انتصار الحَمَل الوديع

بقلم: سامي العامري
أين تنشر؟

لا شكَّ أنَّ العالم تحوَّلَ تحوُّلاً جذرياً خلال السنوات العشر الأخيرة على الأقل وباتَ المرء بالكاد يلتقط أنفاسَهُ, وعلى المستوى الشخصيّ ألحظُ التغَيُّرَ الكبير الذي طرأ على حياتي اليومية وطبيعةَ علاقاتي وسلوكي المعتاد في التعاطي مع الناس والأشياء.
حصلَ هذا منذ أنْ بدأتُ التعامل مع هذه النافذة الصغيرة التي اسمها الإنترنت، فقد كانت لديَّ الكثير من الطموحات الثقافية التي ظلَّت لسنواتٍ طويلةٍ مُعطَّلةً مكبوتةً لأسباب عديدةٍ.
لعلَّّ أوَّلَها وأهمَّها التفرُّدُ الإحتكاري الأنانيّ ضيِّق الأفق الذي جوبِهتْ به تلك الطموحات من قِبَلِ مَن ينسبون أنفسهم زوراً إلى عالم الثقافة والمعرفة النقي، والذين بحكم المضاربات والإنخراط في ضجة السوق والعلاقات المشبوهة وغيرها استطاعوا جمعَ بعض رؤوس الأموال التي أهَّلتهم لتكوين ما يشبه المؤسّسات المُصطبِغة بصبغةٍ ثقافيةٍ واستطاعوا، نوعاً ما، من خلالها التحكَّم ببعض النوافذ الموصلة إلى منابع المعرفة ومصادرها.
ولأنهم كذلك، ولأنَّ المال (شيطان المدينة)، فقد كثُرَ مريدوهم ومتملِّقوهم ما جعلهم يتمدَّدون كالسرطان، ثمَّ ما لبث هذا السرطان بعد أن حقّّق أجزاءً مهمةً من مراميهِ أنْ انكمشَ على نفسهِ، أو قلْ انغلقَ على نفسهِ، ليشكِّلَ يوتوبيا رخيصةً تُزايد على الثقافة وتسعى لشراء الذِّمم, والويل لك إذا كنتَ صادقاً ونزيهاً.
ورغم ما في هذا من غُبنٍ وإجحافٍ وألمٍ استطعتُ كما استطاع العديدون غيري تخطَّي تلك المرحلة المظلمة بأقلِّ الخسائر.
كنتُ في البدء، مع بعض الإستثناءات، أبعثُ على سبيل المثال، إلى المحرِّر الثقافي أو لرئيس تحرير مجلة أدبية بقصيدة أو مقالة مصحوبةً برسالة رقيقة على أمل أن تنال مادّتي بعضَ الإهتمام، ثم النشر، فأحصلُ على جوابٍ يقول: سنرى.
وفي هذا رفضٌ مُبطَّنٌ (هذا إذا أجاب المُحرِّر) وإلاّ فالإنتظار لمدة شهور طويلةٍ وفي الغالب تنال القصيدةَ أو النصَّ الإهمال, وبعضُهم تتجمَّعُ لديهِ شهرياً عشراتُ الجرائد والدوريات وغيرها، وحين ينتهي منها لا يتَّصل بك ويقول لك: تعال وخُذْها. وإنما يفضِّل رميها في حاوية النفايات، أمّا أنْ يُعيركَ كتاباً فذلك محالُ المحال.
كان هذا مروراً سريعاً ولمحةً خاطفة وما خفيَ أفظع.
من العلامات الفارقة للقرن الماضي، أو أواخر الألفية الثانية، الفراغُ والكسل والخمول، حيث كان الفرد يجد الوقت الكافي لقراءة كتابٍ أو روايةٍ مكوَّنةٍ مثلاً من مئات الصفحات ويطلب المزيد.
أمّا وقد دخل الإنترنت حياتنا بشكلٍ واسعٍ بإمكاناتهِ الكثيرة والتي تزداد وتتضاعف فأجدُ دائماً ما يقاطعني عن الإستمرار في قراءة كتابٍ، حيث الفضول يأخذ بتلابيب القاريء للإستزادة من معارف أخرى طالما حَلُمَ بها، وقد تفيد الأمثلة فكثيراً ما كنتُ أرغبُ بإعادة قراءة المُعلَّقات، ووجهة نظر طه حسين وآخرين فيها، وكم أوصيتُ عليها وعلى غيرها من الكتُب سواء من بيروت أو دمشق، فلم أحصلْ عليها، وها هي أمامي على الشاشة وآلاف الأمثلة غيرها.
أي أنك باختصارٍ كإنسانٍ باحثٍ عن المعرفة لا تملك إلاّ أنْ تمضي ستَّ أو سبعَ ساعاتٍ يومياً أمام هذه النافذة التي في الحقيقة ليست اختراعاً علميَّاً وليدَ اليوم, أو لم يُفاجِيءْ بها العالمَ مجموعةٌ من العلماء بغتةً، وإنما هي عصارة كلِّ العلوم الإنسانية، وخلاصتها لحدِّ الآن, وأحد الخبراء قال عن الإنترنت، وهو مُحِقٌّ "أعظم ثورة في التاريخ البشري برمَّتهِ."
والساعات التي يمضيها أحدُنا يومياً أمام هذا الجهاز وهذا النظام، وإنْ كانت مُرهِقة نوعاً ما غير أنها مصحوبةٌ بمتعةٍ وأفضلُ بما لا يُقاس من مشاعر الملل التي كانت تكتنف حياة الكثير منّا, ومن طريفِ ما واجهتُ في هذا المجال أنْ سأَلني صديقٌ: أين تنشرُ؟ فأجبتهُ: في مواقع عديدة، ولكن تستطيع استخدام المُحرِّك جوجل، وذلك بوضع اسمي في الحقل المخصَّص وستأخذ فكرة.
وبعد فترة زارني وجلسَ على الكرسي ثُمَّ فتَحَ فمهُ طالباً مني خَلْعَ ضرسهِ ثم قال: سامحك الله, هناك طبيب أسنانٍ مصري الجنسية يحمل نفس اسمك، وعرفتُ أنهُ رجلٌ مُتَديِّن وكتاباتك تشي بالإلحاد، لذا فلا أعتقد أنَّ مريضاً سيُراجعُهُ بعد اليوم.
أجبتُهُ: أوَّلاً إنني لستُ مُلحداً، وثانياً لقد جعلتُ من الدكتور سامي طبيباً وشاعراً, فماذا يطلبُ مني أكثر؟
ومن جانب آخر بعتُ مكتبتي المتواضعة ما عدا المصادر الرئيسية واستبدلتُها بمكتبة إلكترونية من خلال التحميل والحفظ, هذا على الأقل ما جرى لحياتي أنا، وينسحبُ هذا بالطبع على حياة الكثيرين, وأمّا عن الحَمَل الوديع الذي قصدتُهُ فمن الفوائد الجمّة التي حصلتُ عليها قدرتي على قراءة عشرات القصائد والقصص والمقالات الجميلة والمفيدة يومياً.
وهذا هو السبب الأساس الذي دعاني إلى تأييد الرأي القائل بأنَّ عصر الكتاب انتهى أو يكاد، وبدأ عصر ازدهار القصيدة والقصة القصيرة والمقال، وطبعاً ناهيك عن الإمكانات الأخرى التي يوفِّرها لك الإنترنت كالموسيقى والمواضيع الفنية والعلمية التي كثيراً ما كنتُ أتمنّى النهل منها. سامي العامري
كولونيا – سبتمبر/أيلول – 2007 alamiri84@yahoo.de