الرئاسة الفلسطينية والدبلوماسية السرية

بقلم: نقولا ناصر

يبدو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس حصل عبر الدبلوماسية السرية على ما يسوغ التفاؤل الذي يبديه في دبلوماسيته العلنية من عقد الاجتماع الدولي الذي اقترحه الرئيس جورج دبليو. بوش هذا الخريف في واشنطن، هذا الاجتماع الذي لم يترك عباس فرصة تمر دون أن يطلب جلاء "الغموض الذي يحيط بعقده حد تلميح بعض مساعديه إلى احتمال مقاطعته له إن لم ينجل غموضه. إن الدعوة التي وجهها عباس للرئيس البرازيلي لولا داسيلفا في 25 الجاري بعد لقائهما في نيويورك لحضور مؤتمر الخريف كانت مؤشرا إلى أن الرئيس الفلسطيني لديه ما يدعوه للتفاؤل حد أن يوجه الدعوة وهو لا يملك حق توجيهها بينما لم توضح واشنطن راعية المؤتمر الأطراف الأصيلة التي ستشارك فيه ولم توجه أي دعوات له حتى الآن.
علنا، يبدو الرئيس عباس كمن ينحت في صخر أميركي وإسرائيلي صلد وهو يسعى مثابرا دون كلل، عبر قنوات علنية وسرية، جاهدا إلى إبقاء شعبه حاضرا على مائدة لئام يسعون إلى إعادة ترتيب خريطة المنطقة بالاحتلال والعدوان المسلح والعقوبات السياسية والاقتصادية ليجد نفسه يحاول مكابرا أن ينتزع أملا وطنيا من ضغوط خارجية متصاعدة مصرة على سوقه إلى "اجتماع خريفي" دولي لم يرشح حتى الآن ما يثبت أنه يلبى الحد الأدنى من شروطه المعلنة وهو في ذلك يسبح ضد تيار شعبي تتصاعد معارضته للحراك السياسي العلني الراهن الذي تكاد أضواؤه تعشي الأبصار والبصائر بينما جعجعته تصم الأسماع دون أن تطلق في الأجواء ذرة طحن واحدة.
لقد صمت إلى الأبد ليل يوم الاثنين، الرابع والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر الجاري، صوت داعية السلام الفلسطيني العريق والمخضرم والقيادي الوطني حيدر عبد الشافي في تزامن مع لقاء عباس مع الرئيس الأميركي جورج دبليو. بوش على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وهو الاجتماع الذي ذهب إليه الرئيس الفلسطيني بالرغم من شكوكه المعلنة حول جدوى لقاء الخريف الذي اقترحه بوش وبالضد من تحذيرات وطنية وعربية ودولية تنصح عباس بعدم الذهاب إلى ذاك اللقاء الخريفي.
إن إصرار عباس على الذهاب إلى لقاء الخريف بالرغم من كل ما قيل ويقال عن عدم جدواه لا ينبغي المرور عليه مرور الكرام بل يجب التوقف عنده لأنه إصرار لا يمكن تفسيره بأي سذاجة لا يمكن بأي حال اتهام الرئيس الفلسطيني بها كزعيم تبلغ به السذاجة حدٌ التعلق بالأوهام، فالتفسير المنطقي الوحيد الآخر لإصراره هو وجود معطيات سرية تسوغ له المراهنة على مستقبله السياسي وربما أيضا على مصير سلطة الحكم الذاتي التي يقودها. إن الدعوة التي وجهها عباس للرئيس البرازيلي لولا داسيلفا في 25 الجاري بعد لقائهما في نيويورك لحضور مؤتمر الخريف كانت مؤشرا إلى أن الرئيس الفلسطيني لديه ما يدعوه للتفاؤل حد أن يوجه الدعوة وهو لا يملك حق توجيه الدعوات وبينما لم توضح واشنطن راعية المؤتمر الأطراف الأصيلة التي ستشارك فيه ولم توجه أي دعوات له حتى الآن دون أن ينسى الرأي العام أن عباس نفسه كان يشكو من "غموض" المؤتمر حد أن يلمح مساعدوه إلى إمكانية مقاطعته له.
ومما يزيد في حيرة المراقبين أن تفاؤل عباس يتناقض مع شكوكه المعلنة في لقاء الخريف المرتقب ويتناقض كذلك مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أمام لجنة الأمن والخارجية في الكنيست يوم الأحد الماضي التي استبعد فيها أي تسوية فلسطينية إسرائيلية شاملة قبل 20 إلى 30 سنة مقبلة ونفى فيها أن يكون اجتماع الخريف "مؤتمرا للسلام" بينما يكرر وزير دفاعه إيهود باراك نفيه لإمكانية حدوث أي انسحاب لقوات الاحتلال من الضفة الغربية قبل أن يستكمل بناء درع مضاد للصواريخ خلال فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات في الأقل.
ومن المعروف أن عباس كان تاريخيا يؤيد "الدبلوماسية السرية" وقد نقل عنه أكثر من مرة منذ تولى مقاليد قيادة منظمة التحرير والسلطة تأييده لـ"القنوات السرية أو الخلفية" للتفاوض مع الإسرائيليين، وكان اختياره لأحمد قريع -- المفاوض الرئيس في محادثات أوسلو السرية التي جرت بموازاة المفاوضات التي كان يقودها المرحوم عبد الشافي في واشنطن ليقود عملية التفاوض الجديدة مع إسرائيل بديلا لصائب عريقات الذي كان عضوا في وفد عبد الشافي المفاوض، وكذلك ليرأس عملية إصلاح حركة فتح بعد سيطرة حماس على قطاع غزة -- هو أحدث مؤشر إلى أن عباس ما زال يثق في الدبلوماسية السرية.
ويلفت النظر هنا "الصمت" المدوي لقريع واستنكافه عن أي تصريحات هامة عما يفعله في مهمته الجديدة وهو حاليا المرجع الموثوق حول ما يجري بينما تتدفق التصريحات من كل المسئولين الآخرين! وربما يكون لصمت عبد الشافي الإجباري المتزامن مع صمت قريع الاختياري دلالة رمزية على غلبة سياسيي الدبلوماسية السرية في القيادة الفلسطينية في ضوء رحيل عبد الشافي وهو الذي كان قد استقال احتجاجا على فتح قنوات تفاوضية سرية موازية لمفاوضاته ليستقيل لاحقا من عضويته في المجلس التشريعي لسلطة الحكم الذاتي احتجاجا على تفشي الفساد في مؤسساتها.
في مقابلة له مع فضائية الجزيرة القطرية مؤخرا قال مهدي عبد الهادي رئيس الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية "باسيا" إن هناك أربع قنوات تفاوضية مفتوحة بين الفلسطينيين وبين الإسرائيليين ويمكن التخمين بأن منها القناة العلنية وأخرى يديرها قريع وثالثة تجري عبر القيادي الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي حسب تقارير إعلامية إسرائيلية. وحتى في القناة العلنية عبر اللقاءات الثنائية الدورية بين عباس وأولمرت فإن اليسير الذي يتسرب منها يتحدث عن عقمها حتى الآن ولا يسوغ استمرارها إلا تفسيرين أولهما الضغط الأميركي وثانيهما احتمال وجود تفاهمات "سرية" تبرر مواصلتها.
ويجدر التوقف هنا عند "وثيقتين" تسربتا إلى وسائل الإعلام. فقد نشرت صحيفة الصنداي تايمز البريطانية مؤخرا تقريرا كتبه عوزي مانهايمي تحدث فيه عن تحركات سرية لتنظيم "كامب ديفيد ثانية" فلسطينية – إسرائيلية أميركية في واشنطن قبل نهاية العام الحالي تضغط فيه الإدارة الأميركية من أجل التوصل إلى اتفاق "تاريخي" تدعمه دول الخليج العربية الست مع مصر والأردن "ينهي النزاع" الفلسطيني الإسرائيلي مقابل دولة فلسطينية على 95 في المائة من أراضي الضفة الغربية المحتلة عام 1967 بينما تحتفظ إسرائيل بالخمسة في المائة الباقية في القدس وتتم مبادلتها بأراض "إسرائيلية" ليست واضحة حتى الآن، وذلك في عرض يقدمه أولمرت لعباس في كامب ديفيد الثانية. وكان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد رفض عرضا حسب الخطوط العامة نفسها تقريبا في قمة كامب ديفيد الأولى عام 2000 مما قاد إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية فحصاره ثم تصفيته بالسم واستشهاده. وما يزال هذا التقرير بحاجة إلى نفي أو تأكيد.
أما الوثيقة الثانية فقد نشرتها وكالة "معا" الفلسطينية مترجمة عن العبرية ونقلتها عنها وسائل إعلام على نطاق واسع، ونفاها عباس وأولمرت كلاهما، لمسودة "إعلان مبادئ" دون توقيع من ثماني نقاط قيل إن الرجلين توصلا إليها خلال لقاءاتهما الثنائية لإعلانها في اجتماع الخريف المرتقب وقال المحللون إنها مماثلة لخطة (آمي) أيلون – (سري) نسيبة لعام 2002 ولاتفاق محمود عباس – يوسي بيلين لعام 1995 وكلا هاتين المبادرتين غير الرسميتين لقي استنكارا فلسطينيا واسعا لكنهما مع مثيلتهما "مبادرة جنيف" بين بيلين وياسر عبد ربه ما تزالان بصفة عامة أسسا للمحادثات الفلسطينية الإسرائيلية تحظى بدعم أميركي وأوروبي.
إن اختيار قريع لمهمة التفاوض الجديدة تثير مخاوف لدى الرأي العام الفلسطيني تتناقض مع الثقة التي يوليها الرئيس له بسبب المعارضة الواسعة لاتفاقيات أوسلو التي توصل إليها مع الجانب الإسرائيلي، هذه المعارضة التي تعززت واتسعت حتى شملت كثيرا من النخب التي كانت تدافع عنها وأنطقت ضدها شرائح نخبوية كانت صامتة حيالها، بسبب الفشل الذريع الذي آلت إليه عملية أوسلو التي أعلن "موتها" مسئولون إسرائيليون مثل رئيس الوزراء السابق أرييل شارون ومسئولون عرب مثل أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، وبسبب الحقائق التي خلقها الاحتلال على الأرض فضاعفت عدد المستعمرات الاستيطانية والمستوطنين فيها وحولت الأراضي المحتلة عام 1967 إلى سجون صغيرة في الهواء الطلق داخل كانتونات معزولة عن بعضها بينما جميعها معزولة عن القدس حاضرتها الروحية والتاريخية والثقافية والاقتصادية والسياسية. توصيف صحيح ومواقف مناقضة كتب الوزير السابق في السلطة الفلسطينية لشؤون القدس ومحرر مجلة "فلسطين – إسرائيل" الفصلية التي تصدر في القدس المحتلة زياد أبو زياد في مقال له مؤخرا بعنوان "لقاء واشنطن بين الوهم والحقيقة" يقول إن الربط بين "قلق" عباس المعلن والمتكرر من فشل اللقاء وبين قراره بتعيين رئيس الوزراء السابق قريع مسؤولا عن ملف مفاوضات الوضع النهائي مع إسرائيل يشير إلى أن الرئيس الفلسطيني "يسعى لبذل كل قدر ممكن من الجهد لإعطاء المضمون لمؤتمر واشنطن القادم" مع أن " أقصى ما تطمح إليه إدارة الرئيس بوش هو انجاز سياسي إعلامي لا يغير شيئا على أرض الواقع" بينما "أقصى ما يطمح إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي (إيهود أولمرت) فهو بيان مقتضب مبهم يتحدث عن السلام والحل والدولتين"، في محاولة أميركية إسرائيلية مشتركة لاستخدام حالة الانقسام الفلسطيني الراهنة "رافعة لتحقيق مكسب سياسي يخدم كلا من بوش وأولمرت في أوضاعهما الداخلية دون أي ثمن من جانبهما".
وما كتبه أبو زياد يمثل نموذجا لنهج سياسي – إعلامي درج عليه قادة اتفاقيات أوسلو التي وقعوها باسم منظمة التحرير الفلسطينية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي يتقنون فيه التوصيف الموضوعي للأوضاع لكنهم يبنون على المقدمات الصحيحة مواقف سياسية تتناقض في نتائجها تناقضا صارخا مع هذه المقدمات، كما هو الحال الآن مع موقفهم الذاهب إلى لقاء واشنطن الخريفي بالرغم من توصيفهم الصحيح له، هذا التوصيف الذي لم يضعفه لا لقاء عباس مع بوش يوم الثلاثاء الماضي ولا اجتماع اللجنة الرباعية الدولية في نيويورك في اليوم السابق ولا الزيارة الأخيرة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الأسبوع قبل الماضي لإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
لا بل إن القمة الأميركية الفلسطينية واجتماع الرباعية وزيارة رايس قد أوضحت جميعها أن واشنطن وتل أبيب قد صعدتا ضغوطهما في تنسيق كامل لابتزاز القيادة الفلسطينية كي تسهل انعقاد الاجتماع الدولي الذي اقترحه بوش في واشنطن هذا الخريف، بشروطهما، لتحقيق هدفين رئيسيين لا علاقة لهما لا بالسلام الفلسطيني الإسرائيلي ولا بالسلام العربي الإسرائيلي: أولهما استدراج دول الخليج العربية إلى تطبيع مجاني مع دولة الاحتلال بغطاء فلسطيني وثانيهما استخدام الاجتماع المقترح كغطاء دولي بمشاركة عربية وفلسطينية لإنهاء الحالة الناجمة عن الازدواجية الفلسطينية في قطاع غزة.
إن التناقض في التصريحات الفلسطينية الرسمية إنما يكشف فقط حجم الضغوط التي يمارسها الحليفان الاستراتيجيان على القيادة الفلسطينية. فعلى سبيل المثال، كان نمر حماد المستشار المقرب للرئيس محمود عباس قد صرح بأن الرئيس لن يحضر اجتماع الخريف إذا لم تلتزم إسرائيل بتسوية للوضع النهائي للأراضي المحتلة عام 1967 لكن مستشاره الآخر الناطق الرسمي أيضا باسم حركة فتح أحمد عبد الرحمن صرح لإذاعة صوت فلسطين تصريحا نشره لاحقا في بيان رسمي في العشرين من الشهر الجاري يؤكد فيه باسم القيادة: "نصر على عقد المؤتمر الدولي سواء نجحت أو فشلت اللقاءات الفلسطينية – الإسرائيلية" وأنه "لا يجب الربط" بين هذه اللقاءات وبين عقد المؤتمر، بالرغم من أن لقاءات عباس الدورية كل أسبوعين منذ أيار/مايو الماضي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تجري بهدف معلن واحد هو التمهيد لإنجاح اجتماع الخريف ولم تخف الإدارة الأميركية التي نسقت هذه اللقاءات الارتباط الوثيق بين الحدثين.
وإذا كان صائب عريقات كبير المفاوضين السابق (قبل أن يحل محله أحمد قريع، كما أكد عبد الرحمن في التصريح السابق نفسه) وغيره من المسئولين الفلسطينيين قد اتفقوا مع المسئولين الإسرائيليين على تفسير فشل أو عدم إعلان اتفاق نتيجة لقاءات عباس – أولمرت بأنه رغبة مشتركة في "عدم رفع سقف التوقعات" سواء من هذه اللقاءات أم من مؤتمر الخريف فإن مثل هذا التفسير لم يعد مقنعا لأحد في ضوء المواقف الأميركية – الإسرائيلية المعلنة.
فقمة عباس – بوش التي استغرقت 90 دقيقة منها نصف ساعة محادثات ثنائية اقتصرت على الرجلين فأنها لم تتمخض إلا عن تجديد بوش التزام واشنطن بحل الدولتين الذي فشلت إدارته خلال ولايتين له في تحقيقه دون أي التزام مماثل، معلن في الأقل، بأي آليات أو جدول زمني أو ضمانات للتنفيذ، كما يطالب عباس، تاركا الرئيس الفلسطيني فريسة لاختلال موازين القوى بتحويله إلى الاتفاق على مطالبه مع أولمرت عبر المحادثات الثنائية. وكان صائب عريقات قد صرح بأن عباس كان سيطالب بوش بوضع جدول أعمال قاطع للقاء الخريف. كما كان لافتا تأكيد بوش أن اجتماع الخريف لن يكون لقاء للتفاوض كما لفت الأنظار قوله لعباس أنه "يثمن حقيقة أنك تحارب المتطرفين الذين لا يشاركونك وجهة النظر نفسها"، في تحريض سافر على تسعير الانقسام الفلسطيني بين عباس وحماس.
وهذه النتائج الهزيلة للقمة الأميركية الفلسطينية الجديدة دفعت بمصدر مسؤول في الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، وهي مخضرمة وطليعية في التنظير للتسوية السلمية مع إسرائيل، إلى التصريح بأن رايس قد أعلنت "حشر الاجتماع الدولي منتصف أكتوبر/ تشرين أول تحت سقف "بيان مشترك" بقولها إنه: "ليس من الحكمة أن يكون هناك جدول زمني في هذه المرحلة"... " نزولاً عند موقف حكومة الاحتلال الإسرائيلي التي ترفض مفاوضات شاملة لكل عناصر الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي" ودعت الجبهة "السلطة الفلسطينية إلى الامتناع عن "بيان مشترك" يترك المصير الوطني في نفق المجهول".
ولم يخرج اجتماع ممثلي اللجنة الرباعية الدولية يوم الأحد الماضي في نيويورك عن إستراتيجية واشنطن وتل أبيب الهادفة إلى ترك عباس تحت رحمة مفاوضاته الثنائية مع إسرائيل، فقد أيد "بقوة" أمين عام الأمم المتحدة بان كي-مون ورايس ونظيرها الروسي سيرجي لافروف ومسؤول السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي خافير سولانا في بيان مشترك استمرار اللقاءات الدورية الثنائية بين عباس وبين أولمرت كما أيدوا عقد اجتماع الخريف الذي ما زال الغموض يلف جدول أعماله والمشاركين فيه والهدف النهائي له. رايس تغلق باب المناورة أمام عباس أما الجولة الأخيرة من الجولات المكوكية لوزيرة الخارجية الأميركية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة فإنها لم تتمخض عن أي التزام أميركي أو إسرائيلي بالحد الأدنى الذي كان الرئيس محمود عباس يكرر إعلانه كشرط مسبق لإنجاح الاجتماع الدولي المقترح وأنهت رايس زيارتها دون أن يتضح جدول أعمال هذا الاجتماع أو من سيشاركون فيه أو الهدف النهائي من عقده أو أي "غموض" كرر عباس علنا رغبته في إزالته، لا بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أعلن أن كل ما يسعى إليه من المؤتمر هو "بيان نوايا" لا يرقى إلى "إعلان المبادئ" الذي رفضته القيادة الفلسطينية في رام الله إذا لم يقترن بآليات وجدول زمني وضمانات للتنفيذ.
وقد استبقت حكومة أولمرت زيارة رايس بإعلانها قطاع غزة "كيانا معاديا" وهو الإعلان الذي سارعت الوزيرة الأميركية إلى الانضمام إليه، في تصريحات تفتقد الحد الأدنى من اللباقة الدبلوماسية لأنها أطلقتها قبل سويعات من لقائها عباس، في "علانية" تكشف دون ريب نية مبيتة للضغط على الرئيس الفلسطيني كي يتساوق مع الإعلان، ولابتزازه لتليين شروطه لحضور مؤتمر الخريف الذي اقترحه رئيسها في واشنطن. وقد تأكد موقفها في قمة عباس – بوش كما تأكد في اجتماع نيويورك للرباعية الدولية التي لم يشر بيانها إلى الإعلان الإسرائيلي الأميركي المشترك.
لقد وصف بيبي إيسكوبار، مؤلف كتاب "عولمستان: كيف ينحل العالم المعولم إلى حرب سائلة"، الإعلان الإسرائيلي بأنه "واحد من أكثر الأمثلة المخزية للعقوبة الجماعية في أي مكان في العالم في العصور الحديثة. وما هو رد "المجتمع الدولي" رفيع التفكير؟ إنه مثال "القردة الثلاثة" التي باختيارها لا تسمع ولا تنطق ولا ترى"! (آشيا تايمز في 22 الجاري)
ولم يترك هذا "الإعلان" المشترك أي هامش للمناورة السياسية أمام القيادة الفلسطينية في رام الله يُسوٌغ لها الاستمرار في إحباط محاولات التوسط الوطنية والعربية لاستعادة الوحدة الوطنية -- بغض النظر عن "شرعية" أو عدم شرعية مسوغاتها لذلك -- ويُسوٌغ لها الاستمرار في المراهنة على المساعي الأميركية، لأن هذا الإعلان كشف بما لا يدع أي مجال للشك أن كل عرب فلسطين مستهدفون إسرائيليا وأميركيا وأن إضفاء إسرائيل صفة رسمية وقانونية على حصار غزة إنما يستهدف هذه القيادة قبل أن يستهدف حماس بوضعها أمام خيار وحيد لا يمكن إلا أن تكون فيه إمٌا إلى جانب الحصار أو في الخندق الآخر المقاوم له.
لقد أغلق "الإعلان" هامش المناورة الضيق جدا أمام القيادة في رام الله لتجد نفسها محاصرة سياسيا حصارا يُخيٌرها بين صمت العاجز عن الفعل، أو الاكتفاء بالاحتجاج اللفظي عليه، أو مجاراته طوعا أو كرها، وجميع هذه خيارات تحاصر القيادة داخل حلقة مغلقة تضعها أمام شعبها في خانة الشبهة الوطنية. فهل هذه هي الطريقة الإسرائيلية والأميركية المثلى لما يدعونه من دعم للرئيس عباس ومعسكر "معتدليه" من القابضين على الجمر بتمسكهم بوهم السلام باعتباره "أملا" ما زالوا يعتقدون بأنه "ممكنا"، وباستمرار مراهنتهم على أن الطرف الأميركي الذي يثبت منذ عام 1948 أنه خصم يمكن أن يتحول فجأة إلى حكم يتوسط بنزاهة في الصراع على الوجود الذي يخوضه عرب فلسطين، بالرغم من كل الأدلة الواقعية السياسية والميدانية على أن ما تطلبه تل أبيب وواشنطن هو استسلام لا سلام؟
فهذا الإعلان لم يترك أمام هذه القيادة سوى خيارا واحدا هو الرضوخ للشروط الإسرائيلية – الأميركية المسبقة للذهاب إلى اجتماع الخريف لمواصلة عملية سلام لم تثبت جدواها منذ عام 1991، وفي مقدمة هذه الشروط طبعا استمرارها في القطيعة الوطنية مع الجناح الآخر للشرعية الفلسطينية المحاصر في قطاع غزة الذي كان يجري التعامل معه إسرائيليا، قبل وبعد انفجار أزمة الازدواجية، باعتباره بكل المقاييس "كيانا معاديا"، لكن دون إعلان حتى الأربعاء الماضي، وكانت القيادة في رام الله تجد في امتناع الاحتلال عن إعلان رسمي بذلك هامشا للمناورة يسمح لها لفظيا بإدانة الحصار والمطالبة برفعه أو في الأقل بإجراءات شكلية توحي ظاهريا بتخفيفه أسوة بالمسرحية الهزلية الجارية في الضفة الغربية، حيث ممارسات الاحتلال جميعها على الأرض تدحض الادعاءات الإسرائيلية بأنها تتعامل معها باعتبارها "شريكا" في السلام وليست "كيانا معاديا".
ويمثل "الإعلان" دعوة إسرائيلية غير مقصودة لوقفة وطنية تعيد الصف الفلسطيني إلى حصن الوحدة الوطنية، وهي الرصيد الأهم والوحيد المتبقي للاجتهادات الوطنية كافة الراغبة في البقاء في ميدان النضال الوطني وقيادته، فها هو الاحتلال نفسه يغلق أي ثغرات للمناورة في الاصطراع على سلطة ما زالت "وطنيتها" و"سيادتها" هدفا نضاليا قد يسقط دونه آلاف الشهداء قبل أن يتحقق ليكون "اسما على مسمى"، فلم يعد مُتاحا بعد هذا "الإعلان" أمام عرب فلسطين إلا أن يكونوا في خندق واحد، ولم يعد ممكنا الاستمرار في الوضع السابق حيث بعضهم كان مستهدفا للاغتيال، وبعضهم للاعتقال، وبعضهم للمطاردة الساخنة، وآخرون للتجويع، وبعض للتوظيف، وبعض للتوزير، وبعض لبطاقة الشخصيات الهامة "في آي بي"، وبعض محاصر منذ عام 2000 مثل نايلس وبعض له حرية الحركة مثل رام الله لا يعنيه ما يحدث في نابلس وكأنها تقع في سوازيلاند، ولا عاد ممكنا مثلا أن يكون مخيم بيت الما خاضعا لمنع التجول كمنطقة صيد مغلقة لجنود الاحتلال لتصفية الناشطين ضده بينما آخرون يتمتعون بأموال المانحين لعقد "ورشات عمل" و"معسكرات سلام" مع المتقاعدين من الجيش المحتل.
لقد كان أيضا لافتا للنظر أن تنضم أصوات إسرائيلية إلى روسيا والنرويج والهند واللجنة البرلمانية البريطانية ودول عدم الانحياز والدول العربية والإسلامية، ناهيك عن المطالبات الوطنية الفلسطينية، في الدعوة إلى الحوار مع حماس بينما قيادة منظمة التحرير ما تزال مصرة على رفض أي حوار كهذا،خصوصا إذا جاءت هذه الأصوات من حزب ميريتس وشركاء إسرائيليين في "مبادرة جنيف". فقد علق عضو الكنيست عن ميريتس ران كوهين على "الإعلان" بقوله إن "حكومة أولمرت – باراك... تبدو في الواقع متخصصة في إعلانات الحرب". أما عضو الكنيست عن الحزب نفسه يوسي بيلين فقد أدان الإعلان بأنه "قرار غبي وخطير" بينما دعت رفيقته في الحزب وفي الكنيست زاهافا جال-أون إلى إجراء محادثات مع حماس.
وفي 23 الجاري ذكرت يديعوت أحرونوت في موقعها على الإنترنت أن مثقفين إسرائيليين، منهم أموس أوز وديفيد غروسمان ومئير شاليف ويهوديت كاتزير وإيلي أمير وأليس شالفي وسافيون ليبريخت ودوريت رابينيان ويشوا سوبول وإيستي خاييم وإيه.بي. يهوشوا، وقعوا عريضة موجهة إلى أولمرت كتبت بالتعاون مع "مبادرة جنيف" الإسرائيلية عنوانها "تعامل مع أبو مازن (عباس)، تفاوض على وقف إطلاق نار مع حماس"، بينما يتصدر شركاؤهم الفلسطينيون في مبادرة جنيف حملة رفض الحوار مع الحركة الإسلامية! يسبح ضد تيار شعبي وكان المنطقي إلغاء لقاء عباس – رايس أو في الأقل تأجيله، إن لم تجد القيادة في رام الله الجرأة لإصدار بيان يهدد في الأقل بوقف الاتصالات الثنائية إذا نفذت دولة الاحتلال إعلانها ويدين الانحياز الأميركي ويهدد بمقاطعة اجتماع الخريف أو في الأقل يحذر من النتائج السلبية لهذا الانحياز على الوضع الإنساني المتفاقم في القطاع. وكان مستهجنا أن يصرح وزير الإعلام رياض المالكي بأن حكومته سوف تطلب "من الأميركيين الضغط على لإسرائيل للامتناع عن اتخاذ إجراء كهذا" (رويترز)!
لقد وضع "الإعلان المشترك" الرئيس عباس في وضع حرج حال دون أي فعل سوى إدانته الإعلان بأنه "عقوبة جماعية" بينما وصفه صائب عريقات بأنه "غير قانوني" و"باطل ولاغ"، لكن هذه التصريحات وكثير غيرها ومثلها لم تنجح حتى في امتصاص ولو جزء من الغضب الشعبي على عدم دعمها بالأفعال، لاستباق ما أدانته حماس باعتباره "إعلان حرب" على القطاع. وحتى في سياق القول لم تقل القيادة الفلسطينية أكثر مما قاله أمين عام الأمم المتحدة بان كي-مون عندما حث إسرائيل على إعادة النظر في قرارها وحذر بأنه يتعارض "مع التزامات إسرائيل تجاه السكان المدنيين" طبقا لقوانين حقوق الإنسان الدولية، فيما حثت مفوضة المنظمة الدولية لحقوق الإنسان الكندية لويز أربور إسرائيل على ممارسة ضبط النفس وكذلك فعلت وزارة الخارجية الروسية بينما أدانت سبع منظمات إنسانية إسرائيلية الإعلان.
وقد استهجن مراسل صحيفة هآرتس العبرية في 23 الجاري لقاء عباس مع أولمرت بعد "الإعلان" الإسرائيلي في الوقت الذي يهدد فيه الأخير "الرئيس عباس بوضع مليون ونصف من أبناء شعبه تحت الحصار والتجويع والظلام" مضيفا أن لقاءاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي "مسألة مهينة ومذلة لشعبه ولن تتمخض عن أي شيء جيد" وناصحا عباس بأنه كان "عليه أن يصرح: لا مؤتمر ولا لقاءات إلى أن يُرفع الحصار عن غزة". غير أن لقيادة منظمة التحرير رأي مغاير يرى بأن حكومة الاحتلال تتمنى لو يلجأ عباس إلى موقف الرفض "العدمي" هذا ليريحها من "الضغوط الأميركية" التي تدفعها باتجاه مؤتمر دولي لا بد وأن يرتب عليها التزامات بهذا القدر أو ذاك إزاء أحياء عملية السلام.
إن الرئيس عباس الذي يسعى جاهدا إلى إبقاء شعبه حاضرا على مائدة لئام يسعون إلى إعادة ترتيب خريطة المنطقة بالاحتلال والعدوان المسلح والعقوبات والضغوط السياسية يجد نفسه أيضا يسبح ضد تيار شعبي تتصاعد معارضته للحراك السياسي الراهن. فمثلا صدرت صحيفة "القدس" عشية زيارة رايس بافتتاحية عنوانها: "فليوقف عباس هذه المهزلة"، في إشارة إلى لقاءاته مع أولمرت التي بدأت "بضغط" من رايس في أوائل العام الحالي كما قالت الصحيفة، وتوقعت بأنه إذا فعل ذلك "فإنه سيجد دعما عربيا وعالميا غير محدود"، خصوصا من "المملكة العربية السعودية راعية اتفاق مكة، والحليف الأوثق للإدارة الأمريكية في المنطقة، (التي) قالت على لسان وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل إنها لن تشارك في مؤتمر سلام لا يبحث القضايا الأساسية، مثل اللاجئين والمستوطنات والقدس المحتلة والحدود، ولا يضع آلية واضحة لتنفيذ ما يمكن التوصل إليه من اتفاقات في هذا الصدد، أما الرئيس المصري حسني مبارك الحليف الثاني لواشنطن فقد عكس موقفاً مماثلاً وشكك في إمكانية نجاح أي مؤتمر سلام لا تشارك فيه سورية، ولا يبحث قضايا الحل النهائي".
ويتوقع كثير من الفلسطينيين من الدول العربية دعم عباس ومطالبه الواقعية لإنجاح اجتماع الخريف المقترح، بعدم المشاركة فيه ما لم تتوفر الشروط التي أعلنها عباس كحد أدنى لنجاحه، وعدم ترك الرئيس الفلسطيني منفردا يتحمل مسؤولية لا يستطيعها إلا بدعمهم لمقاطعة اجتماع لن يكون دون ذلك إلا فخا لاستدراجهم إلى تطبيع مجاني مع إسرائيل لن يستفيد منه لا الفلسطينيون ولا السلام شيئا، وسيكون في غياب الحد الفلسطيني الأدنى لنجاحه مجرد غطاء دولي لإطلاق يد إسرائيل حرة لتصفية الحالة الناجمة عن الازدواجية الفلسطينية في قطاع غزة عسكريا أو بالقتل الاقتصادي البطيء.
ومن الإنصاف القول إن دعوة حماس لوقف اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية ومقاطعة اجتماع الخريف تلقى آذانا فلسطينية صاغية لا يمكن تجاهلها، مما يزيد وضع الرئيس عباس حرجا، وهو الوضع الذي يريده الإسرائيليون له حتى يتخذون منه ذريعة للتنصل من أي التزامات لإحياء عملية سلام يطالبهم المجتمع الدولي بإحيائها، بحجة أن عباس حتى لو أراد توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل فإنه "لا يملك القدرة على تنفيذه" كما قال وزير "الدفاع" إيهود باراك (هآرتس في 21 الجاري) مكررا تصريحات رسمية إسرائيلية مماثلة لا تتوقف.
فعلى سبيل المثال قال مصطفى البرغوثي عضو المجلس التشريعي ورئيس "المبادرة الفلسطينية" التي كان المرحوم عبد الشافي من مؤسسيها إن الرئيس عباس يذهب إلى لقاء الخريف "فقط لكي يظل في السلطة. لكنها مضيعة للوقت. فهو لن يحصل على شيء من الإسرائيليين أو الأميركيين". وقال القيادي في فتح والعضو السابق في التشريعي قدورة فارس إن "على الرئيس عباس أن يفهم أن هذا (لقاء الخريف) سيكون مجرد اجتماع آخر بشعارات لا أكثر وكانت هناك اجتماعات كثيرة مثله".
غير أن عباس يوم الثلاثاء الماضي أعرب لبوش عن "الأمل" في أن يحرز اللقاء تقدما: "إننا نؤمن حقا إيمانا قويا جدا في عملية السلام ونحن نؤمن إيمانا قويا جدا في رؤيتكم لإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة تعيش جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل" كما قال للرئيس الأميركي، مستمرا في مراهنته على واشنطن التي لم تثبت أي مراهنة عربية عليها إلا خسرانا وخيبة أمل منذ اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة ضمان أمن إسرائيل ثابتا من ثوابت سياستها الخارجية قبل ستين عقدا من الزمن انهار خلالها الأمن القومي العربي وأصبح الوجود الوطني لعرب فلسطين في مهب الريح. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com