القراقوز يجد حيلا دائمة للخروج من المشاكل

بقلم: السيد نجم
من فنون الشرق

يقول الدكتور إبراهيم حماد أستاذ الدراما المسرحية، إن الفنون العروسية الثلاثة (الدمية - القراقوز - خيال الظل) وثيقة القربى بعضها ببعض، وخيال الظل تحديدًا من الناحية اللغوية هو مصطلح عربي شائع اتخذ معناه المستقل وانصهر في ضمير الشعب وحياته التعبيرية اليومية حتى اكتسب دلالة خاصة.
يعتبر "ابن دانيال" هو أول من مارس فن "خيال الظل" في العالم العربى. وبالعموم هذا الفن من فنون الشرق، ووجد في أندونسيا والصين والهند (في تاريخ سابق على ممارسة هذا الفن في العالم العربى).
إذن خيال الظل نشأ في حضارات غير عربية، إلا أنه وبمرور الزمن أصبح فناً عربيا شعبياً، واتسمت شخصياته وحكاياته ووسائله الفنية بالتزام أخلاقيات الطابع النقدي للمجتمع العربي القديم إلا أنه يعد أحيانا خروجا عنها.
معرفة أشكال خيال الظل في بعض مواطنه وجذوره القديمة وخاصة في إندونسيا، وبالرغم من تشابهها، إلا إننا يمكن ملاحظة بعض الاختلافات. ولهذا فإن أكثر الدمى انتشارا هي الدمى الملونة المرسومة على الجلد الرقيق والتي تكون عادة متصلة بخشبه رقيقة تساعد اللاعب على تحريكها عندما يقوم بضغطها على شاشة بيضاء مضاءة من الخلف، يصاحبها الحوار والغناء والموسيقى.
وهنالك نوع آخر تستخدم فيه دمية مجسدة ومتكاملة وغير مرسومة، ومن أجل السيطرة على تحريكها فإن اللاعب يجلس على الأرض خلف الشاشة المضاءة. ويمارس هذا النوع بشكل كبير في إندنوسيا وآسيا الصغرى.
أما النوع الثالث فيعتمد على دمية كبيرة الحجم مصنوعة من الجلد وتكون عادة بحجم الإنسان وهي مرتبطة بقطعة خشب سميكة ويقوم بحملها وتحريكها أكثر من لاعب، ويتحتم عليهم تقريبها جداً من الشاشة التي يكون ارتفاعها 2 م، مما يدفعهم إلى الجلوس تحت الشاشة وليس خلفها، حتى يتمكنوا من سرد الحكاية التي تقوم الدمية بأدائها أمام جمهورها المندهش بهذه المخلوقات الغريبة والجميلة التي تتحرك أمامه على شاشة الأحلام هذه، فتغزو خياله الذي لا يتوقف عند حدود الواقع، لينكشف أمامه عالم إسطوري وعجائبي غريب.
ويبدأ عرض خيال الظل عادة بتمهيد للحكاية (بابه أو لعبة) ثم ينقطع لجمع النقود من الجمهور الصاخب والمندهش، ومن ثم تركيز انتباهه إلى حدث أو جملة ما، ويقوم بهذا لاعب ماهر يدعى المُقدِم.
وهنالك لاعب آخر يقوم بدور المهرج ويدعى الرخم. وتقوم الشخصية بتقديم نفسها إلى الجمهور وتعريفه بدورها ومهمتها المسرحية بحيث لا يتم التقمص الكامل لسلوكها أو الاندماج في فعلها كما هو الحال في المسرح التقليدي، ولهذا فإن عروض مسرح خيال الظل تعتمد على علاقة مع الجمهور.
فالممثل، محرك الدمى، غالبا ما يقوم بالخروج عن الحدث ودوره وتغريب سلوك الشخصية وفعلها وكذلك سلوك الدمية. أما الرئيس أو المعلم فهو الذي يأخذ دور المخرج فينظم حركة الشخصيات ويربط بين سياق الأحداث ويهتم بالجوانب التقنية والأدبية.
إن الأحداث وطبيعة الشخصيات المستقاة من التاريخ، تتطلب مهارة فائقة من محركي دمى خيال الظل من أجل أن يتناسب مع دور الشخصيات وسير الأحداث، ولاعب خيال الظل يجب أن يكون "قادرا على تقليد أصوات الطفل والشيخ والرجل والمرأة، ومجيد لعدة لهجات، كما يعكس بصوته مختلف المؤثرات الصوتية.
ويجب أن يتمتع بحس موسيقي نامٍ وأن يجيد الغناء والعزف على العود ويكون عارفا بالعادات والتقاليد الشعبية. ولعرض خيال الظل ميزة التواصل الحميمي مع الجمهور، إذ يعكس مشاكلهم، ويضع لها الحلول حسب إمكانية اللاعب."،
وبهذا فإنه يجب أن يتميز بكونه أكثر من ممثل أو محرك دمى. المشاكل الأثيرة لعروض خيال الظل اعتمد مسرح خيال الظل على الكوميديا والنقد الاجتماعي من خلال استخدام الإيماءة والشعر والنثر والغناء والموسيقى، ولهذا فإن معرفة تكنيك خيال الظل يدفعنا للإطلاع على طبيعة الموضوعات التي يعالجها، فبعضها ارتبط بالشعائر الدينية والمناسبات الاجتماعية.
وبعض البابات (النصوص أو عروض خيال الظل) تناولت بيئة ما بكل تناقضاتها، وهذا واضح من خلال دراسة بابات طبيب العيون العراقي شمس الدين بن دانيال (الذي يعتبر أقدم مخايل عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، عراقي المولد من الموصل ونزح من العراق إلى القاهرة أثناء غزو التتار، ومات هناك عام 1211 ويعتبر أول مؤسس لما عرف بعد ذلك بمسرح "خيال الظل" وقد وصلتنا من نصوصه الكثيرة ثلاث بابات فقط).
هناك دراسات أن الطبيب الفنان "ابن دانيال" نقل أساسيات الفن من الهند أو من بلاد الصين. وعندما مارس الفن فى بلاده (العراق)، اتسمت الأعمال المعروضة، بالإضافة إلى كل الخصائص الجمالية وعناصر التسلية الواجبة، بالنقد اللاذع، الذى غالبا ما يثير الضحك والشفقة على الهدف المعني. خصوصا أن فترة ظهور "خيال الظل" كانت فترة الانهيار الاجتماعي والاقتصادي للدولة العباسية. وقد قضى عليها تماما الغزو التتاري.
حيث نرى دائما أن العرض يبدأ بأغنية تعليمية للجمهور، إضافة إلى شرح الأحداث وموضوع المسرحية كما في بابات ابن دانيال، لعل أشهرها بابة "عجيب وغريب" التي اتسمت بالنقد الاجتماعي، وقد أخذ المؤلف شخصياته من الواقع والأسواق والحارات الشعبية، بحيث يتحول المكان إلى مسرح تتصارع فيه هذه الشخصيات مع أقدارها.
كما كتب بابة "طيف الخيال" و"المُتَيَمْ". وقد اتسم أسلوبه فيها بالهجاء والنقد الذي يثير الضحك والسخرية أيضا، واعتمد الغناء والموسيقى للتأثير على الجمهور وكذلك المزج بين الشعر والنثر العامي والفصيح، وهذا واضح من موضوعات شعره. منع الخيال العربي ومع دوام الفن، وقد تبناه الفنان الشعبي العربي، وأصبح متاحا في الأسواق، وفي الحارات، بل هو فن التجمعات الشعبية، وليست القصور والضياع، انعكس ذلك بشكل محدد في الموضوعات التي يطرحها العرض، من خلال اختيار الشخصيات ذات المقام العالي، ونقدها نقدا لاذعا، لا يقل عن إضحاك الصغار والكبار عليها. وهو دور القراقوز أو الأراكوز الذي أصبح شخصية دالة على التهريج والانفلات.
ربما بعد "ابن دانيال" يصعب القول بأن هناك النصوص أو العروض التي تم إنتاجها بشكل فني، كما فعل "ابن دانيال".
فقط يمكن التأكيد على أن "خيال الظل" أتاح للفرد العادي، وبعيدا عن يد البطش أو السلطة، أتاح له أن يعبر عن هواجسه وأفكاره، آماله وأمنياته. بداية من المحتل الأجنبي لبلاده، حتى شيخ الحارة (ممثل السلطة).
إن خيال الظل في المجتمع العربي القديم وحتى توقفه نهائيا في النصف الأول القرن العشرين، كان يعتبر تسلية للفئات الفقيرة التي تهمها مناقشة مشاكلها الاجتماعية والسياسية، حيث يتطرق القائمون عليه إلى أهم المشاكل التي تفضح استغلال النظام السياسي أو الأغنياء للفقراء.
فمن خلال ألاعيب وحيل الشخصية الشعبية الرئيسية الفقيرة في خيال الظل القديم (كرا كوز) والنقد اللاذع الذي يوجهه لأعدائه، تتورط الشخصيات الأخرى، وهي عادة من أصحاب السلطة والطبقات الغنية، داخل شبكة من المشاكل المعقدة التي يعانيها الإنسان الفقير، فتُظهر غباءها الحقيقي وعدم قدرتها على مواجهتها أو تحملها، مما تثير البهجة في قلوب جمهور الفقراء.
أما كراكوز فيجد دائما الحيلة المناسبة للخروج سالما من هذه المشاكل والشباك التي ينصبها للشخصيات الأخرى.
إذن لأسباب كثيرة توقف خيال الظل عن الاستمرار كشكل تراثي له علاقة بالفرجة التي تتناسب مع المجتمع العربي القديم، وتحول إلى ظاهرة ومهنة غير محترمة، واقتصر على تسلية الأطفال والمناسبات. فلم يتحول إلى فن شعبي معاصر أو يتطور إلى شكل متميز للمسرح التراثي العربي. السيد نجم