لوحات تسكنها الجراح من قانا اللبنانية

قانا (لبنان)
لوحات شاهدة على الحروب

بين بيوت قانا الجريحة في قلب الجنوب اللبناني وعبر طريق ضيقة تكاد لا تلحظ، ينتصب منزل تزين جدرانه تشكيلات ابتدعتها ريشة رسام اراد استباق الوقت قبل ان يدهمه فأقام لاعماله متحفا في منزل عائلته الكبير.
موسى طيبا ابن القرية الجنوبية التي ردد العالم صدى اسمها بعد مجزرتين دمويتين مرتكبهما واحد بفارق عشر سنوات (1996 و2006)، عاد الى بيت ابويه متأبطا لوحات شكلها على مدى نصف قرن تقريبا، وتنقلت بين القرية والمدينة بيروت والمهجر الفرنسي.
وفي القرية التي تبعد نحو 95 كيلومترا من بيروت، يقول موسى طيبا "اريد ان اعيش حياتي قبل ان انتهي".
وهو يروي كيف نشأ المتحف عام 2002 حتى بات اليوم يضم نحو 250 عملا.
ويقول "كان بيتي متوفرا فجمعت فيه لوحاتي او ما تبقى منها. كنت ادعو اصدقائي لرؤيتها ثم كبر الحلم وكبرت الفكرة، وتحقق المتحف" في المنزل الريفي الذي تنتصب بجواره شجرة سرو تفوقه عمرا في حديقة صغيرة تزينها شجرة ليمون والحبق.
ويضم المتحف اعمال الفنان على مدى خمسين عاما وبينها مجموعة من اعمال اصدقائه اللبنانيين والعالميين ومنها ثلاث لوحات اصلية لسلفادور دالي من ضمن مجموعة "الكوميديا الالهية" ولوحة غرافيك "مصارع الثيران" (ميتادور) لبيكاسو تحمل اثار لهيب حريق اجتاح منزله عام 1976 على خط التماس الفاصل بين شرق وغرب بيروت.
"هذه اللوحة عاشت الحرب الاهلية، وصمدت"، يقول عنها طيبا.
ومن الطابق الاول الى الثالث تتدرج اعمال الاكواريل والغرافيك والنحت مع بعض الاعمال الزيتية منذ البدايات عام 1957 وصولا الى التجريد عام 2006، مرورا بالاشكال الهندسية التكعيبية، الى جدارية "ابجدية ايلول" التي انتهى منها حديثا.
وتبدأ الجدارية باول حرف في الابجدية الفينيقية والذي يمثل راس الثور او زهرة حواء، ثم تتداخل الحروف مع حروف الابجدية العربية على جدار المنزل العتيق الذي يبلغ عمره اكثر من مئة سنة بارتفاع سبعة امتار وعرض نحو عشرين مترا، ومع ظل شجرة السرو الذي رسمه طيبا على الحائط المقابل.
وليس غريبا ان تكون "مجزرة قانا" (1996) اول لوحة تم تعليقها في المتحف وهي تمثل شظايا رأس متناثرة او "صرخة: لماذا الموت بدمار الانسان"، كما يقول الفنان.
وليس بعيدا عن اللوحة تمثال من الرخام لبلدة قانا هو عبارة عن ورقة زيتون تتناثر حولها مكعبات تمثل "شهداء" البلدة التي تضم نحو خمسة الاف نسمة.
وفي صيف 2006، من 12 تموز/يوليو الى 14 اب/اغسطس، شنت اسرائيل حربا على لبنان خلفت دمارا كبيرا في الجنوب لا تزال اثاره ماثلة في المنازل المهدمة والطرقات المقطوعة بسبب الحفر الكبيرة التي تملأها.
وقتل اكثر من عشرين شخصا معظمهم من الاطفال في قانا عندما استهدف القصف ملجأ، فاعاد ذلك الى الاذهان مجزرة ذهب ضحيتها اكثر من مئة شخص في البلدة في 1996 كانوا يحتمون في مخيم اقامته الامم المتحدة لايوائهم من القصف الاسرائيلي.
ويؤكد طيبا ان مبادرته فردية تماما وبتمويل شخصي. ويقول "لم اتلق اي دعم حتى الان من اي مؤسسة محلية او عالمية (..) ان لم يحصل ولم اتمكن من المتابعة عندها ساحترم القدر، القدر الذي اعادني الى هنا، بعد سنوات من البعد والمهجر".
ويوضح ان اكثر من 1500 شخص زاروا المتحف المفتوح الخميس والاحد خلال السنوات الثلاث الاخيرة، مبررا قلة الزوار بانه "لا توجد ثقافة فنية في القرى، في الجنوب كله لا توجد مدرسة او معهد فني واحد".
وفي لبنان معهدان للفنون التشكيلية في شطري بيروت واخر في طرابلس، في الشمال.
ويقول "اريد ان يكون المتحف مدرسة فنية نظرا لتنوع تقنيات الرسم وخصوصا الاكواريل"، اي الرسم المائي مؤكدا انه يوجه باستمرار دعوات لوزارات الثقافة والسياحة ونوادي القرى والمدن والمجالس البلدية.
لكنه يضيف باسى "بلادنا بعيدة جدا عن الحضارة. نحن نهمل حضارتنا وآثارنا ونهتم ببناء قصورنا".
ويتابع "لا توجد رعاية للفن في لبنان الغارق في ازمة سياسية، نحن اليوم عند مفترق طرق، كل شيء يموت امام الازمة".
وبعد سنوات من الحرب الاهلية (1975-1990) والحروب الاسرائيلية المتكررة، يشهد لبنان منذ نحو عام ازمة سياسية يفترض ان تنتهي بالاتفاق على رئيس للجمهورية وبرنامج الحكومة المقبلة قبل انتهاء الرئاسة الحالية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر.
ولدى سؤاله كيف لا يخشى على اعماله من الدمار، يشير طيبا الى ارض خلاء بجوار المنزل سقطت فيها عدة قذائف صيف 2006 ثم الى فتحة في جدار المنزل وآثار شظايا في الداخل بين اللوحات المعروضة.
ويقول "بالطبع خفت على اللوحات وعلى المنزل في حرب تموز/يوليو لكن الانسان اهم من العمل الفني".
ويضيف "لا احد يستطيع ان يحمي شيئا. اسرائيل قصفت البلدة عدة مرات ولا يزال المتحف قائما. انا احتجزت خلال الحرب الاهلية سنة 1976 ولا ازال موجودا، بيتي في بيروت احترق، تشردت وسرقت لوحاتي او احترقت، ولكن موسى طيبا لا يزال موجودا. انا اؤمن بالقدر".
ويسعى طيبا الذي يصف نفسه بانه "فرنسي المعاصرة لبناني الاصل"، الى الحاق متحفه بمتحف في الخارج ربما بمتحف مدينة شارتر الفرنسية حيث يقيم قسما كبيرا من السنة او بمتحف الماني او باحد متاحف القاهرة.
والى حين تحقيق ذلك، يستعد للعمل في محترفه المطل على تلال قريته ويواصل اضافة لوحات والوان الى متحفه الذي يستغل كل زاوية فيه ليلون ويرسم على الجدران او زجاج النوافد مجسدا انطباعاته مع مرور الوقت.