هلال رزوقة يتّجه شرقا

الجزائر ـ من حسّان الباهي
لا قانون للشعراء

تحت عنوان "الهلال يتّجه شرقا"، صدرت هذه الأيّام، عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع بتونس الأعمال الشعرية الكاملة في جزئها الثاني للشاعر التونسي يوسف رزوقة، منطوية على المجاميع الشعريّة التالية:
ملحمة الخاتم، تحليق فوق المتوسّط، بعيدا عن رماد الأندلس، أزرق النّورس الضّحوك، هـايـتو، تمثال لجلالة المعنى، ما تطلبه الروح، تمكين الكائن في مكانه، رفة الجناح الخفيّ، رابسوديات شاعر جوّال، في رأب ما تصدّع بين الـرّوح وعمودها، 2 جلجامش1990، جحيمان في القلب، أرض الصّفر، يوغانا، الفراشة والدّيناميت.
على سبيل الإضاءة، كتب النّاقد العراقيّ ماجد السّامرائي مقدّمة ذات مدخلين، بعنوان "يوسف رزوقة بين الرمزيّة والحلم بعالم جديد"، وممّا جاء فيها:
"إن موقف رزوقة في هذا الديوان الشامل لجميع ما كتب، هو موقف الشاهد الذي يواجه تفتت الواقع وانهياراته بالسخرية منه أو التفجّع عليه. لتنتهي سلسلة الوقائع المروية، في انفصالاتها وتتابعاتها، مروية بلسان 'الشاهد' الذي لا ينفصل عن 'مضمون شهادته'."
ويضيف "وفي زحمة هذه الأسئلة يكتب الشاعر قصيدته "لتقول بالدفق الدقيق زمانها" في "محاولة للحلم/ وللتحريض عليه" (..) ولعل ما يتبدّى من مجموعة الشاعر هذه، أنه يكتب فيها "شعراً حديثاً"، من منطلق كون الحداثة تمثل انقطاعاً في سلسلة معطيات موروثة، فهو، هنا، لا يقطع فقط مع هذا "الموروث بأساليبه ولغة تعبيره. وإنما يعلن الانقطاع عنه بهجاء رموزه وإعلان التخلي عن أساليبه المعروفة، والانقطاع عن معارفه. جاعلاً من قصيدته "النموذج" الذي يؤسس عليه "قوله الشعري" وهو في نموذجه هذا يقتحم الذاكرة، ولكن ليسترد منها ماله فيها، وإنما ليبدده ويرميه خارجها، لأنه، شعرياً، لا يعنيه في شيء.‏
وكما يحقق انفصاله عن الذاكرة، يريد أيضاً تحقيق انفصاله عن "جمهورها" معلناً أن "زمنية قصيدته" لا علاقة لها بأية لحظة ماضية، رافضاً قوانين تلك اللحظة وما تحتم من اشتراطات، ومؤكداً أن قصيدته لا تقرأ ـ أو هذا ما يفترض ـ إلا ضمن "زمنيتها" المؤسسة ابتداءً منها، وليس على أي نموذج قبلي.
ولأنه يواجه حالات شبه ثابتة، ويعمل على خرق القاعدة التي تحكمها، نجده يواجه لحظتين في آن معاً: لحظة يمثلها الماضي بكل دوافعه وجميع معطياته، ورموزه ـ وهو يعمل على نزعها من ذاكرته لكي لا تتخلل نصوصه ـ ولحظة يؤسس فيها لنصه، وهو يريد لهذا النص الانبناء على زمنية جديدة." طائر الهجرات أمّا الشاعر الجزائريّ عبد الحميد شكيل، فقد ذيّل هذه الأعمال الشعرّيّة، بخاتمة، ناعتا صاحبها بطائر الهجرات ليضيف "إنّ تقديم الشاعر الكبير يوسف رزوقة إلى القارئ فيه الكثير من المجازفة على خلفية أن الآفاق الإبداعية والكتابية التي طرقها ويطرقها تحتاج إلى آليات ناجزة وشجاعة نادرة وإلمام واسع للإحاطة بها ورصد تحولاتها ومشارفها العرفانية وظلالها الجمالية وبناها الدلالية.
ذلك أن الشاعر رزوقة من الأسماء الكبيرة التي دخلت المغامرة الإبداعية بحب وجرأة وقتالية، محاولة بذلك كشط العراقيل والحواجز، في حركة دفع قوية، عناصرها الأساس: الثقة بالنفس، والمرجعية الذاتية، والسلة التراثية التي تغرف من المخزون المتراكم في ذاكرة كثيرا ما يعول عليها الشاعر لإثراء نصه الشعري وتأثيث منجزه الإبداعي العام، الزاخر بالكثير من الرواء والمتعة والتجاوز المبدع.
وكل ذلك يجيء من الكون العام الذي يتوفر عليه فضاء الشاعر، ونحن لا نجافي الحقيقة ولا نغالي فيها إذا قلنا إن رزوقة يتحرك في "مدار الرعب" دون خوف ولا قلق، يشفع له في ذلك شغفه الكبير بالكتابة وذهابه الشفيف في تلويناتها الرائعة ومناحيها الغامضة، مما جعله يحظى بالكثير من التقدير والاحترام والإعجاب، في عموم الوطن العربي، علاوة على السمعة الطيبة والسيرة الحسنة التي أوجدها لنفسه ولإبداعه في تونس الجميلة، وقد لاحت في نصوصه وكتاباته، محاطة بالحب و الشموخ."
ويؤكّد في الآن نفسه، في موقع آخر، على "أنّ كرونولوجية المسيرة الأدبية لهذا المبدع تبرز مواكبته للتمظهرات والتحولات والمتغيرات التي شهدتها المنطقة العربية والعالمية في مناحيها الجمالية والإبداعية والسوسيوثقافية.
وقد خلخل حجر المقول لتحطيم النمطية وبلورة سيمياء النص في سياق المعطى التراثي ومنجز الحداثة هذه التي يراها الشاعر مرتبطة ولصيقة بذاته ومحيطه المحلي / الكنز الكبير الذي يزخر بالفرادة والثراء والتنوع.
يشفع له في ذلك موقفه الإنساني الرائع من الكثير من القضايا التي تشغل بال كل مبدع، غيور على وطنه وأمته، ومن هنا ارتبطت قصائد يوسف رزوقة وكتاباته بالذات وبالمكان، فجاءت الرؤية الإبداعية في كونه العام مساوقة ومتجذرة وعارفة، مما جعلها تحظى بالقبول والإشادة الواعية التي تستقي علاماتها وأيقوناتها من خلل كتاباته ومجاميعه الشعرية التي ترصد تململ الذات وجنوح الواقع وانكسارات الأنا وإحباطات الإنسان.
كل ذلك في لغة مغايرة، مخاتلة وحاذقة، هدفها الأول والأخير: الكشف العقلاني والبيان العرفاني لما يعتمل في الواقع المعيش ومحيط الذات الكاتبة والمبدعة.
إن كتابات رزوقة تنم عن رؤية استشرافية، لائذة بشرف المعنى وبجلال القصد، مرامها الروح الإنسانية التي تثمن صدق القول وجهد الذاكرة وتمنح البعد النقدي والسمت الأنطولوجي قصد تطويق كل المعاني السلبية التي تعيق تقدم الإنسانية نحو بلوغ أسمى الأهداف المستقبلية في الحب والخير والسلام."
ليختم شكيل بالتّالي:
"إن هذه الشهادات/ الأيقونات تسهم، بشكل جيد في تفكيك، تحليل وبيان الجماليات والدلالات والمحمولات التي تنطوي عليها المدونة الشعرية والإبداعية لأحد الأصوات الشعرية العربية التي تتوفر على عناصر النجاح ومقومات الفرادة وركائز التفوق، منطلقها الأول والأخير: الذهاب المبدع والجمالي لمساءلة الذات المبدعة ودفعها نحو المكامن المشعة التي تزخر بها مخيلة الشاعر المشبع بالرؤى والأحلام والحذق الثقافي والمعرفي الذي جعل منه شاعر تونس الأبرز وأحد الأصوات الهامة والموصوفة في خريطة الإبداع العربي، خاصة في المنطقة المغاربية التي ظلت تنأى عن اهتمام النقد العربي.
وقد كرس جل اهتمامه للنص المشرقي، متناسيا جناحه الآخر الذي دونه سيكون الإقلاع الأدبي منقوصا وبلا أدنى فاعلية." هو في عيون مجايليه لشعراء المرحلة ونقّادها شهادات فيه وفي شعره، وهي أكثر من أن تحصى، ثبّتها ناشر أعماله الشعرية هذه تحت عنوان "هو في عيون مجايليه"، وكلّها انطباعات متباينة تسلّط بعض ضوء على مسيرته الشّعريّة الزّاخرة.
في رأي له، نشرته "الدستور" الأردنية في غضون عام 2005، يقول حيدر محمود "لقد استعادت تونس ريادة الشعر العربي التي كانت أيّام الشّابي عبر الشاعر يوسف رزوقة تحديدا. هذا الفتى الشيخ، على حداثته الجامحة، مسكون بالتراث العربي وإن مكانته لمرموقة في الأوساط الثقافية، كرّسها إبداعه الزاخر وحضوره القويّ في المشهد الثقافي العربي والغربي على حدّ السواء."
وعنه أيضا، يقول رأي ثان جاء في مقال نقديّ نشرته مؤخرا "الحياة الجديدة" بفلسطين، بإمضاء الشاعر أحمد دحبور:
"إنّه الآن في الخمسين. فهكذا يدهمنا العمر، لكنني لا أستطيع أن أتخيله إلا شابا في مقتبل العمر، لا تعرف متى يظهر ولا متى يختفي. وهو محتفظ بخصوصياته في إيقاع باطني كأنه يضنّ بردود أفعاله على العالم ليحولها إلى قصائد أو أعمال أدبية، وإلى ذلك، ما عرفت شخصا بصدق طويّة يوسف رزوقة، فهو لا ينطق إلا بشهادات طيّبة في حق زملائه وأصدقائه. ويصمت عندما يكون رأيه سلبيا. فهو لا يجامل ولكنه لا يعادي، بل يترك لشعره أن يعبّر عن واقع الحال مع أن شعره لا يتقيد بالمناسبة ولا يغوص في نثر الحياة اليومية المفصلة.
قلت له يوما: ربما كان عليك أن تقع في قصة حب تشوّش حياتك حتى تشتعل قصائدك بكهرباء غير مأمونة العواقب. فأجاب: ومن قال إني لم أقع؟
وأضاف: تعال نتنافذ حتى ترى في أيّ برزخ أقيم!"
وفعلا، هذا ما نلمسه لدى يوسف رزوقة في كلّ أعماله الشعريّة تقريبا، شاعر لا يخشى في العشق لومة ناقد، وهو لا يعشق إلاّ لينزف أكثر ويكتب من ثمّة ما يراه مرآة عاكسة لذاته المتشظّية شرقا وغربا.
ولعلّ أصدق ما يمكن أن يعبّر عن مشروع رزوقة الشّعريّ، ما ورد في تقرير لجنة تحكيم جائزة الملك عبد الله الثاني للإبداع والفنون التي نالها سنة 2004 حيث جاء فيه على ألسنة الأعضاء المحكّمين الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، الدكتورين أحمد الضبيب، وعبد القادر الرباعي، ما يلي:
"الشاعر يوسف رزوقة حداثيّ، تجريبيّ، يدهشك شعره لأنّه يستفزّك لكي تراجع توظيف الكلمة الشعرية، المثير في شعره، وهو يمزج الشعر بالنثر والعلاقات اللغوية في شعره غير متوقّعة، كما أن المعنى عنده بعيد يحتاج إلى تأويل. هو مهموم بالمكان الذي تمثّله الثقافة العربية في هذا العصر، لذا كانت اللّغة المحور الأوّل الذي يدور عليه شعره.
متأثّر بالحداثة الفرنسية لكنّه يعمل على إقامة حوار ايجابيّ معها. يعالج قضايا السّاعة وفق رؤية نهضوية راقية، وله إسهامات جليّة في تجديد الشعر العربي واستغلال أوثق لطاقات اللغة العربية وابتداع لأساليب فنّية ذات تقنية عالية.
يمثّل تيّارا حداثيّا مخصوصا، حداثة جامحة يتخطّى صاحبها المألوف إلى الغريب والسّهل إلى الصّعب، لا يقف في التجديد عند حدّ، وإنما هو دائم البحث عن المدهش والعجيب الأمر الذي دفعه إلى أن ينحو في تجديده منحى بعيدا." من مناخاته الشّعريّة يستهلّ يوسف رزوقة أعماله الشّعريّة بتساؤل حارق حول علاقة الشّاعر بناقده الغائب والّذي، في حال حضوره، يظلم الأثر وصاحبه بإسقاطاته الذّاتيّة ولا ينتصر من ثمّ لمواطن الإبداع فيه، إن وجدت: ما الشّعر؟
فالنّقّاد، إن وجدوا، فلاسفة
وتلك مصيبة كبرى
ولا قانون للشّعراء
يحميهم من الظّلم العظيم

ليضيف في موقع آخر ص 280، انظر قصيدة "آكلو لحم القصيدة": النقدة
عبدة الموز المستورد واللحم المفروم
عبيد السّيّد بافلوف.
الفقراء
عباد الربع المستثنى والخالي من معناه …
ذوو المصران الأعور والحمّى والزائدة الدودية والإسمنت الراكد في المعدة ..
كم يلزمنا ـ نحن الشعراء وأحفاد المردة ـ
من محلول الصودا
لنطهّر أفئدة النقدة ..
من فيروس القردة؟
كم يلزمنا من مسحوق الد. د. ت
لإبادة هذا الوهم الكافكاويّ
ـ وما يتعلق بالحشرات ـ
لدى النقدة؟
وهو إذ يستهدف الواقع النّقديّ الرّاكد في السّاحة الثقافيّة، داعيا إلى تحريك سواكنه بمثل هذا القول الشّعريّ، تلميحا وتصريحا، لا يستثني في الآن نفسه القارئ الّذي يعزف عن فعل القراءة، عن مطالعة كتاب هو زبدة معاناة كاتبه فيخصّه رزوقة بتحذير مرّ، في مطلع ديوانه "الفراشة والدّيناميت"، ص 351: هذا الكتاب
يوصي بنزع فتيله الثاوي هنا بين السطور كما يلي:
عدم الترفع عنه
وليقرأ
ـ مجاملة لصاحبه الذي أهدى الكتاب على الأقل ـ
من الغلاف إلى الغلاف
بل إن تاركه
ـ عزوفا أو مكابرة ـ
سيشعر يوم لا يجدي الشعور
بأنه عادي الحروف فلم يجد
في آخر العمر الخصيب
عدا الجفاف
تحفل هذه الأعمال الشّعريّة في جزئها الثاني بالمدهش والغريب حيث يتجلّى مدى ولع يوسف رزوقة باللّعب الغاداميريّ، الموظّف بين مقطع شعريّ وآخر، في غير إسفاف أو حذلقة، أداته في كلّ ذلك اللّغة المنفجرة بشتّى انزياحاتها الممكنة.
"الهلال يتّجه شرقا"؟ نعم، ما الشّاعر هنا إلاّ هلال يتحرّك في نقصانه، باتّجاه الشّرق، لعلّه واجد هناك، وهو العاشق المغاربيّ، جناحه المشرقيّ ليحلّق بالجناحين معا، باتّجاه الغرب.
يذكر أنّ الجزء الأوّل من أعماله الشعريّة صادر عن الشركة التونسيّة للنّشر وفنون الرسم سنة 2003، وضمّ من مجاميعه الشعريّة: إعلان حالة الطّوارئ، أزهار ثاني أوكسيد التّاريخ، بلاد ما بين اليدين، الذئب في العبارة ولدائن الرّوح تليها إيبيستيميّة الخروج. حسان الباهي ـ الجزائر