ذو النون المصري يقرأ الهيروغليفية قبل شامبليون

كتب ـ عبدالمنعم عبدالعظيم
المسألة في حوزتي

في كوخ صغير من الطوب الأخضر "اللبن"، مثل بيوت الغالبية العظمى من فلاحي مصر، وفي قرية القرنة، أشهر قرية في التاريخ، مثوى الملوك والنبلاء والملكات والأميرات، عاش عالم المصريات الشهير جاك فرنسوا شامبليون أثناء زيارته لمصر، ضمن بعثة فرنسية إيطالية "البعثة التوسكانية". كان ذلك فى 18 أغسطس 1828.
كان يسمى هذا الكوخ بالقصر، وكان قد أقام فترة في مقبرة رمسيس الرابع بوادي الملوك.
وقف شامبليون أمام معبد الكرنك، وهتف "هنا كل العظمة الفرعونية، كل ما تخيله وأبدعه المصري القديم، وما نحن في أوروبا سوى أقزام."
كانت رحلته قصة عشق لمصر، وللآثار الفرعونية، منذ التقى بصورة حجر رشيد، في جريدة "كوريه دى ايجبت" التي كانت تصدرها الحملة الفرنسية على مصر، وكان قد اكتشف هذا الحجر في قلعة قديمة بمدينة رشيد الضابط بالحملة الفرنسية بوشارد.
كان عمر شامبلون وقتها أحد عشر عاما، وكان طفلا معجزة له قدرة عجيبة على البحث والدراسة والحفظ، مهتما باللغات العربية والكلدانية والسريانية، وسرعان ما انكب على دراسة اللغة القبطية على يد الراهب القبطي دوم رفائيل، وفي ابراشية سان روش حيث يتلاقى الأقباط الذين جاءوا إلى فرنسا بمعية جيش نابليون.
وظل واحدا وعشرين عاما، عاكفا على دراسة رموز حجر رشيد حتى نجح في فك طلاسمه.
هنا أمسك بأوراقه في يده، وهبط مسرعا على سلالم المنزل رقم 28 بشارع مازارين بباريس، وجرى نحو أكاديمية الكتابات المنقوشة والآداب القديمة القريبة جدا، حيث يعمل شقيقه جاك جوزيف، وحين دخل مكتب شقيقة رفع يده عاليا وهتف "لقد نجحت المسألة في حوزتي."، ثم سقط مغشيا عليه، وراح فى غيبوبة امتدت لخمسة أيام، وعندما أفاق بدأ يحكي عن الرؤى التي شهدها في غيبوبته، وأسماء الفراعنة الذين نجح في كشف رموز أسمائهم.
حدث ذلك في 14 سبتمبر/أيلول 1822، وكان شامبليون وقتها في سن الواحدة والثلاثين من عمره.
وفي 27 سبتمبر 1882 أعلن عن اكتشافه في أكاديمية باريس، وحظي بلقب أستاذ المصريات؟
منح الملك لويس الثامن عشر شامليون صندوقا من الذهب، مكافأة لاكتشافه العظيم، واستقبله في الفاتيكان البابا ليون الثاني عشر، واقترح عليه تعيينه كاردينالا ولكن شامبليون رفضها بأدب.
لم يكن شامبليون بالرجل الذى يحبس نفسه في إطار واحد، كانت محاور اهتماماته متعددة بصورة مدهشة، فقد قام بالتوازي مع دراسة قواعد النحو القبطية، بدراسة الموسيقى الأثيوبية والمسكوكات القبطية، وكتب دراسة جغرافية عن مصر قبل غزو قمبيز.
وفي سبتمبر/أيلول 1827 زار مصر وعاش فترة بين آثار الأقصر، وفي عام 1832 مات بعد عودته من مصر مباشرة، وكان عمره أيامها اثنين وأربعين عاما. كان ذلك في 4 مارس/آذار 1832، وكان قبلها يعاني من آلام مبرحة.
جرت مراسم الجنازة بسان روش بحضور جمهور كبير، ودفن بمقابر بير لاشيز، وأقيمت بجوار قبره مسلة من الصلصال الرملي.
واستمر المغتابون لشامبليون في طعنه بعد وفاته، البعض ينكرون عليه اكتشافه في حين يتهمه الآخرون بسرقة الاكتشاف من توماس يونج، وفي كل عام يمر يثبت العكس ويتأكد صدق شامبليون.
وكلمة "هيروغليفية" كلمة يونانية قديمة معناها الصور المقدسة، ولعلنا وبعد سبعة آلاف عام، مازلنا نستخدم الصور في التعبير عن الأشياء، وبنفس الرموز التي استخدمها الفراعنة، فنرمز للنهر بشكل الموجة، والصقر برسم رأسه "رأس حورس"، أو ريشة منه، والجبل بثلاثة مثلثات، ونرمز للعدالة بالميزان.
ومازلنا نستعمل الرسم الفرعوني للأفعى، إشارة إلى الصيدلة والقناع رمزا للمسرح.
حتى إشارات المرور، والرموز على الخرائط، والرموز الانتخابية، ورموز الأحزاب والهيئات وأعلام المحافظات، أخذت فكرتها من الرموز والرسوم الفرعونية، وكذلك اللوحات الإرشادية، والرسوم الإحصائية.
لقد فرضت فكرة الرموز التي استعملها الفراعنة على العالم لسهولتها ووضوحها وجاذبيتها ولقربها من الفهم.
ولكن الذي لم يذكره التاريخ أن أول من قرأ الرمز الفرعونية من على جدران المعابد والبرابي قبل شامبليون، هو العالم الصوفي الزاهد ثوبان بن إبراهيم المعروف بذي النون المصري، والذي ولد في أخميم من أعمال محافظة سوهاج ويعد مؤسس الصوفية في مصر.
ولا يزال المصريون يستعملون عددا من التعبيرات والكلمات والأسماء الفرعونية، ظلت تتواتر وتدخل إلى مفردات اللغة العربية، وأن 90 % من مفردات اللغة القبطية فرعونية الأصل.
عبدالمنعم عبدالعظيم ـ الأقصر (مصر) Monemazim2007@yahoo.com