقد، متشظي، متهدّمٌ، أو غير موجود.
- يُنفذ التصوّر بشكل عام خلال مراحل إنجاز الفيلم نفسه: تجريب، وأفكار، بحيث لا ينفصل التصوير، والكتابة السينمائية عن بعضهما.
* وسائل الإنتاج:
- الفيلم قبل كلّ شيء شخصيّ: يُسيطر السينمائي على عموم خطوات إنجاز الفيلم، وينجزها عادةً بنفسه ˝تصوير، صوت، تحميض، مونتاج،..˝ إنها سينما سينمائيّ ˝بالتناقض مع سينما المؤلف، أو المخرج˝.
- تعتمد على إنتاجِ ذاتيٍّ، وميزانيةِ قليلة.
- يتمّ التوزيع، والعرض عن طريق بُنى موازية ˝تعاونيات..˝.
السينما التي يُقال عنها ˝سينما المؤلف˝، أو˝فنّ، وتجربة˝ تحافظ مسبقاً على مسافةٍ مع الخصائص المعيارية للسينما التقليدية، ولكن، بارتباطها بنظام الإنتاج/ التوزيع/ والعرض التجارية، فإنها تجد صعوبةً بالابتعاد كثيراً عن النمطي ّ. ما هي السينما؟ تعريف السينما التجريبية، أو رغبة إعادة النظر بالسينما في عموميتها، يتطلب أولاً تعريف السينما نفسها.
إن أبسط تعريفٍ للسينما يحيل إلى الوسيط المُستخدم، السينما إذاً هي كل ما يُنجز عن طريق الفيلم الخام، ومن ثمّ يمكن الاستعارة من ˝دومنيك نوغيز˝:
˝العرض على شاشةٍ، أمام جمهورٍ جالس، لصورة مستحدثة عن طريق دوران شريط الفيلم في جهاز عرض˝ ـ من كتاب احتفاء بالسينما التجريبية ـ
ولكنّ هذا التعريف لا يُفسر معنى السينما نفسها، وأقلّ فيما يتعلق بالسينما التجريبية، ولكن تعريفاً تبسيطياً كهذا يفيد بشكل أفضل فهم ˝السينما على اتساعها˝.
لتعريف السينما بمعناها الواسع، يجب الاعتماد على عدة مكونات، ثلاثة، أو أربعة تكفي، على سبيل المثال:
1- وسيطها: الشريط الحساس˝أو الضوء˝.
2- ميكانيكيتها: آلةٌ تخلق حركة/جهاز العرض.
3- مكوناتها: صورة، وصوت.
4- إظهارها: العرض.
وهي أساس اللغة السينمائية.
بلا شك، يجب إعادة النظر يوما في هذا التعريف، واللغة السائدة التي تُسميّ ˝سينما˝ الصالة التي نعرض فيها الأفلام، فإن كل ما يُعرض مرشح بأن يُسمى سينما، إذاً، ربما يختفي يوماً المُكون الأول، والثاني. سينما تجريبية جسديّة/ بنائيةّ بتبسيطٍ شديد، يمكن ملاحظة اتجاهين أساسييّن في تاريخ السينما التجريبية، ومنح أسماء لهما يتضمن خطورةً، وهما لا يفيا بالغرض.
ومع ذلك، سوف أحاول، وكي أبدأ، يمكن الحديث عن سينما يغلب عليها الطابع ˝الجسديّ˝، وأخرى أكثر ˝بنائيةً˝ من الأولى.
تتضمن السينما ˝الجسدية˝ كلّ الاتجاه الجسديّ لسنوات السبعينيات، سينما الـ"أنا"˝المُذكرات المُؤفلمة، الأفلام النضالية،...˝، سينما الأندر غراوند، السينما المادية، وكل ما ينطلق من سينما ˝شخصية˝.
وتتضمن السينما ˝البنائية˝ طلائع العشرينيات، كلّ السينما البنائية لسنوات الستينيات، الاقترابات الأخرى التسلسلية، أو أفلام الحد الأدنى، الحروفية، السينما الإدراكية/الذهنية، أو تلك التي تحقق في وسيطها، وكل الأفلام المُعتمدة بالأحرى على الـ˝شكلانية˝.
بديهيٌّ، بأن عدداً من السينمائيين يستطيعون من فيلم إلى آخر، أو في نفس الفيلم، تجسيد تلك الاقترابات المختلفة.
فيما يتعلق بفرنسا، وبشكل عام، يمكن القول، بأن التعاونيتين اللتان تأسّستا في السبعينيات تختلفا عن بعضهما بمُقتضى هذين الاتجاهين:
* جماعة سينما شابة Collectif Jeune Cinéma ˝1971˝ تحت اسم "سينما مختلفة"، هي قريبةُ من سينما ˝جسدية˝ يمكن أن تتضمن سينما قادمة من الأدب.
* تعاونية باريس للفيلم Paris Film Coop ˝1974˝، وهي قريبةٌ من سينما ˝بنائية˝، يمكن أن تتضمن سينما علمية، وتحريكية. سينما تجريبية ناطقة بالفرنسية/ بالإنكليزية/ دولية انطلاقاً من جوهرها، فإن السينما التجريبية عالمية، ولأنها في معظم الأحيان نحيفة حكائياً، وقليلة الحوار، فهي سهلة الوصول، ومفهومة من الجميع، مهما تكن لغتهم الأم.
وقد سمحت هذه الخاصية بإزالة الحدود، كما يمكن الإشارة إلى عنصر آخر، بأن الأقلية، والهامشية تولدان حالةً من التضامن، والتبادل فيما بينها.
فيما يخصّ التجريب، من العسير الحديث عن سينما وطنية˝مهما كان البلد˝، وذلك لأن التبادلات، والتحويلات فيما بينها كانت ˝ومازالت˝ قوية جداً.
كانت باريس بشكل خاص، وفرنسا بشكل عام˝في العشرينيات خاصةً˝، وبالمعنى الفنيّ، عالمية، وذلك لاستقبالها شخصياتٍ من كلّ البلدان.
ولكن، هناك بعض الأفلام، أو السينمائيين، يستخدمون الكلمة، أو النصّ، أيّ لغةً محددة، من جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة، وفرنسا، تاريخياً، وانطلاقاً من عدد الأفلام المُنجزة فيهما، يعتبرا، في الحقيقة، قطبا الإبداع الأكثر أهميةً فيما يتعلق بالسينما التجريبية، وبالإمكان إذاً، ومن منطلق معين، الإشارة إلى اتجاهين، ولغتين أساسيتين، الأفلام الناطقة بالفرنسية، وتلك الناطقة بالإنكليزية.
وبسبب عدم إمكانية الترجمة على الشريط نفسه، يمكن أن يكون هذان الحقلان منفصلان جزئياً، عندما يتعلق ذلك بأفلام تستخدم النصّ، أو الكلمة، وفي الحالات الأخرى، فإن هذا الانفصال نحيف جداً اليوم.
في الثمانينيات، حدثت في فرنسا تغييرات انتقالية، حيث ظهرت في عام 1981تعاونية جديدة ˝المخروط الضوئي/Light Cone˝، وفي عام 1983توقف ˝المهرجان الدولي للسينما الشابة˝ والذي كان ينعقد في مدينة إيير جنوب فرنسا، وكان المُحرك الرئيسي لـ˝جماعة سينما شابة˝، التي سلّمت في عام 1989 مقتنياتها من الأفلام إلى ˝المخروط الضوئي˝.
وقد شاركت هذه التعاونية الجديدة بالتأسيس في فرنسا ˝أكثر من السابق˝ للسينما التجريبية الناطقة باللغة الإنكليزية، وذلك أملاً بأن يتحقق هذا الأمر، وبحجم مماثل، في الولايات المتحدة فيما يتعلق بالسينما التجريبية الناطقة باللغة الفرنسية . فنٌّ تشكيليّ، أم سينما؟ يبدو بأن ازدواجية ˝فنّ، أو سينما˝ موجودة دائماً في السينما التجريبية، في العشرينيات، أو الخمسينيات، ارتبطت ممارسة السينما التجريبية في أوروبا بقوة بالفنون التشكيلية، والسينما بآنٍ واحد، في الستينيات/السبعينيات، اقتربت السينما التجريبية في فرنسا من السينما أكثر، بينما في الولايات المتحدة، توضحت العلاقة أكثر مع الفنون التشكيلية.
ويبدو اليوم، أكثر فأكثر، بأنه من المستحيل تحجيم، أو تجاهل أحد هذين الجانبين، وهذه الإزدواجية، بدون شك، واحدة من الأسباب التي تمنع السينما التقليدية، أو الفنون التشكيلية من الاستحواذ على˝السينما التجريبية˝، فهي تتموقع تقريباً بحكم الأمرٍّ الواقع كحقلٍ ثالث وسيط بينهما.
اليوم، من العبث الإدعاء بأن السينما التجريبية تخصّ الفنون التشكيلية حصرياً، وبالمُقابل، من العبث أيضاً الإدعاء بأن السينما التجريبية تخصّ السينما حصرياً.
خصوصيتها بأن تتموقع بين هذين الحقلين.
في فرنسا، سنوات الثمانينيات، دافعت جمعية ˝المخروط الضوئي/Light Cone˝ ˝والتي تأسست في عام1981˝ عن فكرة سينما تجريبية كممارسة فنية، أكثر من كونها سينمائية.
الاسم نفسه الذي اختارته ˝المخروط الضوئي/Light Cone˝، وعلى عكس التعاونيات الأخرى˝تجمع سينما شابة/Collectif Jeune Cinéma، وتعاونية باريس للفيلم/Cinédoc/Paris-Film-Coop˝ لا يشير مباشرةً إلى مرجعية سينمائية، ولكن، إلى ˝فنّ الضوء˝.
بينما تدافع السينماتيك الفرنسية، أو أيّ سينماتيك أخرى، وبشكل طبيعي، عن السينما التجريبية من وجهة سينمائية في عموميتها.
كما اختار مركز جورج بومبيدو، ومتحف الفن الحديث الإشارة إلى البعد الفني للسينما التجريبية، ويستخدما مصطلح ˝فنّ الحركة˝ للإشارة إلى مقتنياتهما من الأفلام، وفي نفس الاتجاه، يستخدم ˝أرشيف الفيلم التجريبي˝ في أفينيون تعبير ˝الصورة في حالة حركة˝. سينما / فيديو/ رقميّ يعود الصراع بين السينما، والفيديو إلى زمنٍ طويل، هل يتوجب علينا منح أهمية أكثر
للوسيط ˝الشريط الحساس للصورة، أو الشريط المغناطيسي للصوت˝، أم إلى طريقة
العرض ˝صالة، أو شاشة صغيرة˝ كي نحدد ما هو سينما، أم لا؟
بالنسبة للسينما التجريبية، بالتأكيد، يعتبر الوسيط أكثر أهميةً مما هو عليه في السينما التقليدية، لأنه يمكن أن يكون ذاته موضوع العمل، وأكثر من ذلك، في علاقتها مع الفنون التشكيلية، فإن السينما التجريبية لا تستطيع إلاّ أن تمنح مكانةً مهمةً للوسيط، وهذا يعني، يعتمد ذلك أيضاً، فيما لو منحنا أهميةً أكبر لمُصطلح سينما ˝إذاً الوسيط˝، أو إلى مصطلح التجريبي˝إذاً إلى ممارسة تجريبية بإمكانها أن تكون متعددة الوسائط، أو متعددة الأنظمة، والفروع˝.
تهجين الوسائط، والذي أصبح اليوم عملةً رائجة، يجعل مهمة تحديد هوية المواد المستخدمة صعبة،..
وإذا افترضنا اختفاء السينما المُنجزة بالشريط الخام من الصالات التجارية، فإن معطى آخر سوف يكون بلا شك مجدياً للعمل به.
ربما تبقى السينما التجريبية ˝والتي تصنف من بين تصنيفاتها عن طريق وسيطها˝ الوحيدة التي تستخدم الشريط الحساس، بينما تصبح السينما التجارية كلها رقمية.
أو تندمج السينما التجريبية، وفن الفيديو في ˝فنّ الحركة˝، ˝فنّ الضوء، والصوت˝، أو أيّ شئ آخر.
ماذا يمكن أن يحدث للسينما التجريبية، فيما لو توقفت الصناعة عن إنتاج الشرائط الحساسة؟
في فرنسا، فإن جمعية A.S.T.A.R.T.I التي تكونت في عام 1985 هي واحدة من عالم السينما التجريبية، ومن الأوائل التي وافقت بأن تنفتح على الفيديو، والفنون الرقمية. سينما تجريبية مؤسّساتية/ سينما تجريبية هامشية السينما التجريبية بطبيعتها هامشية، ومن المؤكد، بأن مستواها النوعي لا يتناسب طرداً مع علاقتها بالمؤسّسات، والمساعدات المُخصصة لها.
ولكن، تجد نفسها الفن التجريبي الوحيد الذي يعاني من الاعتراف، وذلك لأنّ كل ما هو معاصرٌ في الفن، الموسيقى، الرقص، أو المسرح....، ليس له معادل في السينما، سينما "الفن، والتجربة"، بكلاسيكيتها الصاعقة، لا تدعي فنياً بأنها في مستوى المجالات الفنية الأخرى.
حتى وقتٍ قريب جداً، بقيت السينما التجريبية بشكل غريب غائبة عن "تاريخ السينما"، التاريخ الرسمي طبعاً، كما يعرضه نقاد السينما في الكتب، المجلات، الموسوعات، والأفلام التسجيلية، وقد تغير ذلك قليلاً، ولكن بقي محدوداً بشكل كبير بالعلاقة مع تنوع السينما "التجريبية".
تتحدد الأولوية إذاً، بالعمل على الاعتراف بهذه السينما، من أجل قيمتها، وعلاقاتها، أكان ذلك مع تاريخ السينما، أو تاريخ الفن.
العمل من خلال مؤسّسات، أو الدعم المالي المُخصص لها، هي مسألةٌ اختيارية، وفي نفس الوقت، يجب أن تأتي من ذاتها عندما يحدث هذا الاعتراف الذي سوف يسمح، احتماليا، بإنقاذ ميراث في حالة خطر.
بالتأكيد، ومهما كانت الأهمية في التحول إلى مؤسسات محتملة، فإن هامشيةً مناضلةً سوف تبقى دائماً ضرورية بشكل مطلق، وهي على أي حال لا مفرّ منها، وغير قابلة للضبط.
ودائماً، مهما تحولت إلى عمل مؤسّساتيّ، يجب أن تحسب حساب خصوصية التجريب، وبشكل خاص فيما يتعلق بهجينيتها بين الفنّ، والسينما.
يجب أن تعترف السينما التقليدية بالسينما التجريبية كسينما قائمة بذاتها، ولكن، عليها بأن تدعها متواجدةً كفنّ مستقل، ونفس الشيء فيما يتعلق بالفنون التشكيلية. نضاليّ/ شكل/ محتوى في مقاربةٍ أولية، يمكن التأكيد بأن الشكل يجب أن يكون دائماً في تطابقٍ مع مضمونه، ويبدو جوهرياً بالنسبة لفيلم نضاليّ، بأن يكون نضالياً، أكان ذلك في شكله، أو محتواه، لا يمكن أن نمتلك مضموناً نضالياً حقيقياً، أو بديلاً مع الشكل المُعتاد في السينما السائدة.
ولكن، هل يجب أن نختتم، بأن الفيلم يفيد أكثر من اللقاء الذي يُحدثه؟
تمتلك أيّ "تظاهرة"، أو "حركة اجتماعية"، أدواراً متعددة:
ـ تناضل ضدّ شيء محدد ˝مطالبات˝.
ـ تؤسّس بنفسها شكلاً من الإجابة ضدّ النظام الذي تنتقده.
وبمعنى آخر، كي نعود إلى السينما، يتوجب عليها، بدون شك، بأن تجد شكلاً نضالياً من أجل خطابٍ نضاليّ، وعلى كلّ المستويات: ليس فقط فيما يتعلق بالفيلم، ولكن أيضاً بالعرض، واللقاء مع الجمهور.
ولهذا السبب، فإنه من الصعب جداً التأكيد بأن الفيلم يفيد أكثر من اللقاء الذي يُحدثه؟
وبهذا المعنى، يجب التفكير بأشكالٍ جديدة لعرض السينما النضالية بالتحديد. خصوصية السينما التجريبية السينما التجريبية ليست محكومة أزلياً بالخصوصية، وهذا يعني، بدون اتهامي بالخصوصية، لنا الحق بأن نفضل:
ـ عروضاً مع القليل من المتفرجين (وذلك من أجل علاقة أكثر إنسانيةً، وحميميةً مع الجمهور).
ـ متفرجاً واحداً مفتوناً بالفيلم، أفضل من ألفٍ يجدون الفيلم ممتعاً، مرضياً، مستحباً، بمعنى أخر، نفضل كثافة الاستقبال، وحدّته عن كثرة عدد المتفرجين الراضين.. نوع / نموذج/ صنف تستخدم السينما السائدة ـ عادةً ـ مصطلحات لغوية أدبية لتصنيف أفلامها، والتيمات التي يمكن استخراجها منها قريبةٌ من التيمات الأدبية (مغامرات، كوميديا، خيال علمي، تاريخي، حرب،..) مع بعض التيمات السينمائية (سينما الطريق، كوميديا موسيقية،..).
هناك تصنيفات أخرى تستخدمها السينما السائدة، هي المدة الزمنية للفيلم (أو الطول: طويل، متوسط، قصير)، وبلد الإنتاج، وتُستخدم لضرورة تجارية بحتة.
بينما تستخدم السينما التجريبية اصطلاحات تتعلق بحقل تاريخ الفن.
أخيراً، تصنيف آخر ˝يخلط بين التقنيات، نمط الحكاية˝ مُستخدم في السينما السائدة، وهو الثلاثي ˝روائي، تسجيلي، تحريكي˝، وفي بعض الأحيان يُضاف إليها تصنيفاً رابعاً، الفيلم القصير، أو التجريبي، في خلط دلاليّ مطلق.
وإذا فضلنا تصنيف السينما عن طريق "النوع"، يمكن أن نتخيل طرائق مختلفة لإنجاز ذلك:
* بالعلاقة مع ما يقدمه الفيلم: روائي، تجربة، تسجيلي، ريبورتاج، "تجريبي" بالمعنى الجمالي للمُصطلح.
* بالعلاقة مع من يُنجزه، ويصنعه: تقنيون/˝تجاري˝، مؤلف/أو مخرج، تجريبي/أو سينمائي، هاوي.
* بالعلاقة مع شكل التعبير: حكائيّ ˝روائي، تسجيليّ˝، غير حكائيّ ˝تجريبي˝.
* بالعلاقة مع اعتبارات اجتماعية/ ثقافية: رسمي، هامشي/ بديل، نضالي.
* بالعلاقة مع اعتبارات اقتصادية: تجاري، جمعياتي/تعاونياتي.
* بالعلاقة مع شكل التصنيع: صناعي، حِرَفي.
* بالعلاقة مع المدة الزمنية، طوله: طويل، متوسط، قصير
* إلخ......
ومهما يكن، تعاني السينما التجريبية من الدخول في إحدى الخانات، وبالأحرى في تلك التي نريد أن ندخلها فيها، وهي اليوم، قبل كل شيء، ممارسة، وجماليات، كما أنها عالمية، تخصّ مجال السينما، كما الفنون التشكيلية، ولهذا السبب، لم تهضمها السينما التجارية، أو الصناعية، ولم تتمكن من تقليصها إلى مجرد ˝نوع˝.

هامش: (1) found footage تعني ترجمتها الحرفية أمتار شرائط سينمائية مُهملة، ويبحث عنها بعض السينمائيين، ويجمعونها بهدف إنجاز أفلام أخرى منها˝المُترجم˝. كولا ريكار: عادةً، ينفي كولا ريكار (تواضعاً) بأنه مؤرخٌ، أو ناقدٌ سينمائي، أو أستاذٌ جامعيّ، إلاّ أنه يُعتبر واحداً من أبرز النقاد الفرنسيين الشباب المُتخصصين بالكتابة عن السينما التجريبية، وقد كتب هذا النص في فبراير من عام 2003 (المُترجم). ترجمة: صلاح سرميني – باريس